تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة}، يعني: معصية،
{وساء سبيلا}، يعني: المسلك، لم يكن يومئذ في الزنا حد حتى نزل الحد بالمدينة في سورة النور...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وقضى أيضا أن "لا تَقْرَبُوا "أيها الناس "الزّنا إنّهُ كانَ فاحِشَةً" يقول: إن الزّنا كان فاحشة "وَساءَ سَبيلاً" يقول: وساء طريق الزنا طريقا، لأن طريق أهل معصية الله، والمخالفين أمره، فأسوئ به طريقا يورد صاحبه نار جهنم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... {ولا تقربوا} الأسباب التي يوصل بها إلى الزنا.
فيه الإخبار بتحريم الزنا وأنه قبيح لأن الفاحشة هي التي قد تَفَاحَشَ قُبْحُها وعَظُمَ، وفيه دليل على أن الزنا قبيح في العقل قبل ورود السمع... ومن الدليل على أن الزنا قبيح في العقل أن الزانية لا نَسَبَ لولدها من قِبَلِ الأب، إذ ليس بعض الزناة أوْلى به لحاقه به من بعض، ففيه قطع الأنساب ومنع ما يتعلق بها من الحرمات في المواريث والمناكحات وصلة الأرحام وإبطال حقّ الوالد على الولد وما جرى مجرى ذلك من الحقوق التي تبطل مع الزنا، وذلك قبيح في العقول مستنكر في العادات؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وللْعَاهِرِ الحَجَرُ"...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
ترَّجحَ الزنا على غيره من الفواحش لأن فيه تضييعَ حُرْمَةِ الحقِّ، وهتكَ حُرْمَةِ الخلْق، ثم لِمَا فيه من الإخلال بالنَّسَبِ، وإفسادِ ذات البين من مقتضى الأَنَفَةِ والغضب...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فاحشة} قبيحة زائدة على حد القبح {وَسَاء سَبِيلاً} وبئس طريقاً طريقة، وهو أن تغصب على غيرك امرأته أو أخته أو بنته من غير سبب، والسبب ممكن وهو الصهر الذي شرعه الله...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
و «الفاحشة» ما يستتر به من المعاصي لقبحه،...
... {ولا تقربوا الزنا} قال القفال: إذا قيل للإنسان لا تقربوا هذا، فهذا أكد من أن يقول له لا تفعله... إنه تعالى وصف الزنا بصفات ثلاثة: كونه فاحشة، ومقتا وساء سبيلا؛ أما كونه فاحشة، فهو إشارة إلى اشتماله على فساد الأنساب الموجبة لخراب العالم وإلى اشتماله على التقاتل والتواثب على الفروج وهو أيضا يوجب خراب العالم. وأما المقت: فقد ذكرنا أن الزانية تصير ممقوتة مكروهة، وذلك يوجب عدم حصول السكن والازدواج وأن لا يعتمد الإنسان عليها في شيء من مهماته ومصالحه. وأما أنه ساء سبيلا، فهو ما ذكرنا أنه لا يبقى فرق بين الإنسان وبين البهائم في عدم اختصاص الذكران بالإناث، وأيضا يبقى ذل هذا العمل وعيبه وعاره على المرأة من غير أن يصير مجبورا بشيء من المنافع...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان في قتل الأولاد حظ من البخل، وفي فعل الزنا داعٍ من الإسراف، أتبعه به فقال تعالى: {ولا تقربوا} أي أدنى قرب بفعل شيء من مقدماته ولو بإخطاره بالخاطر {الزنى} مع أن السبب الغالب في فعل النساء له الحاجة وطلب التزيد، وفيه معنى قتل الولد بتضييع نسبه، وفيه تسبب في إيجاد نفس بالباطل، كما أن القتل تسبب في إعدامها بالباطل، وعبر بالقربان تعظيماً له لما فيه من المفاسد الجارّة إلى الفتن بالقتل وغيره؛ ثم علله بقوله مؤكداً إبلاغاً في التنفير عنه لما للنفس من شدة الداعية إليه: {إنه كان} أي كوناً لا ينفك عنه {فاحشة} أي زائدة القبح، وقد نهاكم عن الفحشاء في آية العدل والإحسان {وساء} الزنا {سبيلاً} أي ما أسوأه من طريق! والتعبير عنه بالسبيل يدل على كثرة متعاطيه بالدلالة على سعة منهجه.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{وَلاَ تَقْرَبُواْ} بمباشرة مباديه القريبةِ أو البعيدة فضلاً عن مباشرته وإنما نهى عن قُربانه على خلاف ما سبق ولحِق من القتل للمبالغة في النهي عن نفسه لأن قربانه داعٍ إلى مباشرته... وتوسيطُ النهي عنه بين النهي عن قتل الأولادِ والنهي عن قتل النفسِ المحرمة على الإطلاق باعتبار أنه قتلٌ للأولاد لِما أنه تضييعٌ للأنساب فإن من لم يثبُتْ نسبُه ميِّتٌ حكماً... قال النبي عليه السلام: « إذا زنى العبدُ خرجَ منه الإيمانُ فكانَ على رأسه كالظُّلّةِ فإذا انقطع رجعَ إليه»... وقال عليه السلام: « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
