نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ} (149)

ولما انتفى{[31584]} أن يكون لهم حجة ، وثبت أن الأمر إنما هو لله ، ثبت أنه المختص بالحجة الواضحة ، فقال مسبباً عن ذلك : { قل فلله } أي الإله الأعظم وحده{[31585]} { الحجة البالغة } أي التي{[31586]} بلغت أعلى درجات الحق قوة ومتانة وبياناً ووضوحاً ورصانة بسبب أنه شامل العلم كامل القدرة كما أقررتم بذلك حين قلتم " و{[31587]} لو شاء الله ما أشركنا " وإن كنتم قلتموه على سبيل الإلزام والعناد لا لأجل التدين والاعتقاد { فلو شاء } أي الله { لهداكم } أي أنتم ومخالفيكم { أجمعين * } ولكنه لم يشأ ذلك ، بل شاء هداية بعض وضلال آخرين ، فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه ، فلزم على قولكم أن يكون الفريقان محقين ، فيكون الشيء الواحد حقاً{[31588]} غير حق في حال واحد ، وهذا لا يقوله عاقل ، ويلزمكم على ذلك أيضاً{[31589]} أن توالوا أخصامكم ولا تعادوهم وإن فعلوا ما فعلوا ، لأنه حق رضى الله لأنه{[31590]} بمشيئته وأنتم لا تقولون ذلك ، فبطل قولكم فثبت أنه قد يشاء الباطل لأنه لا يسأل عما يفعل ويرسل الرسل إليكم{[31591]} لإزالته ليقيم بهم الحجة على من{[31592]} يريد عقابه على ما يتعارفه الناس بينهم ، وورود{[31593]} الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع .


[31584]:من ظ، وفي الأصل: تنفى- كذا.
[31585]:سقط من ظ.
[31586]:في ظ: الذي.
[31587]:سقط من ظ.
[31588]:من ظ، وفي الأصل: حق.
[31589]:سقط من ظ.
[31590]:من ظ، وفي الأصل: لا.
[31591]:زيد من ظ.
[31592]:من ظ، وفي الأصل: ما.
[31593]:من ظ، وفي الأصل: ورد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ} (149)

قوله : { قل فلله الحجة البلغة } الفاء مقترنة بجواب شرط محذوف . أي إذا ظهر أنه لا حجة لكم فلله الحجة البالغة . والمراد بالحجة هنا : كتاب الله الحكيم ورسوله الأمين ومعجزاته المسخرة للنبيين لتكون آية للعالمين والبالغة ، أي الواضحة ، والكاملة المتانة والقوة بما يقطع كل عذر لكل محتج .

قوله : { فلو شاء لهدكم أجمعين } الله قادر أن يجعل الناس كلهم مؤمنين . قادر أن يخلق بني آدم على طبيعة لا تعرف غير الهدى ، فلا تميل للشر ولا تجنح للضلال البتة . قادر أن يجعل الإنسان على هذه الكيفية من التخلق ، لكنه سبحانه شاء أن يجعله على غير هذه الخلقة الرفافة المثلى . فقد جعله حافلا بحوافز الفضائل وحوافز الشهوات ، فهو بذلك مستجيب لنداء الهداية مثلما هو مستجيب لنداء الضلال ، وذلك مستجيب لنداء الضلال ، وذلك بما بث في كينونته من استعداد ذاتي مفطور لفعل كل من الخير والشر . فهو إذا ما مضى في طريق الهداية فقد اهتدى وأعانه الله على الخير وفعله . وإذا ما اختار أن يسلك طريق الباطل مكن الله له فعل ذلك بما أوتيه من استعداد جبل عليه في الأصل . وفي كل حال من الأحول أو خيار من خيارات الإنسان إنما يكون ذلك محوطا بقدرة الله وسلطانه . فهو مهما اختار أو فعل ، وأنى سار أو توجه إنما هو سادر في قدر الله ومن خلال إرادته المطلقة التي لا تعرف القيود أو الحدود .