تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} أي: وإن كان يوسف هو الهارب منها، فأدركته فقدت قميصه من دبر، فكذبت على يوسف، ويوسف من الصادقين في قوله.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 26]
يقول تعالى ذكره: قال يوسف، لما قذفته امرأة العزيز بما قذفته من إرداته الفاحشة منها مكذّبا لها فيما قذفته به ودفعا لما نُسِب إليه: ما أنا راودتها عن نفسها، بل هي راودتني عن نفسي. وقد قيل: إن يوسف لم يرد ذكر ذلك لو لم تقذفه عند سيدها بما قذفته به...
وأما قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها}، فإن أهل العلم اختلفوا في صفة الشاهد؛ فقال بعضهم: كان صبيّا في المهد... حدثنا الحسن بن محمد، قال: أخبرنا عفان، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرني عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «تَكَلّمَ أرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ»، فذكر فِيهمْ شاهِدَ يُوسُفَ.
وقال آخرون: كان رجلاً ذا لحية... عن عكرمة، وذكره عنده:"وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها" فقالوا: كان صبيّا، فقال: إنه ليس بصبيّ ولكنه رجل حكيم...
وقيل: معنى قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ}: حكم حاكم.
حدثت بذلك عن الفراء، عن معلى بن هلال، عن أبي يحيى، عن مجاهد.
وقال آخرون: إنما عنى بالشاهد: القميص المقدود...
والصواب من القول في ذلك، قول من قال: كان صبيّا في المهد للخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر من تكلم في المهد، فذكر أن أحدهم صاحب يوسف. فأما ما قاله مجاهد من أنه القميص المقدود، فما لا معنى له؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عن الشاهد الذي شهد بذلك أنه من أهل المرأة، فقال: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها}، ولا يقال للقميص هو من أهل الرجل ولا المرأة.
وقوله: {إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِنْ قُبُلً فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ}، لأن المطلوب إذا كان هاربا فإنما يؤتى من قبل دبره، فكان معلوما أن الشقّ لو كان من قُبُل لم يكن هاربا مطلوبا، ولكن كان يكون طالبا مدفوعا، وكان ذلك شهادة على كذبه...
وقوله: {فَلَمّا رأى قَمِيصَهُ قُدّ مِنْ دُبُرٍ}، خبر عن زوج المرأة، وهو القائل لها: إن هذا الفعل {من كيدكنّ}: أي صنيعكنّ، يعني: من صنيع النساء، {إن كيدكنّ عظيم}. وقيل: إنه خبر عن الشاهد أنه القائل ذلك.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
هذا لأن القميص إذا كان قد من قبل فهو إنما ينقد من دفعها عن نفسها، وإذا كان القميص مقدودا من دبر فهو إنما ينقد من جرها إياه إلى نفسها لا من دفعها إياه عن نفسها. هذا هو الظاهر في العرف. لذلك قال الشاهد (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت) فهو من كذا (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ).
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{وإن كان} أي فيما يظهر لكم {قميصه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {قدَّ من دبر} أي من جهة ما أدبر منه، وبنى "قُدَّ "للمجهول للنزاع في القادّ {فكذبت} ولما كان كذلك كذبُها في إرادته السوء لا يعين صدقه في إرادتها له، قال: {وهو من الصادقين} لأنه لولا إدباره عنها وإقبالها عليه لما وقع ذلك، فعرف سيدها صحة ذلك بلا شبهة، لأن معنى "إن" هنا الشرط في جهة التقرير للمعنى الذي يوجب غيره لا على الشك، وقدم أمارة صدقها لأنه مما يحبه سيدها، فهو في الظاهر اهتمام بها، وفي الحقيقة تقرير لكذبها مرتين: الأولى باللزوم، والثانية بالمطابقة...
قوله تعالى : " قال هي راودتني عن نفسي " فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قال العلماء{[9054]} : لما برأت نفسها ، ولم تكن صادقة في حبه - لأن من شأن المحب إيثار المحبوب - قال : " هي راودتني عن نفسي " نطق يوسف بالحق في مقابلة بهتها وكذبها عليه . قال نوف الشامي وغيره : كأن يوسف عليه السلام لم يبن عن كشف القضية ، فلما بغت به غضب فقال الحق .
