{ لم يك مغيراً نعمة } : تغيير النعمة تبديلها بنقمة بالسلب لها أو تعذيب أهلها .
وقوله تعالى { ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } إشارة إلى ما أنزله من عذاب على الأمم المكذبة الكافرة الظالمة ، وإلى بيان سنته في عباده وهي أنه تعالى لم يكن من شأنه أن يغير نعمة أنعمها على قوم كالأمن والرخاء ، أو الطهر والصفاء حتى يغيروا هم ما بأنفسهم بأن يكفروا ويكذبوا ، ويظلموا أو يفسقوا ويفجروا ، وعندئذ يغير تلك النعم ينقم فيحل محل الأمن والرخاء الخوف والغلاء ومحل الطهر والصفاء الخبث والشر والفساد هذا إن لم يأخذهم بالإِبادة الشاملة والاستئصال التام . وقوله تعالى { وأن الله سميع عليم } أي لأقوال عباده وأفعالهم فلذا يتم الجزاء عادلاً لا ظلم فيه .
- لم يكن من سنة الله تعالى في الخلق تغيير ما عليه الناس من خير أو شر حتى يكونوا هم البادئين .
ولما كان كأنه قيل : فما له يمهلهم ولا يعالجهم بالأخذ قبل النكاية في أوليائه وأهل وده وأصفيائه ؟ قال : { ذلك } أي الأخذ على هذه الحالة { بأن الله } أي بسبب أنهم غيروا ما في أنفسهم ، وقد كان له سبحانه أن يأخذهم قبل أن يغيروا{[35146]} لعلمه بما في ضمائرهم ، ولكنه تعالى أجرى سنته الإلهية لتمام علمه وكمال قدرته وإحاطته بجميع صفات الكمال بأنه { لم يك } هكذا كان الأصل ، ولكن حذف اختصاراً تقريباً لبيان تعميم العلة{[35147]} وإبعاد للسامع من مثل ذلك ، وحذف نون " يكن " إرشاداً إلى أن هذه الموعظة خليقة بأن يوجز بها غاية الإيجاز فيبادر إلى إلقائها لما في حسن تلقيها من عظيم المنفعة ، لأن من خالفها جدير بتعجيل الانتقام { مغيراً نعمة } أي قلت أو جلت ، وبين أنه لا نعمة على أحد إلا منه فقال : { أنعمها على قوم } أي من أيّ طائفة كانوا { حتى يغيروا } أي يبدلوا { ما } يعتقدونه { بأنفسهم } بغيره مما هو غريزة لهم وهو حفي عنهم ، يظنون اتصافهم بضده مما هو ظاهر لهم اتصافاً غريزياً{[35148]} { وأنّ } أي وبسبب أن { الله } أي الذي له الكمال كله{[35149]} { سميع } أي لما يكذبون به الرسل{[35150]} ولأقوالهم : إن ما يظهرونه وصفهم الحقيقي { عليم* } أي بما{[35151]} تكّن ضمائرهم من غيره وإن جهلوه هم فيبتليهم ببلاء يظهر به ذلك المكنون ويبرز به{[35152]} كل سر مصون ، فإذا تعلق به العلم ظاهراً{[35153]} علق به الحكم قاهراً لتمام قيام الحجة ، ولتمام علمه بحالهم أمهلهم ، وإنما يستعجل من يخاف أن تخيب فراسته أو يتغير علمه ، وأما الذي علمه بالظواهر{[35154]} والضمائر على حد سواء فالحالتان عنده سيان ، فهو يمهل لإتمام الحكمة ولا يهمل من استحق النقمة ، وذلك التغيير الذي أظهره البلاء هو التكذيب بالحق عناداً والبعد عما كانوا يدعونه من العدل والمشي على مناهيج العقل والاستحياء من العناد ، والتنزه من طرق الفساد ، هكذا كانت كل أمة أرسلت إليها الرسل تدعي وما عندها من خلاف{[35155]} ذلك مستور في ضمائرها مكنون في سرائرها ، لا تعلمه كما تشاهد أكثر من تعاشره ، يظن في نفسه ما ليس فيها ، وعند الامتحان يكذبه العيان ،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.