ولما أمر سبحانه بالقسط وبإقامة الوجه عند كل مسجد ، أمرهم بما ينبغي عند تلك الإقامة من ستر العورة الذي تقدم الحث عليه وبيان فحش الهتك وسوء أثره معبراً عنه بلفظ الزينة ترغيباً فيه وإذناً في الزينة وبياناً لأنها ليس مما يتورع عنه لقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله يحب إذا بسط على عبد رزقه أن يرى أثر نعمته عليه " رواه أحمد والترمذي وابن منيع عن أبي هريرة رضى الله عنه ، وأتبع ذلك أعظم ما ينبغي لابن آدم أن يعتبر فيه القسط من المأكل والمشرب فقال مكرراً النداء استعطافاً وإظهاراً لعظيم الإشفاق وتذكيراً بقصة أبيهم آدم عليه السلام التي أخرجته من الجنة مع كونه صفي الله ليشتد الحذر : { يا بني آدم } أي الذي زيناه فغره الشيطان ثم وقيناه شره بما أنعمنا عليه به من حسن التوبة وعظيم الرغبة { خذوا زينتكم } أي التي تقدم التعبير عنها بالريش لستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة { عند كل مسجد } وأكد ذلك{[32151]} كونُهم كانوا قد شرعوا أن غير الحمس يطوفون عراة .
ولما أمر{[32152]} بكسوة الظاهر بالثياب لأن صحة الصلاة متوقفة عليها ، أمر بكسوة{[32153]} الباطن بالطعام والشراب لتوقف القدرة عادة عليها فقال : { وكلوا واشربوا } وحسَّن ذلك أن بعضهم كان يتدين في الحج بالتضييق في ذلك .
ولما أمر بالملبس والمطعم ، نهى عن الاعتداء فيهما فقال : { ولا تسرفوا } بوضع شيء من ذلك فيما لا يكون أحق مواضعه ولو بالزيادة على المعاء ، ومن ذلك أن يتبع السنة في الشرب فيسبر لأن العكر يرسب في الإناء فربما أذى من شربه ، ولذلك نهى عن النفس في الإناء لأنه ربما أنتن فعافته النفس ، وأما الطعام فليحسن إناءه والأصابع لنيل البركة وهو أنظف{[32154]} ، ثم علل ذلك بقوله : { إنه لا يحب المسرفين* } أي لا يكرمهم ، ولا شك أن من لا يحبه لا يحصل له شيء من الخير فيحيط به كل شر ، ومن جملة السرف الأكل في جميع البطن ، والاقتصاد الاقتصار على الثلث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبة فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس " و " وما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن " {[32155]} و " الكافر يأكل في سبعة أمعاء{[32156]} والمؤمن يأكل في معى واحد " أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال الأطباء ، الأمعاء سبعة ، فالمعنى حينئذ أن الكافر{[32157]} يأكل شبعاً فيملأ الأمعاء السبعة ، والمؤمن يأكل تقوتاً{[32158]} فيأكل في معى واحد ، وذلك سبع بطنه ، وإليه الإشارة بلقيمات ، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهوالثلث - والله أعلم - وسبب الآية أنهم كانوا يطرحون ثيابهم إذا أرادوا الطواف ، يقولون : لا نطوف في ثياب إذ بتنا فيها ، ونتعرى منها لنتعرى{[32159]} من الذنوب إلا{[32160]} الحمس وهم قريش ومن ولده ، وكانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً ، فقال المسلمون : يارسول الله{[32161]} ! فنحن أحق أن نفعل ذلك - فأنزلت .
قوله تعالى : { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين 31 قل من حرم زينة الله التي أخرج لبعاده والطيبات الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون 32 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطان وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } .
ذلك رد من الله على المشركين السفهاء من عرب الجاهلية فيما كانوا يفعلونه في طوافهم بالبيت عراة ؛ فقد روي مسلم عن ابن عباس قال : كانت المرأة تطوف بالبيت في الجاهلية وهي عريانة وعلى فرجها خرقة وهي تقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله *** وما بدا منه فلا أحله
فنزلت { خذوا زينتكم عند كل مسجد } ونزلت { قل من حرم زينة الله } {[1379]} .
وقيل : نزلت في حي من أهل اليمن كان أحدهم إذا قدم حاجا أو معتمرا يقول : لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد دنست فيه . فيقول : من يعترني مئزرا ، فإن قدر على ذلك ، وإلا طاف عريانا ، فأنزل الله : { خذوا زينتكم عند كل مسجد } .
