الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ} (31)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فلما سمعت امرأة العزيز بمكر النسوة اللاتي قلن في المدينة ما ذكره الله عزّ وجلّ عنهنّ... عن السديّ: {فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنّ}، يقول: بقولهنّ...

عن ابن إسحاق، قال: لما أظهر النساء ذلك من قولهنّ: تراود عبدها مكرا بها لتريهنّ يوسف، وكان يوصف لهنّ بحسنه وجماله. {فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنّ وأعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَئا}...: أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدّثن بشأنها وشأن يوسف.

{وأعْتَدَتْ}: أفعلت من العتاد، وهو العدّة، ومعناه: أعدّت لهنّ متكئا، يعني: مجلسا للطعام، وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد، وهو مفتعل من قول القائل: اتكأت، يقال: ألقِ له مُتّكَئا، يعني: ما يتكئ عليه...

عن سيعد: {وأعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَئا}، قال: طعاما وشرابا ومتكئا...

فهذا الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه من تأويل هذه الكلمة، هو معنى الكلمة وتأويل المتكأ، وأنها أعدّت للنسوة مجلسا فيه متكأً، وطعام، وشراب، وأترجّ. ثم فسّر بعضهم المتكأ بأنه الطعام على وجه الخبر عن الذين أعدّ من أجلهم المتكأ...

عن عطية: {وأعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَأً}، قال: الطعام...

قال الله تعالى ذكره مخبرا عن امرأة العزيز والنسوة اللاتي تحدّثن بشأنها في المدينة: {وآتَتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنّ سِكّينا}، يعني بذلك جلّ ثناؤه: وأعطت كل واحدة من النسوة اللاتي حضرنها سكينا لتقطع به من الطعام ما تقطع به، وذلك ما ذكرت أنها آتتهنّ، إما من الأترجّ، وإما من البزماورد، أو غير ذلك مما يقطع بالسكين... وفي هذه الكلمة بيان صحة ما قلنا واخترنا في قوله: {وأعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَأً}؛ وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن إيتاء امرأة العزيز النسوة السكاكين، وترك ماله آتتهنّ السكاكين، إذا كان معلوما أن السكاكين لا تدفع إلى من دعي إلى مجلس إلا لقطع ما يؤكل إذا قطع بها، فاستغني بفهم السامع بذكر إيتائها صواحباتها السكاكين عن ذكر ماله آتتهنّ ذلك، فكذلك استغني بذكر اعتدادها لهنّ المتكأ عن ذكر ما يعتدّ له المتكأ مما يحضر المجالس من الأطعمة والأشربة والفواكه وصنوف الالتهاء لفهم السامعين بالمراد من ذلك، ودلالة قوله: {وأعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَأً} عليه. فأما نفس المتكأ، فهو ما وصفنا خاصة دون غيره.

وقوله: {وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنّ فَلَمّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ}، يقول تعالى ذكره: وقالت امرأة العزيز ليوسف: {اخْرُجْ عَلَيْهِنّ}، فخرج عليهنّ يوسف، {فَلَمّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ}، يقول جلّ ثناؤه: فلما رأين يوسف أعظمنه وأجللنه...

وقوله: {وَقَطّعْنَ أيْدِيَهُنّ}؛ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معناه: أنهن حززن بالسكين في أيديهن، وهن يحسبن أنهنّ يقطعن الأترجّ...

عن ابن إسحاق، قال: قالت ليوسف: اخرج عليهنّ فخرج عليهن، فلما رأينه أكبرنه، وغلبت عقولهن عجبا حين رأينه، فجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن ما يعقلن شيئا مما يصنعن، {وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هَذَا بَشَرا}.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهن قطعن أيديهن حتى أبنّها، وهن لا يشعرن... عن مجاهد، قال: {قطّعن أيديهن}، حتى ألقينها...

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عنهن أنهن قطعن أيديهن، وهن لا يشعرن لإعظام يوسف، وجائز أن يكون ذلك كان قطعا بإبانة، وجائز أن يكون كان قطع حزّ وخدش، ولا قول في ذلك أصوب من التسليم لظاهر التنزيل.

