التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ} (149)

{ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ( 148 ) قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ( 149 ) قل هلم شهداءكم( 1 ) الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون( 2 ) ( 150 ) } [ 148 – 150 ] .

في الآيات حكاية لما يمكن أن يقوله المشركون أمام الحقائق التي يقررها القرآن والحجج الدامغة التي يفحمهم بها حيث يعمدون إلى المداولة والمماراة فيقولون : إن الله لو شاء لما أشركنا نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا شيئا مما جرينا على تحريمه . ورد على أقوالهم هذه بأن أمثالهم من قبلهم كانوا يعمدون إلى مثل مداورتهم ومماراتهم في مواقف الجحود والمكابرة والتكذيب التي كانوا يقفونها من أنبيائهم فأدى ذلك إلى وقوع بأس الله وعذابه فيهم . وأمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بمطالبتهم بإظهار ما عندهم من علم أو برهان على صحة تقاليدهم وصدق نسبتها إلى الله .

وبأن يقرر لهم بأنهم لا يتبعون إلا الظن والتخمين . وبأن يعلن أن لله الحجة البالغة وأنه لو شاء لهدى الناس جميعا . وبأن يتحدى المشركين بالإتيان بشهدائهم الذين يشهدون أن الله حرم ما يحرمون . وأمر آخر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدم إتباع أهواء وأوهام المكذبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ويجعلون لله شركاء وأندادا معادلين له إذا ما جاءوا فعلا بشهدائهم وشهدوا بما يؤيد مزاعمهم وبعدم التسليم بصحة شهادتهم وتصديقهم فيها .

وواضح أن الآيات متصلة بالآيات السابقة ، وفصل من فصول المناظرة القائمة بين المشركين والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في صدد تقاليد التحريم والتحليل .

وبدء الآية الأولى يتضمن أن القول الذي حكي عن المشركين هو ما يتوقع صدوره منهم . وهذا الأسلوب مألوف في المناظرات كما لا يخفى . ولا يبعد أن يكون قد وقع منهم في موقف مماثل فتوقع أن يقولوه في هذا الموقف . وفي آية في سورة النحل سجل صدور ذلك منهم فعلا وهي هذه : { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ( 35 ) } .

والمتبادر أن المشركين قصدوا إفحام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقولهم إنما يفعلون ما يفعلون بمشيئة الله وأنه لو لم يشأ لما فعلوه . فردت عليهم الآيات ردين أشارت في أولهما إلى وحدة أخلاق وطبيعة الجاحدين المكذبين دائما في نزوعهم إلى المراوغة واللعب بالألفاظ . وأكدت في ثانيهما أن الله لو شاء لهدى الناس جميعا ، حيث انطوى فيه تقرير حكمة الله سبحانه التي اقتضت أن يكون للناس حرية الاختيار والسلوك لتكون له عليهم الحجة الدامغة البالغة .

تعليق على الآية

{ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون }

والآيتين التاليتين لها

ولقد كانت هذه الآيات موضوع بحث وجدل في بعض كتب التفسير بين أصحاب المذاهب الكلامية المختلفة منهم ، الذين يقول فريق منهم : إن الإنسان خالق أفعاله ، وإن الله يقدرها عليه من الأزل تقريرا لا حيلة فيه . والذين يقولون : إنه خالق كل شيء ومقدره ومن ذلك أفعال العباد .

والآيات في أصلها حكاية لقول المشركين ورد عليهم وتكذيب لهم . ومع ذلك فنحن نرى فيها على ضوء الشرح الذي شرحناه بها ، والذي نرجو أن يكون الصواب ردا مستمر التلقين على كل من يريد أن يقرر أن القرآن يؤيد فكرة التحتيم الجبري الأزلي على الناس في تصرفاتهم وأفعالهم . وعلى كل من يحاول التنصل من مسؤولية ما يقترفه من آثام بحجة أن هذا مكتوب عليه وأن الله لو لم يشأ فإنه لا يكون . وفي الآية الأولى نصا وروحا قرينة على أننا على صواب إن شاء الله ؛ حيث حكت حجة المشركين التي عمدوا إليها بأسلوب تنديدي وتسفيهي وأنكرتها إنكارا شديدا وأرجعتها إلى الروح الخبيثة التي يصدر عنها المشركون المكابرون المكذبون في كل ظرف ومكان وهي روح التعطيل والمراوغة والجدل والمكابرة .