وقيل : كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس قريش وأحلافهم ، فمن جاء من غيرهم وضع ثياب أحمس ؛ فغنه لا يحل له أن يلبس ثيابه ، فغن لم يجد من بعيره من الحمس ؛ فإنه يلقي ثيابه ويطوف عريانا ، وإن طاف في ثياب نفسه ؛ ألقاها إذا قضى طوافه يحرمها فيجعلها حرما عليه . فأنزل الله الآية{[1380]} وفي رواية أخرى لمسلم عن عورة عن أبيه قال : كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس ، والحمس قريش وما ولدت ، كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجل الرجل ، والنساء النساء ، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة ، وكان الناس كلهم يقفون بعرفات .
وفي رواية لغير مسلم : ويقولون نحن أهل الحرم فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا . فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوابا ، ولا يسار يستأجره به كان بين أحد أمرين : إما أن يطوف بالبيت عريانا ، وإما أن يطوف في ثيابه ، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد . وكان ذلك الثوب يسمى اللقى{[1381]} .
وفي هذه الآية يخاطب الله سائر بني آدم ، وإن كان المقصود بنزولها العرب الذين كانوا يطوفون البيت عراة . والعبرة في عموم اللفظ وليس في خصوص السبب . والآية رد ظاهر للعادات السقيمة التي كان العرب الجاهليون يتلبسون بها ؛ إذ يطوفون بالبيت عراة . وذلك ما كانت تأمرهم به أحلامهم الضالة ويسوله لهم الشيطان . وليس أدل على ذلك من الطواف بالبيت وهم عراة ، ظاهرة سوءاتهم للعيان .
ويستفاد من الآية : وجوب ستر العورة في الصلاة أو خارجها ، وذلك في حق الرجل والنساء . وهو ما بيناه سابقا . وفي ذلك أخرج مسلم عن المسور بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( ارجع على ثوبك فخذه ، ولا تمشوا عراة ) وقوله : { خذوا زينتكم عند كل مسجد } أي البسوا ثيابكم لموارة عوراتكم . والأمر المطلق يفيد الوجوب . والواجب هنا إنما هو في ستر العورة وليس في سائر وجوه الزنية . والزينة في الأصل كل ما يتزين به{[1382]} ؛ فهي تعم كل ما يتزين به المرء من اللباس وتوابعه . والآية لما دلت على وجوب أخذ الزينة لستر العورة فقد فهم منها في الجملة استحباب التجمل عند الصلاة لا سيما يوم الجمعة ويوم العيد ؛ ومن الزينة المستحبة أيضا الطيب والسواك واللباس الحسن . ومن أفضل اللباس البياض ؛ فقد روي الإمام أحمد عن ابن عباس مرفوعا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( البسوا من ثيابكم البياض ؛ فغنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ، وإن خير أكحالكم الإثمد ؛ فغنه يجلو البصر وينبت الشعر ) .
وأخرج أحمد واهل السنن عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بثياب البياض فالبسوها ؛ فإنها أطر وأطيب ، وكفنوا فيها أمواتكم ) .
قوله : { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } الأمر هنا يفيد الإباحة ، فقد احل الله لعباده الأكل من صنوف الطعام ، والشراب من أنواع الشراب شريطة اجتناب كل محظور منهما . ونهي عن الاسراف . والمراد به تحريم الحلال ؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من الطعام إلا ما كان للقوت ، ولا يأكلون دسما في أيام حجهم تعظيما لحجهم . فرد الله في هذه حكمهم وما كانوا يعتقدونه ، إذ أباح لهم الأكل والشراب شريطة عدم الإسراف . ومعناه ( الإسراف ) موضع تفصيل . فقد قيل : المراد به هنا تحريم الحلال أو التعدي إلى الحرام . وقيل : معناه الشره في الأكل أو الإفراط في الطعام والشراب . وذكر عن عمر بن الخطاب قوله في ذلك : ( إياكم والبطنة{[1383]} من الطعام والشراب ، فإنها مفسدة للجسد ، مورثة للسقم ، مكسلة عن الصلاة ، وعليكم بالقصد فيهما ؛ فإنها أصلح للجسد ، وأبعد من السرف ، وإن الله تعالى ليبغضن الحبر {[1384]}السمين ، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه ) .
وقيل : الإسراف هو مجاوزة الحد في كل شيء في ذلك الأكل والشراب واللبس وغير ذلك من وجوه الاستمتاع والزينة . وفي ذلك روي الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كلوا واشربوا ، والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف ؛ فإن الله يجب أن يرى نعمته على عبده ) .
روي الإمام أحمد كذلك عن المقداد بين معد يكرب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان فاعلا لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) .