الثانية : قوله تعالى : " وشهد شاهد من أهلها " لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك إلى شاهد ليعلم الصادق من الكاذب ، فشهد شاهد من أهلها . أي حكم حاكم من أهلها ؛ لأنه حكم منه وليس بشهادة . وقد اختلف في هذا الشاهد على أقوال أربعة : الأول - أنه طفل في المهد تكلم ، قال السهيلي : وهو الصحيح ، للحديث الوارد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قوله : ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة . . . ) وذكر فيهم شاهد يوسف . وقال القشيري أبو نصر : قيل فيه{[9055]} : كان صبيا في المهد في الدار وهو ابن خالتها ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تكلم أربعة وهم صغار . . . ) فذكر منهم شاهد يوسف ، فهذا قول . الثاني - أن الشاهد قد القميص ، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وهو مجاز صحيح من جهة اللغة ، فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال ، وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات وتخبر عنها بما هي عليه من الصفات ، وذلك كثير في أشعارها وكلامها ، ومن أحلاه قول بعضهم : قال الحائط للوتد لم تشقني ؟ قال له : سل من يدقني . إلا أن قول الله تعالى بعد " من أهلها " يبطل أن يكون القميص . الثالث - أنه خلق من خلق الله تعالى ليس بإنسي ولا بجني ، قاله مجاهد أيضا ، وهذا يرده قوله تعالى : " من أهلها " . الرابع - أنه رجل حكيم ذو عقل كان الوزير يستشيره في أموره ، وكان من جملة أهل المرأة وكان مع زوجها فقال : قد سمعت{[9056]} الاستبدار والجلبة من وراء الباب ، وشق القميص ، فلا يدري أيكما كان قدام صاحبه ، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة ، وإن كان من خلفه فهو صادق ، فنظروا إلى القميص فإذا هو مشقوق من خلف ، هذا قول الحسن وعكرمة وقتادة والضحاك ومجاهد أيضا والسدي . قال السدي : كان ابن عمها ، وروي عن ابن عباس ، وهو الصحيح في الباب ، والله أعلم . وروي عن ابن عباس - رواه عنه{[9057]} إسرائيل عن سماك عن عكرمة - قال : كان رجلا ذا لحية . وقال سفيان عن جابر عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال : كان من خاصة الملك . وقال عكرمة : لم يكن بصبي ، ولكن كان رجلا حكيما . وروى سفيان عن منصور عن مجاهد قال : كان رجلا . قال أبو جعفر النحاس : والأشبه بالمعنى - والله أعلم - أن يكون رجلا عاقلا حكيما شاوره الملك فجاء بهذه الدلالة ، ولو كان طفلا لكانت شهادته ليوسف صلى الله عليه وسلم تغني عن أن يأتي بدليل من العادة ؛ لأن كلام الطفل آية معجزة ، فكادت أوضح من الاستدلال بالعادة ، وليس هذا بمخالف للحديث ( تكلم أربعة وهم صغار ) منهم صاحب يوسف ، يكون المعنى : صغيرا ليس بشيخ ، وفي هذا دليل آخر وهو : أن ابن عباس رضي الله عنهما روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تواترت الرواية عنه أن صاحب يوسف ليس بصبي . قلت : قد روي عن ابن عباس وأبي هريرة وابن جبير وهلال بن يساف{[9058]} والضحاك أنه كان صبيا في المهد ، إلا أنه لو كان صبيا تكلم لكان الدليل نفس كلامه ، دون أن يحتاج إلى استدلال بالقميص ، وكان يكون ذلك خرق عادة ، ونوع معجزة ، والله أعلم . وسيأتي من تكلم في المهد من الصبيان في سورة [ البروج ]{[9059]} إن شاء الله .
الثالثة : إذا تنزلنا على أن يكون الشاهد طفلا صغيرا فلا يكون فيه دلالة على العمل بالإمارات كما ذكرنا ، وإذا كان رجلا فيصح أن يكون حجة بالحكم بالعلامة في اللقطة وكثير من المواضع ، حتى قال مالك في اللصوص : إذا وجدت معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها ، وليست لهم بينة فإن السلطان يَتَلَوَّمُ{[9060]} لهم في ذلك ، فإن لم يأت غيرهم دفعها إليهم . وقال محمد في متاع البيت إذا اختلفت فيه المرأة والرجل : إن ما كان للرجال فهو للرجل ، وما كان للنساء فهو للمرأة ، وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل . وكان شريح وإياس بن معاوية يعملان على العلامات في الحكومات ، وأصل ذلك هذه الآية ، والله أعلم .
قوله تعالى : " إن كان قميصه قد من قبل " كان في موضع جزم بالشرط ، وفيه من النحو ما يشكل ؛ لأن حروف الشرط ترد الماضي إلى المستقبل ، وليس هذا في كان ، فقال المبرد محمد بن يزيد : هذا لقوة كان ، وأنه يعبر بها عن جميع الأفعال . وقال الزجاج : المعنى إن يكن ، أي إن يعلم ، والعلم لم يقع ، وكذا الكون لأنه يؤدي عن العلم . " قد من قبل " فخبر عن " كان " بالفعل الماضي ، كما قال زهير :
وكان طَوَى كَشْحاً على مُسْتَكِنَّةٍ*** فلا هُوَ أبدَاها ولم يَتَقَدَّمِ{[9061]}
وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق " من قبل " بضم القاف والباء واللام ، وكذا " دبر " قال الزجاج : يجعلهما غايتين كقبل وبعد ، كأنه قال : من قبله ومن دبره ، فلما حذف المضاف إليه - وهو مراد - صار المضاف غاية نفسه بعد أن كان المضاف إليه غاية له . ويجوز " من قبل " " ومن دبر " بفتح الراء واللام تشبيها بما لا ينصرف ؛ لأنه معرفة ومزال عن بابه . وروى محبوب عن أبي عمرو " من قبل " " ومن دبر " مخففان مجروران .
فبادر يوسف لدفع التهمة الظالمة عن نفسه فيؤكد له انه برئ أمين إذ قال : { هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي } أي هي التي ابتغتني طالبة مني الفاحشة . وما قال يوسف ذلك إلا ليدفع عن نفسه التهمة ويرد عن شخصه الطهور مقالة السوء . ولو لم تقذفه هي ظلما وبهتانا لستر يوسف ما ظهر منها من سوء الصنيع .
قوله : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ } اختلفوا في هذا الشاهد إن كان صغيرا أو كبيرا أو كان في المهد ، لكن الظاهر أنه كان ذا قرابة من امرأة العزيز لتكون شهادته أوجب للحجة وأوثق لبراءة يوسف ، فحكم قريبها على أن قميص يوسف إن كان مشقوقا أو متخرقا من قدام فذلك يدل على صدق قولها ؛ لأنه إذا كان مقبلا عليها وهي تدفعه عن نفسها فتخرق قميصه من قدام ، أما إن كان قميصه مشقوقا من خلف ؛ فهو يعني انه هارب منها وهي لاحقة به وممسكة بقميصه من وراء فتخرق ، مما يدل على صدقه وهو أنها هي كاذبة . وهذا قوله { وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ } .