{ سبح لله ما في السموات وما في الأرض } : أي نزّه الله تعالى وقدَّسَهُ بلسان الحال والقال ما في السموات وما في الأرض من سائر الكائنات .
{ وهو العزيز الحكيم } : أي العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره لأوليائه .
يخبر تعالى عن جلاله وعظمته بأنه سبحه أي نزهه عن كل النقائص من الشريك والصاحبة والولد والعجز والنقص مطلقاً بلسان القال ولسان الحال جميع ما في السموات وما في الأرض من الملائكة والإِنس والجن والحيوان والشجر والحجر والمدر ، وأنه هو العزيز الانتقام الحكيم في تدبير حياة الأنام .
1- سورة " الحشر " من السور المدنية الخالصة ، وقد عرفت بهذا الاسم منذ العهد النبوي ، وسماها ابن عباس بسورة " بني النضير " فقد أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : سورة الحشر . قال : " سورة بني النضير " ولعل ابن عباس –رضي الله عنهما- سماها بهذا الاسم لحديثها المفصل عن غزوة بني النضير .
2- وعدد آياتها أربع وعشرون آية ، وكان نزولها بعد سورة " البينة " وقبل سورة " النصر " أي : أنها تعتبر من أواخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من سور قرآنية فهي السورة الثامنة والتسعون في ترتيب النزول .
أما ترتيبها في المصحف ، فهي السورة التاسعة والخمسون .
3- وقد افتتحت سورة " الحشر " بتنزيه الله –تعالى- عما لا يليق به ، ثم تحدثت عن غزوة " بني النضير " ، فذكرت جانبا من نصره لعباده المؤمنين ومن خذلانه لأولئك الضالين . . قال –تعالى- : { وهو الذين أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ، ما ظننتم أن يخرجوا ، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ، وقذف في قلوبهم الرعب ، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ، فاعتبروا يا أولي الأبصار . . } .
4- ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن تقسيم أموال بني النضير ، وعن حكمة الله –تعالى- في إرشاده النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا التقسيم ، فقال –سبحانه- : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ، فلله ، وللرسول ، ولذي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ، وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ، واتقوا الله إن الله شديد العقاب } .
5- وبعد أن أثنت السورة الكريمة على المهاجرين لبلائهم وإخلاصهم وعفة نفوسهم ، كما أتت على الأنصار لسخائهم ، وطهارة قلوبهم . . بعد كل ذلك أخذت السورة في التعجب من حال المنافقين ، الذين تحالفوا مع اليهود ضد المؤمنين ، وذكرت جانبا من أقوالهم الكاذبة ، ووعودهم الخادعة . . فقال –تعالى- : { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ، لئن أخرجتم لنخرجن معكم ، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم ، والله يشهد إنهم لكاذبون ] .
6- ثم وجهت السورة في أواخرها نداء إلى المؤمنين ، أمرتهم فيه بتقوى الله ، ونهتهم عن التشبه بالفاسقين عن أمر الله ، الذين تركوا ما أمرهم به –سبحانه- ، فكانت عاقبة أمرهم خسرا . .
وختمت بذكر جانب من أسماء الله –تعالى- وصفاته ، فقال –تعالى- : { هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ، سبحان الله عما يشركون . هو الله الخالق البارئ المصور ، له الأسماء الحسنى ، يسبح له ما في السموات والأرض ، وهو العزيز الحكيم } .
7- وبذلك نرى السورة الكريمة قد طوفت بنا مع بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع التشريعات الحكيمة التي شرعها الله –تعالى- في تقسيم الغنائم ، ومع صور زاهية كريمة من أخلاق المهاجرين والأنصار ، ومع صور قاتمة كريهة من أخلاق المنافقين وإخوانهم من اليهود . .
ومع جانب من أسماء الله –تعالى- وصفاته ، التي تليق به –عز وجل- .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . .
افتتحت سورة " الحشر " بالثناء على الله - تعالى - وبتنزيهه عن كل مالا يليق بذاته الجليلة ، فقال - عز وجل - : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم } .
وأصل التسبيح لغة : الإبعاد عن السوء . وشرعا : تنزيه الله - تعالى - عن كل مالا يليق بجلاله وكماله .
والذى يتدبر القرآن الكريم ، يجد أن الله - تعالى - قد ذكر فيه أن كل شىء فى هذا الكون يسبح بحمده - تعالى - ، كما فى قوله : { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } كما ذكر - سبحانه - أن الملائكة تسبح له ، كما فى قوله : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ . . . } وكذلك الرعد ، كما فى قوله : { وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ . . } وكذلك الجبال والطير قال - تعالى - : { إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق والطير مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } وقد سبق أن ذكرنا خلال تفسيرنا لقوله - تعالى - : { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . . } أن الرأى الذى تطمئن إليه النفس ، أن التسيبح حقيقى ، ولكن بلغة لا يعملها إلا الله - تعالى - .
والمعنى : سبح لله - تعالى - ونزهه عن كل ما لا يليق به ، جميع ما فىالسموات وجميع ما فى الأرض من كائنات ومخلوقات . وهو - عز وجل - { العزيز } الذى لا يغلبه غالب { العزيز الحكيم } فى أقواله وأفعاله .
وقد افتتحت بعض السور - كسورة الحديد والحشر والصف - بالفعل الماضى ، لإفادة الثبوت والتأكيد ، وأن التسبيح قد تم فعلا .
وافتتحت بعض السور ، كسورة الجمع والتغابن - بالفعل المضارع { يسبح } لإفادة تجدد هذا التسبيح لى كل وقت ، وحدوثه فى كل لحظة .
هذه السورة مدينة وآياتها أربع وعشرون . وهي سورة بني النضير ، وذلك لكبير المجال الذي احتله الحديث عنهم في السورة ، على أن بني النضير فئة من اليهود أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى خارج المدينة ، إذ ذهب بعضهم إلى خيبر ، وذهب آخرون إلى أرض الشام وهي من أرض المحشر يوم القيامة . ولقد أخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم بما نقضوه من المواثيق وخيانتهم للعهود .
وفي السورة بيان بالفيء من حيث معناه وحكمه وكيفية تقسيمه . وهو المال المأخوذ من المشركين من غير قتال ، إذ ينتزع المسلمون منهم المال الفاضل عن حاجتهم عقب قتالهم والتغلب عليهم . وذلك لإضعافهم وثنيهم عن قتال المسلمين ، ذلك أن الظالمين يتقوون بالمال على حرب الإسلام والمسلمين . فهم بالمال يستطيعون أن يملكوا وسائل الحرب والقتال من السلاح بمختلف أصنافه وغير ذلك من أسباب القتال ولوازمه لا جرم أن المال في أيدي المشركين الظالمين لهو وسيلة أساسية وكبرى تمكنهم من العدوان على المسلمين وإشاعة الشر والأذى والإرهاب والأراجيف في الأرض ، فإذا انتزعت منهم هذه الوسيلة المؤثرة الخطيرة ، قبعوا خاسئين خاضعين خانعين وقد سكنت فيهم بواعث الشر وأخرست فيهم ألسنة السوء من الدعاية الفاجرة الظالمة ، والتحريض المدمّر الشرير ومن أجل ذلك كله شرع الإسلام انتزاع المال من أيديهم إلا ما كانوا يحتاجون إليه ليعيشوا في ظل الإسلام آمنين سالمين .
{ سبّح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم 1 هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا ياأولى الأبصار 2 ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار 3 ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب 4 ما قطعتم من لّينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين } .
يبين للناس أن كل شيء في السماوات أو في الأرض يعظمه تعظيما ويمجّده تمجيدا ، وهو مذعن له بالوحدانية والإلهية وأنه الرب القادر ذو الملكوت ، { وهو العزيز الحكيم } العزيز يعني القوي القاهر المنتقم من الظالمين المتجبرين ، وهو الحكيم في تدبير أمور خلقه ، وهو قوله سبحانه : { سبّح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.