وفي الآية نكتة لاذعة ، فالمشركون حاولوا أن يقيموا الحجة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقولهم لو شاء الله ما أشركنا والقرآن يرد عليهم ويقول : إن الحجة البالغة لله تعالى فهو لو شاء لهداهم ولكنه تركهم لاختيارهم لتكون حجته هي الدامغة وتدحض بذلك حجتهم . فالله لا يمكن أن يشاء لهم الشرك وإنما يدعوهم إلى الإيمان فإذا كانوا اختاروا الشرك وتقاليده فذلك من حثهم وعدم ارعوائهم لدعوة الحق .

ومن تحصيل الحاصل أن نقول : إن في كل ما تقدم تقبيحا قرآنيا مستمرا لهذه الروح ودعوة للمسلمين إلى النفرة منها . ولقد تكرر هذا في القرآن كثيرا ومرت أمثلة منه في سور سبق تفسيرها . ولا نرى هذا متنافيا مع واجب الإيمان بما قرره القرآن بأساليب متنوعة بأن مشيئة الله هي النافذة في كونه وخلقه وعباده . ولقد قلنا في مناسبة سابقة بأنه جعل الاختيار والكسب للناس لتحميلهم مسؤولية أعمالهم في الأصل من مشيئة الله أيضا وأن الله لا يمكن أن يشاء لعباده الكفر والكذب والتكذيب لآياته ورسله وقد رتب عليهم الجزاء الذي يستحقه ذلك وهذا مما يصح أن يورد في هذا المقام أيضا . والله أعلم .

تعليق على جملة

{ قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا }

لم نطلع في كتب التفسير التي اطلعنا عليها على بيان لمدى كلمة الشهداء في مقامها . وروح الآية تلهم أنهم أشخاص أحياء يمكن أن يستشهد بهم وأن يشهدوا ، وتلهم أن لهم صفة دينية ما تسوغ لهم الشهادة في الأمور والتقاليد الدينية والفصل في مشاكلها ويستشهد بهم فيها . والذي يتبادر لنا أنهم إما أن يكونوا من اليهود في معرض الاستشهاد على ما عندهم . وقد قلنا قبل قليل في سياق تفسير الآيتين السابقتين : إن من المحتمل أن يكون المشركون قد احتجوا بهم . ولقد كان في مكة بعض أفراد من الإسرائيليين على ما تفيده آية وردت في سورة الأحقاف وهي هذه : { قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ( 10 ) } وإما أن يكونوا سدنة الأصنام أو سدنة الكعبة أو أناسا كان لهم صفة أو مركز ديني عند العرب يرجع إليهم في الشؤون والمشاكل الدينية مما هو مألوف في كل ملة ونحلة .

ولقد ذكرت الروايات{[941]} أنه كان في مكة طبقة خاصة تسمى الأحماس يعترف العرب لها بالامتياز وكانت تسن بعض السنن والعادات فيسير الناس عليها . ونحن نميل إلى أن الآية قد عنت هذه الطبقة أكثر مما عنت اليهود . وفي الآية قرينة على هذا الترجيح حيث انطوى فيها توقع شهادة الشهداء بما يؤيد مزاعم المشركين وتقاليدهم والله أعلم .


[941]:انظر تفسير الآيات في كشاف الزمخشري والجزء الخامس من تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ص 224 – 228 وكتابنا عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبيئته قبل البعثة ص 194 – 195.