وصف الله الزنى وقبحه بأنه {كَانَ فَاحِشَةً} أي: إثما يستفحش في الشرع والعقل والفطر لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها وإفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إن في الزنا قتل من نواحي شتى. إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها، يتبعه غالبا الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق، قبل مولده أو بعد مولده فإذا ترك الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة، أو حياة مهينة، فهي حياة مضيعة في المجتمع على نحو من الأنحاء.. وهو قتل في صورة أخرى. قتل للجماعة التي يفشو فيها، فتضيع الأنساب وتختلط الدماء، وتذهب الثقة في العرض والولد، وتتحلل الجماعة وتتفكك روابطها، فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين الجماعات... ومن ثم يأخذ الإسلام الطريق على أسبابه الدافعة، توقيا للوقوع فيه.. يكره الاختلاط في غير ضرورة. ويحرم الخلوة. وينهى عن التبرج بالزينة. ويحض على الزواج لمن استطاع، ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع. ويكره الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور. وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد. ويحض على مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا أنفسهم. ويوقع أشد العقوبة على الجريمة حين تقع، وعلى رمي المحصنات الغافلات دون برهان...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف هذا النهي على النهي عن وأد البنات إيماء إلى أنهم كانوا يعدون من أعذارهم في وأد البنات الخشية من العار الذي قد يلحق من جراء إهمال البنات الناشئ عن الفقر الرامي بهن في مهاوي العهر، ولأن في الزنى إضاعة نسب النسل بحيث لا يعرف للنسل مرجع يأوي إليه وهو يشبه الوأد في الإضاعة... والقرب المنهي عنه هو أقل الملابسة، وهو كناية عن شدة النهي عن ملابسة الزنا، وقريب من هذا المعنى قولهم: ما كاد يفعل... والزنى في اصطلاح الإسلام مجامعة الرجل امرأة غير زوجة له ولا مملوكةٍ غير ذات الزوج. وفي الجاهية الزنى: مجامعة الرجل امرأة حرة غير زوج له وأما مجامعة الأمة غير المملوكة للرجل فهو البغاء...
وجملة {إنه كان فاحشة} تعليل للنهي عن ملابسته تعليلاً مبالغاً فيه من جهات بوصفه بالفاحشة الدال على فَعلة بالغة الحد الأقصى في القبح، وبتأكيد ذلك بحرف التوكيد، وبإقحام فعل (كان) المؤذن بأن خبره وصف راسخ مستقر... والمراد: أن ذلك وصف ثابت له في نفسه سواء علمه الناس من قبل أم لم يعلموه إلا بعد نزول الآية... وعناية الإسلام بتحريم الزنى لأن فيه إضاعة النسب وتعريض النسل للإهمال إن كان الزنى بغير متزوجة وهو خلل عظيم في المجتمع، ولأن فيه إفساد النساء على أزواجهن والأبكار على أوليائهن، ولأن فيه تعريضَ المرأة إلى الإهمال بإعراض الناس عن تزوجها، وطلاق زوجها إياها، ولما ينشأ عن الغيرة من الهرج والتقاتل... وقد زعم بعض المفسرين أن هذه الآية مدنية كما تقدم في صدر السورة ولا وجه لذلك الزعم...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
النهي عن قرب الزنى، وهو يتضمن النهي، فلم يقل سبحانه: لا تزنوا، بل قال: لا تقربوا، وهذا يتضمن النهي عن الزنى وعن كل ما يؤدى – أو يظن أنه يؤدى – إليه، كالقبلة والملامسة، ورؤية الأجزاء المغرية من جسم المرأة، والرقص الذي يثير الغريزة الجنسية، وأصوات النساء المغرية التي تتلوى فيها المرأة بما يثير ويدفع، ونشر الصور العارية، وغير ذلك مما نراه ونسمعه كل يوم، فكل هذا منهى عنه، وهو حرام؛ لأنه قرب من الزنى أو ذريعة إليه، وكل ما كان حراما في ذاته فذريعته ممنوعة، وهذا باب يسمى في الفقه سد الذرائع، فكل ما يؤدى إلى حرام لذاته يكون حراما لأنه يؤدى إليه... {وساء سبيلا}، ساء تستعمل بمعنى أفعل التعجب أي ما أسوأه سبيلا وطريقا في الحياة؛ لأنه اعتداء على الفضيلة، ويؤدى إلى انحلال الأسرة، وانحلالها انحلال للمجتمع...
