صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} (21)

{ فدلاهما بغرور }فأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية بما غرهما به من القسم ، من التدلية ، وهي إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل ، ومنه دلى الدلو في البئر . والغرور : إظهار النصح مع إبطان الغش . وأصله من غررت فلانا ، أي أصبت غرته وغفلته ، ونلت منه ما أريد .

{ و طفقا يخصفان . . } شرعا وأخذا يلزقان من ورق الجنة ورقة فوق أخرى على عورتهما لسترها ، من الخصف ، وهو خرز طاقات النمل ونحوه بإلصاق بعضها ببعض . وفعله من باب ضرب .

ولعل المعنى والله أعلم : أنهما لما ذاقا الشجرة وقد نهيا عن الأكل منها ظهر لهما أنهما قد زلا ، وخلعا ثوب الطاعة وبدت منهما سوءة المعصية ، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما ، فأخذا يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخفاء حتى لا يرى ، وذلك بخصف أوراق الجنة عليهما يجتنان بها ويستتران ، وما لهما إذ ذاك حيلة سوى ذلك . فلما سمعا النداء الرباني بتقريعهما ولومهما الهما أن يتوبا إلى الله ويستغفرا من ذنبهما ، بكلمات من فيض الرحمة الإلهية ، فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم ، وقال لهما فقط أو لهما ولذريتهما ، أو لهما ولإبليس : اهبطوا من الجنة إلى الأرض ، لينفذ ما أراده الله من استخلاف آدم وذريته في الأرض ، وعمارة الدنيا بهم إلى الأجل المسمى ، ومنازعة عدوهم لهم فيها ، والله بالغ أمره ، قد جعل الله لكل شيء قدرا . والله أعلم بأسرار كتابه

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} (21)

ولما أوصل إليهما هذا المعنى ، أخبر أنه أكده تأكيداً عظيماً كما يؤكد الحالف ما يحلف عليه فقال : { وقاسمهما } أي أقسم لهما ، لكن ذكر المفاعلة ليدل على أنه حصلت بينهما في ذلك مراوغات ومحاولات بذل فيها الجهد ، وأكد لمعرفته{[32066]} أنهما طبعا على النفرة من المعصية{[32067]} - ما أقسم عليه أنواعاً من التأكيد في قوله : { إني لكما } فأفاد تقديم الجار المفهم للاختصاص أنه يقول : إني خصصتكما بجميع نصيحتي { لمن الناصحين* } وفيه تنبيه على الاحتراز من الحالف ، وأن الأغلب أن كل حلاف كذاب ، فإنه لا يحلف إلا عند{[32068]} ظنه أن سامعه لا يصدقه ، ولا يظن ذلك إلا هو معتاد للكذب .


[32066]:- من ظ، وفي الأصل: لمعرفة.
[32067]:- من ظ، وفي الأصل: العطية- كذا
[32068]:- في ظ: على.