نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (35)

ولما كان استشراف النفس{[32184]} إلى السؤال عما يكون بعد حين المستقر والمتاع أشد من استشرافها{[32185]} إلى هذا لكونه أخفى منه ، فهو أبعد من خطوره في البال ؛ قدم قوله :{ قال فيها تحيون }[ الأعراف : 25 ] ولما كان ذكر الدواء لداء هتك السوءة أهم قدم{ أنزلنا عليكم لباساً }[ الأعراف : 26 ] ثم ما{[32186]} بعده حتى كان الأنسب بهذه{[32187]} الاية هذا الموضع فنظمت فيه .

ولما تقدمت الإشارة إلى الحث على اتباع الرسل بآيات المقصد الأول من مقاصد هذه السورة كقوله تعالى{ كتاب أنزل إليك }{[32188]} و{ لتنذر }[ الأعراف : 2 ] و{ اتبعوا ما أنزل إليكم }[ الأعراف : 3 ] وقوله{ فلنسئلن الذين أرسل إليهم } [ الآية{[32189]} ] ، وقوله{ قل أمر ربي بالقسط }[ الأعراف : 29 ] ،

{ إنما حرم ربي الفواحش }[ الأعراف : 33 ] والتحذير من الشياطين بقوله{ ولا تتبعوا من دونه أولياء }[ الأعراف : 3 ] وبقوله{ لأقعدن لهم صراطك المستقيم }[ الأعراف : 16 ] ، { لا يفتننكم الشيطان }[ الأعراف : 27 ] وغيره ، فتحرر أنه لا سبيل إلى النجاة إلا بالرسل ، وختم ذلك بالأجل حثاً على العمل في أيام المهلة ؛ أتبع ذلك قوله حاثاً على التعلق بأسباب النجاة باتباع الدعاة{[32190]} الهداة قبل الفوت بحادث الموت{[32191]} ببيان الجزاء لمن أحسن الاتباع في الدارين { يا بني آدم } .

ولما كان له سبحانه أن يعذب من خالف داعي العقل من غير إرسال رسول ، وكان إرسال الرسل جائزاً له وفضلاً منه سبحانه إذ لا يوجب عليه ، أشار إلى ذلك بحرف الشك فقال : { إما } هي إن ، الشرطية وصلت بها ما تأكيداً { يأتينكم رسل } ولما كانت زيادة الخبرة{[32192]} بالرسول أقطع للعذر وأقوى في الحجة قال : { منكم } أي من نوعكم من عند ربكم .

ولما كان الأغلب على مقصد هذه السورة العلم كما تقدم في{ فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين }[ الأعراف : 7 ] ويأتي في{ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم }[ الأعراف : 52 ] وغيرها ، كان التعبير بالقص - الذي هو تتبع الأثر كما تقدم في الأنعام - أليق فقال{[32193]} : { يقصون عليكم آياتي } أي يتابعون ذكرها لكم على وجه مقطوع به ، و{[32194]}يتبع بعضهم بها أثر بعض لا يتخالفون في أصل واحد من الأصول .

ولما كان لقاء الرسل حتماً والهجرة إليهم واجبة لأن العمل لا يقبل إلا بالاستناد{[32195]} إليهم مهما وجد إلى ذلك سبيل ، ربط الجزاء بالفاء فقال : { فمن اتقى } أي خاف مقامي وخاف وعيدي بسبب التصدق بالرسل والتلقي عنهم { وأصلح } أي عمل صالحاً باقتفاء آثارهم { فلا خوف } أي غالب { عليهم } أي بسبب ذلك من شيء يتوقعونه { ولا هم } أي بضمائرهم { يحزنون* } أي يتجدد لهم في{[32196]} وقت ما حزن على شيء فاتهم ، لأن الله يعطيهم ما يقر{[32197]} به أعينهم ، وكأنه{[32198]} غاية في التعبير لأن إجلالهم لله تعالى وهيبتهم له يمكن أن يطلق عليهما{[32199]} خوف .


[32184]:- سقط من ظ.
[32185]:- من ظ، وفي الأصل: استشراف.
[32186]:- زيد من ظ.
[32187]:- في ظ: لهذه.
[32188]:- من ظ، والقرآن الكريم، وفي الأصل: انزلنا
[32189]:- من ظ، وفي الأصل: استشراف.
[32190]:- زيد من ظ.
[32191]:-زيدت الواو بعده في ظ.
[32192]:- في ظ: الخير.
[32193]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32194]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32195]:- في ظ: باستناد.
[32196]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32197]:- في ظ: تقر.
[32198]:- في ظ: لأنه.
[32199]:- في ظ: عليها.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (35)

قوله تعالى : { يا بني آدم إما يأتيكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون 35 والذين كذبوا بآيتنا واستكبروا عنها أوليك أصحاب النار هم فيها خالدون } .

اللفظ ( إما ) هو إن الشرطية ، ضمت إليها ما لتأكيد الشرط{[1394]} ، والخطاب في هذه الآية من الله لعباده من ذرية آدم مبينا لهم أنه عن يجئكم رسلي الذين بعثتهم إليكم آمرين وناهين ، مبشرين ومنذرين ، وهم من أنفسكم ومن جنسكم ليبينوا لكم أحكامي وشرائعي وما ينفعكم في ديناكم أو أخراكم ، وذلك جملة شرط ، وجوابه الجملة الشرطية بعده وهي : { فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وقيل : جوابه محذوف وتقديره : إن يأتيكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فأطيعوهم ؟

وقوله : { اتقي وأصلح } أي خاف الله وعمل صالحا يرضيه وانتهى عما نهاه عنه { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } أي لا يخافون يوم القيامة كما يخاف الناس من العذاب إذا عاينوه فوردوا عليه . وكذلك لا يحزنون لفراق الدنيا ولما فاتهم فيها من شهوات ولذائذ تجنبوها رغبة في رضوان الله ، ولا لما تركوه وراءهم في الدنيا من الأموال أو الصحب والخلان والأحباب .


[1394]:تفسير النسفي جـ 2 وفتح القدير جـ 2 ص 203.