أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ نَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} (74)

شرح الكلمات :

{ بالبينات } : أي بالحجج الواضحات على صدق دعوتهم ، وما يدعون إليه من توحيد الله تعالى .

{ نطبع } : الطبع على القلب عبادة عن تراكم الذنوب على القلب حتى لا يجد الإِيمان إليه طريقاً .

{ المعتدين } : الذين تجاوزوا الحد في الظلم والاعتداء على حدود الشرع .

المعنى :

ما ذكر تعالى طرفاً من قصة نوح عليه السلام وأبرز فيها مظهر التوكل على الله تعالى من نوح ليُقتَدَى ، ومظهر نصرة الله تعالى لأوليائه وهزيمته أعدائه ذكر هنا سنة من سننه في خلقه وهي أنه بعث من بعد نوح رسلاً كثيرين إلى أممهم فجاؤوهم بالبينات أي بالحجج والبراهين على صدقهم وصحة ما جاءوا به ودعوا إليه من توحيد الله ، فما كان أولئك الأقوام ليؤمنوا بما كذب به من سبقهم من نوح . قال تعالى : { كذلك نطبع على قلوب المعتدين } هذا بيان سنة الله تعالى في البشر وهي أن العبد إذا أذنب وواصل الذنب بدون توبة يصبح الذنب طبعاً من طباعه لا يمكنه أن يتخلى عنه ، وما الذنب إلا اعتداء على حدود الشارع فمن اعتدى واعتدى واصل الاعتداء حصل له الطبع وكان الختم على القلب فيصبح لا يقبل الإِيمان ولا يعرف المعروف ولا ينكر المنكر .

الهداية

من الهداية :

- بيان سنة الله في البشر وهي أن التوغل في الشر والفساد والظلم يوجب الختم على القلوب فيحرم العبد الإيمان والهداية .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ نَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} (74)

ولما لم يكن في قصص من بينه وبين موسى عليهم السلام مما يناسب مقصود هذه السورة إلا ما شاركوا فيه قوم نوح من أنهم لم تنفع الآيات من أريدت{[38270]} شقاوته منهم ، ذكره سبحانه طاوياً لما عداه فقال تعالى : { ثم } أي بعد مدة طويلة { بعثنا } أي على عظمتنا ؛ ولما كان البعث لم{[38271]} يستغرق زمان البعد ، أدخل الجار فقال : { من بعده } أي قوم{[38272]} نوح { رسلاً } {[38273]}كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام{[38274]} .

ولما كان ربما ظن أن قوم الإنسان لا يكذبونه ، وإن كذبوه لم يتمادوا على التكذيب لا سيما إن أتاهم بما يقترحونه من الخوارق قال : { إلى قومهم } أي ففاجأهم{[38275]} قومهم بالتكذيب { فجاءوهم } أي فتسبب عن استنادهم إلى عظمتنا أن جاؤوهم { بالبينات } ليزول تكذيبهم فيؤمنوا { فما } أي فتسبب عن ذلك ضد ما أمروا به وقامت دلائله وهو أنهم ما { كانوا } أي بوجه من وجوه الكون { ليؤمنوا } أي مقرين { بما كذبوا } أي مستهينين { به } أول ما جاؤوهم . ولما كان تكذيبهم في بعض الزمن الماضي ، أدخل الجار فقال : { من قبل } أي قبل مجيء البينات لأنا طبعنا على قلوبهم ؛ قال أبو حيان{[38276]} : وجاء النفي مصحوباً بلام الحجود ليدل على أن إيمانهم في حيز الاستحالة والامتناع - انتهى . ويجوز أن يكون التقدير : من قبل مجيء الرسل إليهم ، ويكون التكذيب أسند إليهم لأن أباهم كذبوا لما بدلوا ما كان عندهم من الدين الصحيح الذي أتتهم به الرسل ورضوا{[38277]} هم بما أحدث آباؤهم استحساناً{[38278]} له ، أو لأنه كان بين أظهرهم بقايا على بقايا مما شرعته الرسل فكانوا يعظونهم فيما يبتدعون فلا يعون ولا يسمعون كما كان قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل{[38279]} وغيرهم قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن المعنى الأول أولى - {[38280]}والله أعلم{[38281]} .

ولما قرر عدم انتفاعهم بالآيات ، بنى ما يليه على سؤاله من لعله يقول : هل استمر الخلق فيمن بعدهم ؟ فكأنه قيل : نعم ! { كذلك } أي مثل ما طبعنا على قلوبهم هذا الطبع العظيم { نطبع } أي نوجد الطبع ونجدده متى شئنا بما لنا من العظمة { على قلوب المعتدين* } في كل زمن لكل من تعمد العدو فيما لا يحل له ، وهذا كما أتى موسى عليه السلام إلى فرعون فدعاه إلى الله فكذبه فأخبره أن معه آية تصدقه فقال له : إن كنت جئت بآية فائت بها إن كنت من الصادقين ، فلما أتاه بها استمر على تكذيبه وكان كلما رأى{[38282]} آية ازداد تكذيباً .


[38270]:من ظ، وفي الأصل: أبدت.
[38271]:في ظ: لا.
[38272]:زيد من ظ.
[38273]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[38274]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[38275]:في ظ: ففاجأوهم.
[38276]:راجع البحر المحيط 5/180.
[38277]:من ظ، وفي الأصل: رضا.
[38278]:سقط من ظ.
[38279]:زيد من ظ.
[38280]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[38281]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[38282]:في ظ: رآه.