تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
لما كذب كفار مكة محمدا بالرسالة، أخبر الله محمدا، عليه السلام، أنه أرسله رسولا كما أرسل نوحا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وشعيبا، في هذه السورة، فقال: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} فقال لهم: {إني لكم نذير} من العذاب، {مبين} يعن بيّن...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحا إلى قَوْمِهِ إنّي لَكُمْ" أيّها القوم "نَذِيرٌ "من الله أنذركم بأسه على كفركم به، فآمنوا به وأطيعوا أمره. ويعني بقوله: "مُبِينٌ": يبين لكم عما أرسل به إليكم من أمر الله ونهيه...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
أقسم الله تعالى في هذه الآية أنه أرسل نوحا وأمره أن يقول لهم: إني مؤد عن الله ومخوفكم من عقابه وترك طاعاته...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه آية قصص فيه تمثيل لقريش وكفار العرب وإعلام محمد صلى الله عليه وسلم ببدع من الرسل. وروي أن نوحاً عليه السلام أول رسول إلى الناس... فرسالة نوح إنما كانت إلى قومه كسائر الأنبياء، وأما الرسالة العامة فلم تكن إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم...
و «النذير» المحفظ من المكاره بأن يعرفها وينبه عليها...
واعلم أنه قد جرت العادة بأنه تعالى إذا أورد على الكافر أنواع الدلائل أتبعها بالقصص، ليصير ذكرها مؤكدا لتلك الدلائل على ما قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة، وفي هذه السورة ذكر أنواعا من القصص.
القصة الأولى: قصة نوح عليه السلام:
قوله تعالى {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم}
اعلم أنه تعالى قد بدأ بذكر هذه القصة في سورة يونس وقد أعادها في هذه السورة أيضا لما فيها من زوائد الفوائد وبدائع الحكم...
قال بعضهم: المراد من النذير كونه مهددا للعصاة بالعقاب، ومن المبين كونه مبينا ما أعد الله للمطيعين من الثواب، والأولى أن يكون المعنى أنه نذير للعصاة من العقاب وأنه مبين بمعنى أنه بين ذلك الإنذار على الطريق الأكمل والبيان الأقوى الأظهر، ثم بين تعالى أن ذلك الإنذار إنما حصل في النهي عن عبادة غير الله، وفي الأمر بعبادة الله لأن قوله: {أن لا تعبدوا إلا الله} استثناء من النفي وهو يوجب نفي غير المستثنى.
واعلم أن تقدير الآية كأنه تعالى قال ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه بهذا الكلام وهو قوله: {إني لكم نذير مبين...}.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
" ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه "ذكر سبحانه قصص الأنبياء عليهم السلام للنبي صلى الله عليه وسلم تنبيها له على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أن يكفيه الله أمرهم...
الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي 875 هـ :
فيها تمثيلٌ لقريشٍ وكفَّار العرب، وإِعلامٌ بأَن محمَّداً عليه السلام ليس بِبِدْعٍ من الرسل...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما تم ذلك على أوضح المسالك، وختم بالحث على التذكر، وكان تقديم ذكر كتاب موسى محركاً لتوقع ذكر نبئه ونبأ غيره من الرسل، عطف -مقروناً بحرف التوقع على العامل الذي قدرته في قوله: {ألا تعبدوا إلا الله} أو على قوله: {إنما أنت نذير} وهو أحسن وأقرب- قوله: {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {نوحاً إلى قومه} أي الذين هم على لسانه؛ وما بعد ذلك من القصص تقريراً لمضمون هذا المثل وتثبيتاً وتسلية وتأييداً وتعزية لهذا النبي الكريم لئلا يضيق صدره بشيء مما أمر بإبلاغه حرصاً على إيمان أحد وإن كان أقرب الخلائق إليه وأعزهم عليه كما تقدمت الإشارة إليه في قوله تعالى: {فلا يكن في صدرك حرج منه} وقوله: {وضائق به صدرك} ويأتي في قوله: {وكُلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} فوضح أن هذه القصص لهذا المعنى سيقت، وأن سياقها في الأعراف وغيرها كان لغير ذلك كما تقدم وأن تضمن هذا الغرض بيان إهلاك من كانوا أشد من العرب قوة وأكثر جمعاً وأمكن أمراً وأقوى عناداً وأعظم فساداً وأحدّ شوكة وما اتفق في ديارهم من الطامات والأهوال المفظعات تحذيراً من مثل حالهم بارتكاب أفعالهم، ففرق بين ما يساق للشيء وما يلزم منه الشيء، ولهذا الغرض المقصود هنا طولت قصة نوح في هذه السورة ما لم يطوله في غيرها، وصدرت بقوله: {إني} أي قائلاً... بأني {لكم} أي خاصة {نذير مبين} أي مخوف بليغ التحذير، أبين ما أرسلت به غاية البيان...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} قال المعربون من المفسرين إن الواو هنا للابتداء، أي لأن معنى الجملة لا يشترك مع ما قبله بما يصح جعلها معطوفة عليه. وأقول إن هذا سياق جديد في السورة أكد به ما قبله من الدلائل على أصول الدين من التوحيد والبعث والنبوة، فهو يشترك معه في جملته لا مع آخر آية منه، وعندي أن هذه القصة معطوفة على ما في أول هذه السورة من ذكر بعثة محمد رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم بمثل ما بعث به من قبله من الدعوة إلى عبادة الله وحده وبعثه نذيرا وبشيرا والإيمان بالبعث والجزاء، ليعلم قومه أنه صلى الله عليه وسلم ليس بدعا من الرسل، وأن حاله معهم كحال من قبله من الرسل عليهم السلام مع أقوامهم إجمالا وتفصيلا، كما قال في سورة الإسراء {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا} [الإسراء: 77] فكأنه قال: لقد أرسلناك يا محمد إلى قومك وإلى الناس كافة بما تقدم بيان أصوله، ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه بمثل ما أرسلناك الخ.
وافتتحت القصة بصيغة القسم لإنكار المخاطبين بها لبعثة الرسل، وقدمنا بيان ما كان للقسم عند العرب من التأثير في تأكيد الكلام، ناهيك به في كلام الله المنزل على من عرف عندهم بالصدق من أول نشأته وهو محمد عليه الصلاة والسلام، {إني لكم نذير مبين} أي أرسلناه ببيان وظيفته من الإنذار لهم، أو قائلا لهم إني لكم نذير بين الإنذار ظاهره، وهو الإعلام بالشيء مع بيان عاقبة من خالفه فلم يذعن لما فيه من الأمر والنهي ثم فسر هذا الإرسال والإنذار بقوله:"أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم".
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