وقوله: {وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ}...كان بعض أهل العلم بكلام العرب يزعم أن لقولهم: «حاشى لله»، موضعين في الكلام: أحدهما: التنزيه، والآخر: الاستثناء، وهو في هذا الموضع عندنا بمعنى: التنزيه لله، كأنه قيل: معاذ الله...

عن مجاهد: {وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ}، قال: معاذ الله...

وقوله: {ما هَذَا بَشَرا}، يقول: قلن: ما هذا بشرا، لأنهنّ لم يرين في حسن صورته من البشر أحدا، فقلن: لو كان من البشر لكان كبعض ما رأينا من صورة البشر، ولكنه من الملائكة لا من البشر... وقوله: {إنْ هَذَا إلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}، يقول: قلن ما هذا إلا ملَك من الملائكة.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ) أي بقولهن. المكر هو الأخذ في حال الأمن، وهو الخيانة في ما أؤتمن، واستكتم. فهذه كأنها استكتمت سرها وحبها ليوسف عن الناس، وأفشت ذلك النسوة في المدينة على أن يستكتمن عن الناس، فأفشين عليها ذلك، فذلك المكر الذي سمعت، والله أعلم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{بِمَكْرِهِنَّ}: باغتيابهنّ وسوء قالتهن، وقولهنّ: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها، وسمي الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحالِ غيبة، كما يخفي الماكر مكره. وقيل: كانت استكتمتهنّ سرّها فأفشينه عليها. {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ}: دعتهنّ... {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} ما يتكئن عليه من نمارق، قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهنّ متكئات والسكاكين في أيديهنّ: أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهنّ فتقع أيديهنّ على أيديهنّ فيقطعنها، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده، ولا يبعد أن تقصد الجمع بين المكر به وبهنّ... وقيل: متكأ: مجلس طعام لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك. "نهى أن يأكل الرجل متكئاً "وآتتهنّ السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن. وقيل: {مُتَّكَئاً}: طعاماً، من قولك اتكأنا عند فلان: طعمنا، على سبيل الكناية؛ لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له تكأة يتكئ عليها...

{قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} جرحنها، كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد: جرحتها. {حاشا} كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء... فمعنى «حاشا لله» براءة الله وتنزيه الله...

{مَا هذا بَشَرًا} نفين عنه البشرية لغرابة جماله ومباعدة حسنه، لما عليه محاسن الصور، وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم، وذلك لأن الله عز وجل ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان، ولذلك يشبه كل متناه في الحسن والقبح بهما، وما ركز ذلك فيها إلا لأن الحقيقة كذلك، كما ركز في الطباع أن لا أدخل في الشر من الشياطين، ولا أجمع للخير من الملائكة...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ودل بالفاء على أن كلامهن نقل إليها بسرعة فقال: {فلما سمعت} أي امرأة العزيز {بمكرهن} وكأنهن أردن بهذا الكلام أن يتأثر عنه ما فعلت امرأة العزيز ليرينه، فلذلك سماه مكراً {أرسلت إليهن} لتريهن ما يعذرنها بسببه فتسكن قالتُهن {وأعتدت} أي هيأت وأحضرت {لهن متكاً} أي ما يتكئن عليه من الفرش اللينة والوسائد الفاخرة، فأتينها فأجلستهن على ما أعدته لهن {وأتت كل واحدة} على العموم {منهن سكيناً} ليقطعن بها ما يحتاج إلى القطع مما يحضر من الأطعمة في هذا المجلس... هذا الظاهر من علة إتيانهن وباطنه إقامة الحجة عليهن بما لا يجدن له مدفعاً مما يتأثر عن ذلك {وقالت} ليوسف فتاها عليه الصلاة والسلام {اخرج عليهن} فامتثل له ما أمرته به كما هو دأبه معها في كل ما لا معصية فيه، وبادر الخروج عليهن {فلما رأينه} أي النسوة {أكبرنه} أي أعظمن يوسف عليه الصلاة والسلام جداً إعظاماً كربّهن {وقطعن} أي جرحن جراحات كثيرة {أيديهن} وعاد لومهن عذراً، والتضعيف يدل على التكثير، فكأن السكين كانت تقع على يد إحداهن فتجرحها فترفعها عن يدها بطبعها، ثم يغلبها الدهش فتقع على موضع آخر وهكذا {وقلن حاش} أي تنزيهاً عظيماً جداً {لله} أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال التي خلق بها مثل هذا. ولما كان المراد بهذا التنزيه تعظيمه، بينه بقولهن: {ما هذا بشراً} لأنه فاق البشر في الحسن جداً، وأعرض عن الشهوة من غير علة، نراها مانعة له لأنه في غاية القوة والفحولية، فكأنه قيل: فما هو؟ فقلن: {إن} أي ما {هذا} أي في هذا الحسن والجمال، وأعدن الإشارة دفعاً لإمكان الغلط {إلا ملك كريم}...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{فلما سمعت بمكرهن} وكان من المتوقع أن تسمعه لما اعتيد بين هذه البيوتات، من التواصل بالزيارات، واختلاف الخدم من كل منها إلى الآخر، وهن ما قلنه إلا لتسمعه فإن لم يصل إليها عفوا، احتلن في إيصاله قصدا، فكان ما أردنه {أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا} أي دعتهن إلى الطعام في دارها، ومكرت بهن كما مكرن بها، بأن أعدت وهيأت لهن ما يتكئن عليه إذا جلسن من الكراسي والأرائك وهو المعتاد في دور الكبراء، قال تعالى في صفة الجنة {متكئين فيها على الأرائك} [الكهف: 31] وكان ذلك في حجرة مائدة الطعام، وأعطت كل واحدة منهن سكينا ليقطعن به ما يأكلن من لحم أو فاكهة، وروي عن بعض مفسري السلف تفسير المتكأ بالطعام الذي يتكأ عليه أي يعتمد عليه لأجل قطعه كالجامد والشديد القوام، دون الرخو كالموز الناضج من الفاكهة والحساء من الطعام، والاتكاء على الشيء هو التمكن بالجلوس عليه أو الاعتماد عليه باليد أو اليدين، قال في المصباح المنير: وتوكأ على عصاه اعتمد عليها واتكأ جلس متمكنا وفي التنزيل {وسررا عليها يتكئون} [الزخرف: 34] أي يجلسون وقال {وأعدت لهن متكأ} أي مجلسا يجلسن عليه. قال ابن الأثير: والعامة لا تعرف الاتكاء إلا الميل في القعود معتمدا على أحد الشقين، وهو يستعمل في المعنيين جميعا، يقال اتكأ إذا أسند ظهره أو جنبه إلى شيء معتمدا عليه، وكل من اعتمد على شيء فقد اتكأ عليه... وفي السنة أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يأكل وهو متكئ.

{وقالت اخرج عليهن} أي أمرت يوسف بالخروج عليهن وكان في حجرة أو مخدع في داخل حجرة الطعام التي كن فيها محجوبا عنهن، ولو كان في مكان خارج عنها لقالت ادخل عليهن، فعلم من هذا أنها تعمدت أن يفجأهن وهن مشغولات بما يقطعنه ويأكلنه عالمة بما يكون لهذه الفجاءة من تأثير الدهشة، وهو ما حكاه التنزيل عنهن من قوله تعالى: {فلما رأينه أكبرنه} أي أعظمنه ودهشن لذلك الحسن الرائع، والجمال البارع، وغبن عن شعورهن {وقطعن أيديهن} بدلا من تقطيع ما يأكلن، ذهولا عما يعملن، بأن استمرت حركة السكاكين الإرادية بعد فقد الإرادة على ما كانت عليه قبل فقدها، ولكنها وقعت على أكف شمائلهن وقد سقط منها ما كان فيها من استرخائها بذهول تلك الدهشة فقطعتها أي جرحتها، ولولا استرخاؤها لأباتها، والظاهر أن مضيفتهن تعمدت جعلها مشحوذة فوق المعهودة في سكاكين الطعام مبالغة في مكرها بهن، لتقوم لها الحجة عليهن بما لا يستطعن إنكاره.