قوله تعالى : { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } الزنا ، ذميمة مستقذرة ومشينة ؛ بل هو قاذورة من القاذورات التي تتدنس بها أشخاص الزناة والزواني .
ولقد شدد الإسلام النكير على الزنا ؛ لأنه خلق الفاسدين والآسنين من الناس الذين يرتعون في مستنقع الفحش والقذر . والذين لا يستمرئون النكاح الطاهر المشروع بل يروق لهم الغوص في وحل الرذيلة ودهاليز الخنا لينتكسوا بذلك إلى حظيرة البهائم العجماوات التي لا يحكمها عرف ولا نظام . على أن الزنا رذيلة بالغة الفحش لأنه سبب لخلط المياه وتزييف النسل والأنساب ؛ فهو بذلك سبيل يفضي إلى الفحش والخيانة في الذرية والأولاد . وذلك هو ديدن الحضارة المادية في هذا الزمان ، الحضارة التي تسخر من القيم والفضائل وتستند في أساسها إلى الشهوات والأهواء والغرائز ، أو ما تميل إليه النفوس من حق أو باطل ، فما تعبأ الحضارة المادية في هذا الزمان بغير مقتضيات الغريزة ، بغض النظر عن مبادئ الدين أو ظواهر الخلق والفضيلة . ولعل ظاهرة الزنا الفاحش المستشري ، أكثر شيوعا في المجتمعات المادية الجاحدة التي سوّل لها شياطين الإنس فعل المنكرات والمعاصي التي اتفقت على تحريمها الأديان السماوية ومن أظهرها الزنا . لقد سولت الشياطين البشرية أن ذلك معقول ولا ضير في فعله أو الإغراق فيه ما لم يكن غصبا . هكذا سوّل المضلون الأشقياء من أمثال فرويد ودارون ودوركايم وأتباعه ومريديهم من الضالين والمخدوعين في كل مكان ؛ لقد سولوا للبشرية المخدوعة المضللة أن الزنا ممارسة جنسية لا غبار عليها وهو كغيره من المطالب الفطرية التي يستوي فيها الأحياء من بشر وبهائم ؛ فليس من عيب أو بأس أو مخالفة في فعله . فاستجابت البشرية المضللة لمثل هذه الأصوات الشيطانية حتى غاصت في وحل القاذورات وانتكست إلى حمأة الدنس انتكاس السادرين التائهين الحيارى .
لكن الإسلام الذي يقيم الحياة على لاطهر والصفاء والنظافة ؛ ويبني مجتمعه على الصراحة والاستقامة والوضوح ، بعيدا عن فوضى البهائم الصًّم ، وعن مفاسد العهر الفاضح- قد حرم الزنا أشد تحريم بقدر تحضيضه وتحريضه على النكاح الطاهر المبارك . النكاح المبرأ السليم ، القائم على المودة المستديمة والانسجام المترابط الوثيق . فقال سبحانه : ( ولا تقربوا الزنى ) نهى عن مجرد القرب من الزنا . وهو يدل على تحريم كل أسباب الزان ودواعيه وبواعثه التي تفضي إليه كالتقبيل والخلوة والنظرات المكرورة المريبة ، والاختلاط الفاجر المغالي ؛ لما في ذلك من مدعاة يخشى معها الوقوع في الفاحشة .
ثم علل النهي عن الزنا والدنو منه بقوله : ( إنه كان فاحشة ) أي معصية مجاوزة لحد الشرع والعقول . فكل شيء جاوز حده فهو فاحش{[2678]} .
قوله : ( وساء سبيلا ) أي وساء طريق الزنا طريقا ؛ لأنه طريق الخراب والفحش والرذيلة وفساد الأفراد والمجتمعات{[2679]} .