التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{مَلِكِ ٱلنَّاسِ} (2)

بسم الله الرحمان الرحيم

{ قل أعوذ برب الناس( 1 ) ملك الناس( 2 ) إله الناس( 3 ) من شر الوسواس1 الخناس2 ( 4 ) الذي يوسوس في صدور الناس( 5 ) من الجنة3 والناس( 6 ) } [ 1-6 ] .

في آيات السورة أمر رباني موجه للنبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة بالله من وسوسة الإنس والجن ، وإغرائهم وإغوائهم .

وهي مثل سابقتها في معرض تعليم المسلمين الاستعاذة بالله وحده ، ونبذ ما سواه من كل وسوسة ظاهرة وخفية ، من جن وإنس .

والمتبادر أن المقصود من وسوسة الإنس هو ما يحاوله ويقوم به ذوو الأخلاق السيئة ، والسرائر الفاسدة ، من إغراء وإغواء ، وإيحاء ، وتلقين بالشرور والمنكرات والبغي ، وإقامة العثرات في سبيل الخير والصلاح ، والحق والبر .

أما وسوسة الجنة فالمقصود منها كما هو المتبادر أيضا وسوسة تلك العناصر الخفية التي توسوس في صدور الناس ، وتغريهم بالشر والفساد والمنكرات والبغي والكفر ، وعبادة غير الله ، وجحود نعمته . وتزينه لهم ، وتمنعهم عن الإيمان والخير والمعروف والبر ، والتي سماها القرآن بأسماء إبليس وجنوده وذريته وقبيله والشيطان والشياطين ، مما هو مستفيض في فصول القرآن المكية والمدنية استفاضة تغني عن التمثيل .

وروح الآيات تلهم أن السامعين يعرفون ما يفعله الوسواس الخناس من الجنة والناس .

وقد تضمنت السورة أهدافا جليلة ، وتلقينات بليغة . فالوساوس سواء أكانت تلك التي تأتي في أعماق النفس وعناصر الشر الخفية ، أم تلك التي تأتي عن طريق وألسنة الشر وأعوان السوء من البشر ، من شأنها أن تثير مختلف الهواجس ونوازع الشر والإثم ، وتسبب نتائج خطيرة في علاقات الناس ببعضهم ، وتزلزل فكرة الخير والمعروف والثقة والتضامن والسكينة والطمأنينة فيهم . فالأمر بالاستعاذة بالله منها ومن شر مسببيها يتضمن التحذير والتنبيه والتنديد من جهة ، والدعوة إلى الازورار عن الموسوسين ونبذهم من جهة ، وتلقين تغليب نوازع الخير وإقامة الناس علاقاتهم فيما بينهم على أساس الروح الطيبة ، والنية الحسنة ، وحسن الظن ، والتواثق من جهة ، وعدم الاستسلام لسوء الظن الذي تثيره الوساوس ، وعدم الإصغاء إلى كل كلمة يقولها المرجفون والدساسون ، وكل خبر يذيعونه ، وعدم الاندماج فيما ينصبونه من مكايد ، ويحيكونه من مؤامرات من جهة .

وبعض الروايات تذكر أنها نزلت مع سورة الفلق في مناسبة حادث سحر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة . وقد علقنا على هذا الحادث في سياق السورة السابقة . ولا تبدو صلة ظاهرة بين هذه السورة وبين الحادث المذكور ؛ بل إن روايات نزول السورتين متتابعتين ، وفي ظرف واحد تبعد السورتين معا عن ذلك الحادث . ومعظم روايات ترتيب السور تسلك هذه السورة كما تسلك السورة السابقة في سلك السور المكية المبكرة في النزول . وروح السورة وأسلوبها يجعلان النفس مطمئنة إلى ذلك ، ولا سيما أن مضمونها عام شامل ، وفيها صورة لما كان يجري بين الكفار إزاء الدعوة النبوية ؛ حيث كان زعماؤهم يبثون الدعاية والوساوس ضدها ، ويكيدون لها ، ويتآمرون عليها ليلا ونهارا على ما حكته آيات قرآنية مكية عديدة أوردنا أمثلة منها في المناسبات السابقة . هذا إلى ما ذكرته آيات كثيرة مكية ومدنية من وساوس الشيطان وإبليس اللذين عنتهما كلمة " الجنة " في السورة على الأرجح ، ونزغاتهما وإغراءاتهما للكفار ، وتزيينهما لهم مواقف الجحود والعناد والبغي ، مثل ما جاء في آية سورة فصلت هذه : { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم36 } ، وآية سورة ( ص ) هذه : { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين82 إلا عبادك منهم المخلصين83 }{[2656]} ، وآية سورة فاطر هذه : { إن الشيطان لكم عدوا فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير6 } ، ومثل آية سورة العنكبوت هذه : { وعاد وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين } ، وآيات سورة المؤمنين هذه : { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين97 وأعوذ بك رب أن يحضرون98 } ، وآية سورة الكهف هذه { وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا50 } .


[2656]:- الآيتان من سلسلة قصة آدم وإبليس .