القصص في هذه السورة هو قوامها؛ ولكنه لم يجيء فيها مستقلا، إنما جاء مصداقا للحقائق الكبرى التي جاءت السورة لتقريرها. والتي أجملها السياق في مطلع السورة: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى، ويؤت كل ذي فضل فضله، وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير، إلى الله مرجعكم. وهو على كل شيء قدير).. وقد تضمن مطلع السورة جولات متعددة حول هذه الحقائق. جولات في ملكوت السماوات والأرض، وفي جنبات النفس، وفي ساحة الحشر.. ثم أخذ في هذه الجولة الجديدة في جنبات الأرض وأطواء التاريخ مع قصص الماضين.. يستعرض حركة العقيدة الإسلامية في مواجهة الجاهلية على مدار القرون. والقصص هنا مفصل بعض الشيء -وبخاصة قصة نوح والطوفان- وهو يتضمن الجدل حول حقائق العقيدة التي وردت في مطلع السورة، والتي يجيء كل رسول لتقريرها، وكأنما المكذبون هم المكذبون، وكأنما طبيعتهم واحدة، وعقليتهم واحدة على مدار التاريخ. ويتبع القصص في هذه السورة خط سير التاريخ، فيبدأ بنوح، ثم هود، ثم صالح، ويلم بإبراهيم في الطريق إلى لوط، ثم شعيب، ثم إشارة إلى موسى.. ويشير إلى الخط التاريخي، لأنه يذكر التالين بمصير السالفين على التوالي بهذا الترتيب: ونبدأ بقصة نوح مع قومه. أول هذا القصص في السياق. وأوله في التاريخ:
إنها تكاد تكون الألفاظ ذاتها التي أرسل بها محمد صلى الله عليه وسلم والتي تضمنها الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. وهذه المقاربة في ألفاظ التعبير عن المعنى الرئيسي الواحد مقصودة في السياق لتقرير وحدة الرسالة ووحدة العقيدة، حتى لتتوحد ألفاظ التعبير عن معانيها. وذلك مع تقدير أن المحكي هنا هو معنى ما قاله نوح -عليه السلام- لا ألفاظه. وهو الأرجح. فنحن لا ندري بأية لغة كان نوح يعبر. (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه: إني لكم نذير مبين).. ولم يقل قال: إني... لأن التعبير القرآني يحيي المشهد فكأنما هو واقعة حاضرة لا حكاية ماضية. وكأنما هو يقول لهم الآن ونحن نشهد ونسمع. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه يلخص وظيفة الرسالة كلها ويترجمها إلى حقيقة واحدة: (إني لكم نذير مبين).. وهو أقوى في تحديد هدف الرسالة وإبرازه في وجدان السامعين...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
إن قصص القرآن ليس فيه تكرار إنما فيه بيان العبرة، وتساق القصة أو جزء منها في موضع العبرة فيها، وإذا كان فيه تكرار فهو ليس في الأخبار إنما هو في موضع الاعتبار. وموضع الاعتبار هنا أن قوم نوح يحاربونه بما حارب الملأ من قريش محمدا صلى الله عليه وسلم، ودعوته نوح هي دعوة محمد الخالدة، وهي دعوة النبيين من قبل، وهي الحقيقة الأزلية، هي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له. {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} الذين يألفهم ويألفونه ويعرفون مقامه فيهم، ونسبه منهم، وقد ناداه نداء الحدب عليهم المحب المنذر لهم، مبينا مغزى رسالته {إني لكم نذير مبين} وهذا معنى أرسلنا والغاية من الرسالة، وهذا مشابه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال لقومه عندما أبلغهم برسالته:"أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم"، قالوا: ما عهدنا عليك كذبا، قال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
قصّة نوح المثيرة مع قومه: تقدم أنّ هذه السورة تحمل بين ثناياها قصص الأنبياء السابقين وتأريخهم، وذلك لإِيقاظ أفكار المنحرفين والالتفات إلى الحقائق وبيان العواقب الوخيمة للمفسدين الفجار. وأخيراً بيان طريق النصر والموفقية. في البداية تذكر قصّة نوح (عليه السلام)، وهو أحد الأنبياء أولي العزم، وضمن (26) آية تُرسم النقاط الأساسية لتأريخه المثير.. ولا شك أنّ قصّة جهاد نوح (عليه السلام) المتواصل للمستكبرين في عصره، وعاقبتهم الوخيمة، واحدة من العبر العظيمة في تاريخ البشرية، والتي تتضمن دروساً هامّة في كل واقعة منها..
التأكيد على مسألة الإِنذار، مع أنّ الأنبياء كانوا منذرين ومبشرين في الوقت ذاته لأنّ الثورة ينبغي أن تبدأ ضرباتها بالإِنذار وإِعلام الخطر، لأنّه أشدّ تأثيراً في إيقاظ النائمين والغافلين من البشارة. والإِنسان عادةً إذا لم يشعر بالخطر المحدق به فإِنّه يفضل السكون على الحركة وتغيير المواقع. ولذلك فقد كان إِنذار الأنبياء وتحذيرهم بمثابة السياط على أفكار الضاليّن ونفوسهم، فتؤثر فيمن له القابلية والاستعداد للهداية على التحرك والاتجاه إلى الحق. ولهذا السبب ورد الاعتماد على الإِنذار في آيات كثيرة من القرآن...
