الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (171)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{يَسْتَبْشِرُونَ}: يفرحون، {بِنِعْمَةٍ مِنْ اللّهِ} يعني بما حباهم به تعالى ذكره من عظيم كرامته عند ورودهم عليه، {وفَضْلٍ} يقول: وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب على ما سلف منهم من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجهاد أعدائه. ومعنى قوله: {لا يُضِيعُ أجْر المُؤْمِنِينَ}: لا يبطل جزاء أعمال من صدق رسوله واتبعه وعمل بما جاءه من عند الله.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

يحتمل {بنعمة من الله} الجنة {و فضل} زيادات لهم وكرامات من الله عز وجل.

وقوله تعالى: {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} أي لا يضيع من حسناتهم وخيراتهم وإن قل وصغر...

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

(يستبشرون بنعمة من الله وفضل) وقيل: أراد بالنعمة: قدر الكفاية، وبالفضل: ما زاد على الكفاية، ومعناه: لا يضيِّق عليهم، بل يوسّع في العطاء، وقيل: ذكر الفضل تأكيدا للنعمة...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

المسألة الأولى: أنه تعالى بين أنهم كما يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم على ما ذكر فهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم، وإنما أعاد لفظ {يستبشرون} لأن الاستبشار الأول كان بأحوال الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، والاستبشار الثاني كان بأحوال أنفسهم خاصة. فإن قيل: أليس أنه ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم والفرح عين الاستبشار؟ قلنا: الجواب من وجهين: الأول: إن الاستبشار هو الفرح التام فلا يلزم التكرار. والثاني: لعل المراد حصول الفرح بما حصل في الحال، وحصول الاستبشار بما عرفوا أن النعمة العظيمة تحصل لهم في الآخرة. المسألة الثانية: قوله: {بنعمة من الله وفضل} النعمة هي الثواب والفضل هو التفضل الزائد. المسألة الثالثة: الآية تدل على أن استبشارهم بسعادة إخوانهم أتم من استبشارهم بسعادة أنفسهم، لأن الاستبشار الأول في الذكر هو بأحوال الإخوان، وهذا، تنبيه من الله تعالى على أن فرح الإنسان بصلاح أحوال إخوانه ومتعلقيه، يجب أن يكون أتم وأكمل من فرحه بصلاح أحوال نفسه.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

(يستبشرون بنعمة من الله) ضمير يستبشرون إما للشهداء وإما للذين لم يلحقوا بهم، فإن كان للشهداء فهو عبارة عما يتجدد لهم من نعمة وفضل أو المراد بقوله بنعمة ما ذكره في الآية السابقة من كونهم أحياء عنده يرزقون (ذو فضل) هو عين ما ذكره في الآية السابقة من كونهم (فرحين بما آتاهم الله من فضله) وإن كان للذين لم يلحقوا بهم فالمعنى أنهم يستبشرون بمثل ما فرح به الشهداء (وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) وقرأ الكسائي "وإن "بكسر الهمزة على أنه تذييل أو معترض لتأييد معنى ما قبله. والمؤمنون هنا عما أريد به خصوص الذين وصفهم بقوله: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح).

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وقد عرفوا هذا واستيقنوه من حياتهم "عند ربهم "ومن تلقيهم لما يفيضه عليهم من نعمة وفضل، ومن يقينهم بأن هذا شأن الله مع المؤمنين الصادقين. وأنه لا يضيع أجر المؤمنين..

فما الذي يبقى من خصائص الحياة غير متحقق للشهداء -الذين قتلوا في سبيل الله؟- وما الذي يفصلهم عن إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم؟ وما الذي يجعل هذه النقلة موضع حسرة وفقدان ووحشة في نفس الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم؛ وهي أولى أن تكون موضع غبطة ورضى وأنس، عن هذه الرحلة إلى جوار الله، مع هذا الاتصال بالأحياء والحياة!

إنها تعديل كامل لمفهوم الموت -متى كان في سبيل الله- وللمشاعر المصاحبة له في نفوس المجاهدين أنفسهم، وفي النفوس التي يخلفونها من ورائهم. وإفساح لمجال الحياة ومشاعرها وصورها، بحيث تتجاوز نطاق هذه العاجلة، كما تتجاوز مظاهر الحياة الزائلة. وحيث تستقر في مجال فسيح عريض، لا تعترضه الحواجز التي تقوم في أذهاننا وتصوراتنا عن هذه النقلة من صورة إلى صورة، ومن حياة إلى حياة!

ووفقا لهذا المفهوم الجديد الذي أقامته هذه الآية ونظائرها من القرآن الكريم في قلوب المسلمين، سارت خطى المجاهدين الكرام في طلب الشهادة -في سبيل الله- وكانت منها تلك النماذج التي ذكرنا بعضها في مقدمات الحديث عن هذه الغزوة. فيرجع إليها هناك.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ضمير {يستبشرون بنعمة من الله} يجوز أن يعود إلى الذين لم يلحقوا بهم فتكون الجملة حالاً من الذين لم يلحقوا بهم أي لا خوف عليهم ولا حزن فهم مستبشرون بنعمة من الله، ويحتمل أن يكون تكريراً لقوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا} والضمير ل {الذين قُتِلوا في سبيل الله}، وفائدة التكرير تحقيق معنى البشارة كقوله: {ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا} [القصص: 63] فكرّر أغويناهم، ولأنّ هذا استبشار منه عائد لأنفسهم، ومنه عائد لرفاقهم الذين استجابوا لله من بعد القرح، والأولى عائدة لإخوانهم. والنعمة: هي ما يكون به صلاح، والفضل: الزيادة في النعمة.

وقوله: {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} قرأه الجمهور بفتح همزة (أنّ) على أنه عطف على {نعمةٍ من الله وفضلٍ}، والمقصود من ذلك تفخيم ما حصل لهم من الاستبشار وانشراح الأنفس بأنْ جمع الله لهم المسرّة الجثمانية الجزئية والمسرّة العقليّة الكلية، فإنّ إدراك الحقائق الكلية لذّة روحانية عظيمة لشرف الحقائق الكلية وشرف العلم بها، وحصول المسرّة للنفس من انكشافها لها وإدراكها، أي استبشروا بأنّ عَلِموا حقيقة كليّة وسرّاً جليلاً من أسرار العِلم بصفات الله وكمالاته، التي تعمّ آثارها، أهل الكمال كلَّهم، فتشمل الذين أدركوها وغيرهم، ولولا هذا المعنى الجليل لم يكن داع إلى زيادة {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} إذ لم يحصل بزيادته زيادةُ نعمة وفضل للمستبشرين مِن جنس النعمة والفضل الأولين، بل حصلت نعمة وفضل آخران.

وقرأه الكسائي بكسر همزة (إنّ) على أنه عطف على جملة {يستبشرون} في معنى التذييل فهو غير داخل فيما استبشر به الشهداء. ويجوز أن تكون الجملة على هذا الوجه ابتداء كلام، فتكون الواو للاستئناف.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

ولقد بين سبحانه وتعالى استبشارهم بحسن الجزاء فقال سبحانه: {يستبشرون بنعمة من الله وفضل وان الله لا يضيع اجر المؤمنين}.

هذه الجملة بيان للاستبشار السابق، والتخريج في معنى كلمة الاستبشار الذي ذكرناه في النص السابق يجرى فيها.

والمعنى أن هؤلاء الشهداء يطلبون البشرى بنعمة من الله تعالى، وهي نعمة جزيلة كريمة فاضلة لأنها صادرة عن مانح النعم لهذا الوجود كله ومسديها لكل حي، والنعمة هنا هي نعمة الانتصار، والفضل هو ما يسبغه الله تعالى على أهل الحق من عزة، وطلب له شاعرين بأن الموت في سبيل الله هو عين البقاء، والحياة في باطل هي عين الفناء، فالاستبشار من هؤلاء الأطهار استبشار بالعزة لدينهم وللحق الذي افتدوه بأجسامهم وخفقت من بعد ذلك أرواحهم، فهم يستبشرون بنعمة النصر وفضل العزة للذين جاءوا من بعدهم، فنعمتهم هم وفضل الله عليهم في نصرة الإسلام بعدهم، وكون الله تعالى لا يضيع اجر المؤمنين، بأن يعطيهم النصر والعزة والكرامة جزاء جهادهم، وليس الاستبشار هنا بما ينالونه هم، بل بما ينال الإسلام والمؤمنين من بعدهم، والدليل على ذلك أن الاستبشار هنا بيان للاستبشار الذي سبقه، والاستبشار الذي سبقه كان لأن الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأيضا فإن المؤمنين الذين لا يضيع جزاؤهم في الدنيا بالنصر، ولا في الآخرة بالنعيم المقيم، بينوا بأنهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وهم الذين قال الله تعالى فيهم:

{الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح}.

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (171)

قوله : ( يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) وهذا التكرير في الاستبشار الأول . فالاستبشار الأول كان بلحوق إخوانهم بهم في الشهادة وبمنجاتهم من الخوف والحزن . والثاني بنعمة الله وفضله . والنعمة يراد بها الجنة . والفضل داخل فيها . وعلى هذا فإن الله تعالى يبين أن هؤلاء الشهداء قد استبشروا مرتين :

الأولى : استبشارهم بأحوال الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم .

والثانية : استبشارهم بأحوال أنفسهم خاصة .

وثمة تفصيل يتعلق بأحكام الشهيد نبينه في اقتضاب فنقول :

إن الشهيد لا يغسل إذا قتل في المعترك وهو يواجه العدو . وهذا قول الجمهور . لما روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر بقتلى أحد فدفنوا بثيابهم ولم يصل عليهم . أما الشهيد غير قتيل المعترك فإنه يغسل . وهو قول الحنفية والشافعية والمالكية وآخرين . فقد ذهب هؤلاء جميعهم إلى غسل جميع الشهداء والصلاة عليهم إلا قتيل المعترك في قتال العدو خاصة . أما من قتل مظلوما كقتيل الخوارج واللصوص وقطاع الطريق وشبه ذلك فإنه يغسل في قول المالكية والشافعية ، خلافا للحنفية إذ قالوا : كل من قتل مظلوما لم يغسل ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد .

أما إذا حمل الشهيد حيا ولم يمت في المعترك وعاش وأكل فإنه يصلى عليه كما صنع بعمر رضي الله عنه .

أما الصلاة على الشهيد فموضع خلاف كذلك . فقد ذهبت المالكية والشافعية والحنابلة وأهل الظاهر إلى أنه لا يصلي على الشهيد المقتول في المعركة ؛ وذلك لحديث جابر قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم . أما الحنفية فقالوا بوجوب الصلاة على الشهيد ، لكنه لا يغسل لما ورد في ذلك من آثار أكثرها مراسيل على النبي صلى الله عليه و سلم على حمزة وعلى سائر شهداء أحد . وهذا ما لا خلاف فيه .

ولو دهم العدو المسلمين بغتة فقتل منهم ، فهل يكون حكم القتيل منهم محكم قتيل المعترك ؟ ثمة قولان في ذلك ، أصحهما : أنه يغسل ويصلي عليه ؛ لأنه لم يقتل في المعترك بين الصفين{[637]} .

ويستفاد من هذه الآية ما أعده الله للشهيد من عظيم الثواب فضلا عن تكفير الخطايا والذنوب جميعا إلا الدين ؛ وذلك للخبر " القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين ، كذلك قال جبريل عليه السلام " .

والتنصيص هنا على الدين تنبيه على ما في معناه من حقوق الناس المتعلقة بالذمم . وذلك كالسرقة والغصب وأخذ المال بالباطل ونحو ذلك من التبعات الثقال . فذلك كله أولى ألا يغفر بالجهاد والاستشهاد من الدين ؛ لأن ذلك أشد وُبوقا من الدين .

على أن الدين يحول بين الشهيد ودخول الجنة هو الذي يترك له المدين وفاء ولم يوص به . أو قدر على الوفاء حال حياته ولم يؤده ولم تحدثه نفسه بالوفاء ولا بالتوصية بالأداء بعد موته . أما إذا أدانه في حق بسبب من فاقة أو عسر ونحو ذلك ومات من غير أن يترك وفاء فإن الله لا يحول بينه وبين الجنة بمنته وفضله{[638]} .


[637]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 269-272 وبداية المجتهد لابن رشد جـ 1 ص 192، 203.
[638]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 273، 274.