ولما تم ذلك على أوضح المسالك ، وختم بالحث على{[39083]} التذكر ، وكان تقديم{[39084]} ذكر كتاب موسى محركاً لتوقع ذكر نبئه ونبأ غيره من الرسل ، عطف - مقروناً بحرف التوقع على العامل الذي قدرته في قوله : { ألا{[39085]} تعبدوا إلا الله } أو على قوله : { إنما أنت نذير } وهو أحسن وأقرب - قوله : { ولقد أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { نوحاً إلى قومه } أي الذين هم على لسانه ؛ وما بعد ذلك من القصص تقريراً لمضمون هذا المثل وتثبيتاً وتسلية وتأييداً وتعزية لهذا النبي الكريم لئلا يضيق صدره بشيء مما أمر بإبلاغه حرصاً على إيمان أحد وإن كان أقرب الخلائق إليه وأعزهم عليه كما تقدمت الإشارة إليه في قوله تعالى : { فلا يكن في صدرك حرج منه } وقوله : { وضائق به صدرك } ويأتي في قوله : { وكُلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } فوضح أن هذه القصص لهذا المعنى سيقت ، وأن سياقها في الأعراف وغيرها كان لغير ذلك كما تقدم وأن تضمن هذا الغرض بيان إهلاك من كانوا أشد من العرب قوة وأكثر جمعاً وأمكن أمراً وأقوى عناداً وأعظم فساداً وأحدّ شوكة وما اتفق في ديارهم{[39086]} من الطامات والأهوال المفظعات تحذيراً من مثل حالهم بارتكاب أفعالهم ، ففرق بين ما يساق للشيء وما يلزم منه الشيء ، ولهذا الغرض المقصود هنا طولت قصة نوح في هذه السورة ما لم يطوله{[39087]} في غيرها ، وصدرت بقوله : { إني } أي قائلاً على قراءة الجمهور بالكسر ، والتقدير عند ابن كثير وأبي عمرو{[39088]} والكسائي : ملتبساً بأني { لكم } أي خاصة { نذير مبين } أي مخوف بليغ التحذير ، أبين ما أرسلت به غاية البيان ، وذكر فيها أنه طالت مجادلته لهم وأنه لما أوضح له أمر الله تعوذ من السؤال فيه وفي كل ما يشبهه ، وخللت قصته بقوله : { أم يقولون افتراه } خطاباً لهذا النبي{[39089]} الكريم وختمت بقوله : { فاصبر إن العاقبة للمتقين } وذكرت قصة إبراهيم عليه السلام لما ضمنته{[39090]} من أنه بشر{[39091]} الولد بما لم يجر بمثله{[39092]} عادة فلم يتردد فيه ، وأنه جادل{[39093]} الرسل في قوم{[39094]} ابن أخيه لوط ، وأنه لما تحقق حتم الأمر وبت الحكم سلم لربه مع كونه حليماً أواهاً{[39095]} منيباً إلى غير ذلك مما يومئ إليه{[39096]} سياق القصص ، فكأنه قيل : إنما أنت نذير أرسلناك لتبلغ ما أرسلت به من الإنذار وإن شق عليهم وعزتنا{[39097]} لقد أرسلنا من قبلك رسلاً منذرين فدعوا إلى ما أمرت{[39098]} بالدعوة إليه وأنذروهم ما يشق عليهم من بأسنا امتثالاً لأمرنا وما تركوا شيئاً منه خوفاً من إعراض ولا رجاء في إقبال على أن أممهم قالوا لهم ما قالت لك أمتك كما{[39099]} يشير إليه قوله تعالى عن نوح : { ولا أقول لكم عندي خزائن الله } - الآية ، وقد كان في المخالفين من أممهم القريب منهم نسبه والعزيز عليهم أمره من ابن وصاحبة وغيرهما ، هذا مع أن قصصهم دليل على قوله تعالى : { ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم } وزجر لهم عن مثل قولهم : { ما يحبسه } وتأييد لقوله : { ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة } - وغير ذلك مما تقدم ، فقد علم من هذا الوجهُ في تكرير هذه القصص ، وأنه في كل سورة لمقصد يخالف المقصد في غيرها وإن كان يستفاد من ذلك فوائد أخر : منها إظهار القدرة في بيان الإعجاز بتصريف المعنى في الوجوه المختلفة لما في ذلك من علو الطبقة في البلاغة لأنه ربما قال متعنت عند التحدي : قد استوفى اللفظ البليغ على الأسلوب الأكمل البديع في{[39100]} هذه القصص فلم تبق لنا ألفاظ نعبر بها عن هذه{[39101]} المعاني حتى نأتي بمثل هذه القصة ؛ فأتى بها ثانياً إظهاراً{[39102]} لعجزه وقطعاً لحجته ، وربما كررت ثالثاً ورابعاً توكيداً لذلك وتمكيناً للاعتبار بضروب البيان وتصبيراً للنبي صلى الله عليه وسلم على أذى قومه حالاً فحالاً ، فإن قيل : فما بالها تأتي تارة في غاية البسط وتارة في غاية الإيجاز وتارة على الوسط ؟ قيل : هذا من أعلى درجات البلاغة وأجل مراتب الفصاحة والبراعة ، فإن قبل : فإنا نرى القصة تبسط في بعض السور غاية البسط ثم توجز في غيرها غاية الإيجاز ويؤتي{[39103]} فيها ما لم يؤت في المبسوطة كما في العنكبوت فإنه{[39104]} عين فيها مقدار لبثه وأنه كان ألف سنة إلا خمسين عاماً ، فلم لا استوعبت جميع المعاني في الموضع المبسوط كما هو الأليق بمقام البسط لا سيما لمن لا يخفى عليه شيء ولا ينسى ، وإذا وقع حذف{[39105]} كان في الموجزة ، قيل : قال شيخنا حافظ العصر أبو الفضل بن حجر : إن الإمام أبا حاتم بن حبان البستي ذكر في كتابه التقاسيم والأنواع : إنما{[39106]} لم يرتبه ليحفظ إذ لو رتبه ترتيباً سهلاً لاتكل من يكون عنده على سهولة الكشف منه فلا يتحفظه ، وإذا وعر{[39107]} طريق الكشف كان أدعى إلى حفظه ليكون على ذكر من جميعه ، وذكر{[39108]} أنه فعل ذلك اقتداء بالكتاب العزيز فإنه ربما أتى بالقصص غير مرتبة ، قال شيخنا : ومن هنا يظهر أن من أسرار تخصيص بعض الموجزات بما ليس في المبسوط الحث على حفظ الجميع - انتهى .
وهذه فوائد لا ينبغي إهمالها بل تستعمل حيث أمكن ، والعمدة في المناسبة الوجه الأول وهو{[39109]} أنها في كل سورة لمناسبة تخص تلك السورة ، ثم يراعي في البسط وغيره المعاني المناسبة للمقصد الذي سيقت له القصة - والله الموفق . واللام في " لقد " للقسم : قال الإمام أبو الحسن على بن عيسى الرماني : لأنها تدخل على الفعل والحرف{[39110]} الذي يختص بالفعل{[39111]} مما يصح معناه معه . ولام الابتداء للاسم خاصة ، ومعنى ( قد ) توقع الخبر للتقريب من الحال ، يقال : قد ركب الأمير - لقوم يتوقعون ركوبه فعلى هذا القول جرى { ولقد أرسلنا } والإبانة : إظهار المعنى للنفس بما{[39112]} يمكن إدراكه . وأصله القطع ، فالإبانة قطع المعنى من غيره ليظهر في نفسه - انتهى .