واختلف المفسرون في هذا القطع هل كان قطع إبانة انفصلت به الكف من المعصم أو الأصابع من الكف؟ أم قطع جرح أطلق فيه لفظ بدء الشيء على غايته من باب المبالغة، وهو ما يسميه علماء البيان بالمجاز المرسل؟ الأكثرون على الثاني وهو مستعمل إلى اليوم بالإرث عن قدماء العرب فيمن يحاول قطع شيء فتصيب السكين يده فتجرحها يقول كنت أقطع اللحم أو الحبل [مثلا] فقطعت يدي، كأنه يقول كاد ما أردته من قطع اللحم يكون بيدي مما أخطأت، ولا يقال فيمن جرح عضو منه أو من غيره كالطيب قاصدا جرحه إنه قطعه إلا إذا بالغ فيه، يقال أراد أن يجرح رجله ليخرج منها شظية نشبت فيها فقطعها، يريد أنه بالغ فكاد يقطعها، وقد أشار الزمخشري إلى مثل هذا القيد في استعمال القطع بمعنى الجرح فقال:"كما تقول كنت أقطع اللحم فقطعت يدي" يريد فأخطأت فجرحتها حتى كدت أقطعها.

{وقلن حاش لله ما هذا بشرا} أي قلن هذا تعجبا وتنزيها لله تعالى أن يكون خلق هذا الشخص العجيب في جماله وعفته من نوع البشر وهو ما لم يعهد له في الناس مثل، إنه ليس بشرا مثلنا {إن هذا إلا ملك كريم} أي ما هذا إلا ملك من الملائكة الروحانيين تمثل في هذه الصورة البديعة التي تدهش الأبصار وتخلب الألباب [كما كان يصور لهم صناعهم الرسامون والنحاتون أرواح الملائكة والآلهة بالصور والتماثيل لتكريمها وعبادتها]...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهنا كذلك يقع ما لا يمكن وقوعه إلا في مثل هذه الأوساط. ويكشف السياق عن مشهد من صنع تلك المرأة الجريئة، التي تعرف كيف تواجه نساء طبقتها بمكر كمكرهن وكيد من كيدهن: (فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن، وأعتدت لهن متكأ، وآتت كل واحدة منهن سكينا، وقالت: اخرج عليهن. فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، وقلن: حاش لله! ما هذا بشرا. إن هذا إلا ملك كريم. قالت: فذلكن الذي لمتنني فيه. ولقد راودته عن نفسه فاستعصم. ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين).. لقد أقامت لهن مأدبة في قصرها. وندرك من هذا أنهن كن من نساء الطبقة الراقية. فهن اللواتي يدعين إلى المآدب في القصور. وهن اللواتي يؤخذن بهذه الوسائل الناعمة المظهر. ويبدو أنهن كن يأكلن وهن متكئات على الوسائد والحشايا على عادة الشرق في ذلك الزمان. فأعدت لهن هذا المتكأ. وآتت كل واحدة منهن سكينا تستعملها في الطعام -ويؤخذ من هذا أن الحضارة المادية في مصر كانت قد بلغت شأوا بعيدا، وأن الترف في القصور كان عظيما. فإن استعمال السكاكين في الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته في تصوير الترف والحضارة المادية. وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة، فاجأتهن بيوسف: (وقالت: اخرج عليهن).. (فلما رأينه أكبرنه).. بهتن لطلعته، ودهشن. (وقطعن أيديهن).. وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة. (وقلن حاش لله!).. وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا عن الدهشة بصنع الله.. (ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم). وهذه التعبيرات دليل- كما قلنا في تقديم السورة -على تسرب شيء من ديانات التوحيد في ذلك الزمان...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا} لما سمعت بأقوالهن اللائي يروونها أرسلت إليهن، {وأعتدت} أي هيأت {لهن متكأ}، أقامت لهن وليمة أو نحو ذلك، وسمي متكأ تسمية للشيء باسم مكانه، وهي تصور التنعم الذي كانت فيه، {وآتت} وأعطت {كل واحدة منهن سكينا}، ولعل.ذلك كان موجب الوليمة أو ما يشبهها. وسمت قولهن مكرا؛ لأنهن كن يشعنه، وكأنه تدبير السوء، ولأن بعضهن علمته من جانبها فما كتمن لها سرا، ولأنهن كن يوجهن اللوم إليها، ويتبادلن ذلك، وكأنه أمر يدبر، ولذا سمي مكرا. وبعد أن تهيأ المجلس، قالت ليوسف اخرج عليهن {وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله}. خرج عليهن، يتلألأ فيه نور الحق، الجمال الذي كساه الله إياه، فأخذه أبصارهن وقلوبهن، وحسهن، فقلن: {حاش لله} أي تنزيها له عن فعل البشر وقوله {لله}، لأنه هو الذي نزهه وكرمه، أو قلن كلمة التنزيه، لأنه خلق مثل هذا الملاك الكريم. و {أكبرنه}، أي جعلنه في موضع الإكبار والشرف، ولذهولهن من الروعة التي تبدى بها جرحن أيديهن، وعبر سبحانه عن الجرح بالقطع؛ لأن الجرح كان بليغا، ولأن الجرح في حد ذاته قطع لبعض البشرة، وقلن تلك الكلمة المعبرة عما في نفوسهم: {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} بهرهن حتى ارتفعت مرتبة الإنسانية إلى مرتبة الملكية. ف {إن} هنا هي النافية أي: ما هو إلا ملك كريم. التفتت امرأة العزيز اليهن، وقد رأت الجروح تسيل بالدم من أيديهن، وما اعترى نفوسهن من إكبار له، واستهواء حتى حسبنه ملكا كريما، وليس إنسانا من الطين. قالت:...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

والمكر هو ستر شيء خلف شيء، وكأن الحق ينبهنا إلى أن قول النسوة لم يكن غضبة للحق؛ ولا تعصبا للفضيلة، ولكنه الرغبة للنكاية بامرأة العزيز، وفضحا للضلال الذي أقامت فيه امرأة العزيز. وأردن –أيضا- شيئا آخر؛ أن ينزلن امرأة العزيز عن كبريائها، وينشرن فضيحتها، فأتين بنقيضين؛ لا يمكن أن يتعدى الموقف فيهما إلا خسيس المنهج. فهي امرأة العزيز، أي: أرفع شخصية نسائية في المجتمع، قد نزلت عن كبريائها كزوجة لرجل يوصف بأنه الغالب الذي لا يُغلب؛ لأن كلمة "العزيز "مأخوذة من المعاني الحسية. فيقال: "الأرض العزاز" أي: الأرض الصخرية التي يصعب المشي عليها، ولا يقدر أحد أن يطأها؛ ومن هذا المعنى جاءت كلمة "العزيز". فكيف بامرأة العزيز حين تصير مضغة في الأفواه؛ لأنها راودت فتاها وخادمها عن نفسه؛ وهو بالنسبة لها في أدنى منزلة، وتلك فضيحة مزرية مشينة. وقالت النسوة أيضا: {قد شغفها حبا.. (30)} [يوسف]...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَأَعْتَدَتْ}: أعدَّت وهيأت. {مُتَّكَئًا}: ما يتكأ عليه من فرش ونحوه. {وَقَطَّعْنَ}: جرحن. خطة الالتفاف {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} بما يتحدثن به عنها، وما يسعين له من تحقير لمكانتها في المجتمع، {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} في دعوة اجتماعية لا توحي بأيّ طابع مميّز، تماماً كما هي عادة النساء في اجتماعاتهن الخاصة، لمناسبة فرحٍ أو حزن، أو للأخذ بأسباب اللهو، أو التحدث في أيّ أمر طارئ، أو في أي شيء يملأ الفراغ، ويمتّع النفس، وكانت تريد مفاجأتهن، والالتفاف على مكرهن بمكر أشدّ في عملية ذكية لتوريطهن بما تورّطت به، ولإيقاعهنّ في خطيئة التمرد على تقاليد المجتمع الطبقية، فدعتهن إليها، {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا} في ما يوحي به ذلك من المجلس المميز الذي يستسلمن فيه للراحة والاسترخاء، ليأخذن حريتهن في الجلوس وفي الحديث في جوّ عائليّ حميم. {وَءَاتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مَّنْهُنَّ سِكِّينًا} لتقطع به الفاكهة التي قدمتها إليهن في هذا المجلس، وهنا كانت المفاجأة التي لم يتهيّأن لها، فلم يكن في البرنامج أو هكذا يبدو أن يخرج يوسف إليهن، أو يجلس معهنّ، لأن التقاليد الطبقية لا تسمح بذلك. {وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} في أمرٍ حاسمٍ صادر من السيدة لعبدها، فخرج إليهن، لأن موقعه يفرض عليه الطاعة لسيدته، فإذا بالزلزال الروحي والعاطفي والشهواني يهزّ كل كيانهنّ، ويسيطر على كل مشاعرهنّ، في اندفاعةٍ ساحقة، {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} لإشراقة وجهه وجمال صورته، وسحر ملامحه، وحلاوة شخصيته. الدخول المفاجئ لقد كان ذلك كله مفاجأة لهن، لأنهن كن يتصورنه على صورة العبيد الذين لا يملكون آية ميزة جمالية، ولهذا كنَّ ينكرن على امرأة العزيز أن تراود فتاها عن نفسه، وأن تعشقه، وقد لا يكون ذلك الإنكار ناشئاً من احترامهن للأخلاق والعفّة، لأن مجتمعهن الطبقي لا يعير ذلك أهمية، بل قد يكون ناشئاً من اعتبار موقفها شذوذاً في التصرّف، وانحرافاً في الذوق تستسلم معه المرأة الكبيرة، لعبد لا جمال فيه أو إثارة... أما الآن، فقد وجدن لها كل العذر، لأنهن وقفن أمام هذا الجمال الباهر العظيم في ذهول وانجذاب، فقدن معه السيطرة على مشاعرهن، ووعيهن، حتى لم يعدن يعقلن ماذا يفعلن، فعندما رأينه، تركن تقطيع الفاكهة بالسكاكين التي قدمت لهن لذلك، {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} من دون شعور، فإذا بالدماء تسيل، وهن لا يشعرن بالألم أمام سكرة النشوة بهذا الجمال، {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ} في تعبير يستنكر وصفه بالكلمات المألوفة التي تجعله من صنف البشر، كأنهن يقلن حاش لله أن يكون كذلك في ما يقوله الناس عنه، {مَا هَذَا بَشَرًا} لأن البشر لا يملكون مثل هذا الجمال الروحي الذي لا مثيل له، {إِنْ هَذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} في ما يتصورن به الملائكة من السموّ في الجمال الخارق الذي لا يدانيه جمال في الكون، لأنهم يمثلون أقصى حدود الروعة في التكوين...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ} (31)

قوله تعالى : " فلما سمعت بمكرهن " أي بغيبتهن إياها ، واحتيالهن في ذمها . وقيل : إنها أطلعتهن واستأمنتهن فأفشين سرها ، فسمي ذلك مكرا . وقوله : " أرسلت إليهن " في الكلام حذف ، أي أرسلت إليهن تدعوهن إلى وليمة لتوقعهن فيما وقعت فيه ، فقال مجاهد عن ابن عباس : إن امرأة العزيز قالت لزوجها : إني أريد أن أتخذ طعاما فأدعو هؤلاء النسوة ، فقال لها : افعلي ، فاتخذت طعاما ، ثم نجدت لهن البيوت ، نجدت أي : زينت ، والنجد ما ينجد به البيت من المتاع أي يزين ، والجمع نجود عن أبي عبيد{[9073]} ، والتنجيد التزيين ، وأرسلت إليهن أن يحضرن طعامها ، ولا تتخلف منكن امرأة ممن سميت . قال وهب بن منبه : إنهن كن أربعين امرأة فجئن على كره منهن ، وقد قال فيهن أمية بن أبي الصلت :

حتى إذا جئنَها قَسْراً*** ومَهَّدَتْ لهُنَّ أنضَاداً وكبابا{[9074]}

ويروى : أنماطا . قال وهب بن منبه{[9075]} : فجئن وأخذن مجالسهن . " وأعتدت لهن متكأ " أي هيأت لهن مجالس يتكئن عليها . قال ابن جبير : في كل مجلس جام فيه عسل وأترج وسكين حاد . وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير " مُتْكاً " مخففا غير مهموز ، والمتك هو الأترج بلغة القبط ، وكذلك فسره مجاهد روى سفيان عن منصور عن مجاهد قال : المتكأ مثقلا هو{[9076]} الطعام ، والمتك مخففا هو{[9077]} الأترج ، وقال الشاعر :

نشربُ الإثم بالصُّوَاعِ جِهَاراً *** وترى المُتْك بينَنَا مُسْتَعَارَا

وقد تقول أزد شنوءة : الأترجة المتكة ، قال الجوهري : المُتْك ما تبقيه الخاتنة . وأصل المتك الزماورد{[9078]} . والمتكاء من النساء التي لم تُخْفَض{[9079]} . قال الفراء : حدثني شيخ من ثقات أهل البصرة أن المتك مخففا الزماورد . وقال بعضهم : إنه الأترج ، حكاه الأخفش . ابن زيد : أترجا وعسلا يؤكل به ، قال الشاعر{[9080]} :

فَظِلْنَا بنعمة واتَّكَأْنَا *** وشرِبْنَا الحَلاَلَ من قُلَلِه

أي أكلنا .

النحاس : قوله تعالى : " واعتدت " من العتاد ، وهو كل ما جعلته عدة لشيء . " متكأ " أصح ما قيل فيه ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : مجلسا ، وأما قول جماعة من أهل التفسير إنه الطعام فيجوز على تقدير : طعام متكأ ، مثل : " واسأل القرية " ، ودل على هذا الحذف " وآتت كل واحدة منهن سكينا " لأن حضور النساء معهن سكاكين إنما هو لطعام يقطع بالسكاكين ، كذا قال في كتاب " إعراب القرآن " له . وقال في كتاب " معاني القرآن " له{[9081]} : وروى معمر عن قتادة قال : " المتكأ " الطعام . وقيل : " المتكأ " كل ما أتكئ عليه عند طعام أو شراب أو حديث ، وهذا هو المعروف عند أهل اللغة ، إلا أن الروايات قد صحت بذلك . وحكى القتبي أنه يقال : اتكأنا عند فلان أي أكلنا ، والأصل في " متكأ " موتكأ ، ومثله متزن ومتعد ؛ لأنه من وزنت ، ووعدت ووكأت ، ويقال : اتكأ يتكئ اتكاء . " كل واحدة منهن سكينا " مفعولان ، وحكى الكسائي والفراء أن السكين يذكر ويؤنث ، وأنشد الفراء :

فَعَيَّثَ{[9082]} في السَّنَامِ غداةَ قُرٍّ *** بسكين مُوَثَّقَةَ النِّصَابِ

الجوهري : والغالب عليه التذكير ، وقال :

يُرَى ناصحا فيما بدا فإذا خلا *** فذلك سكينٌ على الحَلْقِ حَاذِقُ

الأصمعي : لا يعرف في السكين إلا التذكير .

قوله تعالى : " وقالت اخرج عليهن " بضم التاء لالتقاء الساكنين ؛ لأن الكسرة تثقل إذا كان بعدها ضمة ، وكسرت التاء على الأصل . قيل : إنها قالت لهن : لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن ، ثم قالت لخادمها : إذا قلت لك ادع إيلا فادع يوسف ، وإيل : صنم كانوا يعبدونه ، وكان يوسف عليه السلام يعمل في الطين ، وقد شد مئزره ، وحسر عن ذراعيه ، فقالت للخادم : ادع لي إيلا ، أي ادع لي الرب ، وإيل بالعبرانية الرب ، قال : فتعجب النسوة وقلن : كيف يجيء ؟ ! فصعدت الخادم فدعت يوسف ، فلما انحدر قالت لهن : اقطعن ما معكن . " فلما رأينه أكبرنه " واختلف في معنى " أكبرنه " فروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس : أعظمنه{[9083]} وهبنه ، وعنه أيضا : أمنين وأمذين من الدهش ، وقال الشاعر :

إذا ما رأيْنَ الفحلَ من فوق قَارَةٍ{[9084]} *** صَهَلْنَ وأكْبَرْنَ المنيَّ المُدَفَّقَا

وقال ابن سمعان عن عدة من أصحابه : إنهم قالوا أمذين عشقا . وهب بن منبه : عشقنه حتى مات منهن عشر في ذلك المجلس دهشا وحيرة ووجدا بيوسف . وقيل : معناه حضن من الدهش ، قاله قتادة ومقاتل والسدي{[9085]} ، قال الشاعر :

نأتي النساء على أطهارهن*** ولا نأتي النساء إذا أكْبَرْنَ إكْبَارَا

وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره وقالوا : ليس ذلك في كلام العرب ، ولكنه يجوز أن يكن حضن من شدة إعظامهن له ، وقد تقزع المرأة فتسقط ولدها أو تحيض . قال الزجاج : يقال أكبرنه ، ولا يقال حضنه ، فليس الإكبار بمعنى الحيض ، وأجاب الأزهري فقال : يجوز أكبرت بمعنى حاضت ؛ لأن المرأة إذا حاضت في الابتداء خرجت من حيز الصغر إلى الكبر ، قال : والهاء في " أكبرنه " يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء الكناية ، وهذا مزيف ؛ لأن هاء الوقف تسقط في الوصل ، وأمثل منه قول ابن الأنباري : إن الهاء كناية عن مصدر الفعل ، أي أكبرن إكبارا ، بمعنى حضن حيضا . وعلى قول ابن عباس الأول تعود الهاء إلى يوسف ، أي أعظمن يوسف وأجللنه .

قوله تعالى : " وقطعن أيديهن " بالمدى حتى بلغت السكاكين إلى العظم ، قاله وهب بن منبه . سعيد بن جبير : لم يخرج عليهن حتى زينته ، فخرج عليهن فجأة فدهشن فيه ، وتحيرن لحسن وجهه وزينته وما عليه ، فجعلن يقطعن أيديهن ، ويحسبن أنهن يقطعن الأترج ، قال مجاهد : قطعنها حتى ألقينها . وقيل : خدشنها . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد{[9086]} قال : حزا بالسكين ، قال النحاس : يريد مجاهد أنه ليس قطعا تبين منه اليد ، إنما هو خدش وحز ، وذلك معروف في اللغة أن يقال : إذا خدش الإنسان يد صاحبه قطع يده . وقال عكرمة : " أيديهن " أكمامهن ، وفيه بعد . وقيل : أناملهن ، أي ما وجدن ألما في القطع والجرح ، أي لشغل قلوبهن بيوسف ، والتقطيع يشير إلى الكثرة ، فيمكن أن ترجع الكثرة إلى واحدة جرحت يدها في موضع ، ويمكن أن يرجع إلى عددهن .

قوله تعالى : " وقلن حاش لله " أي معاذ الله . وروى الأصمعي عن نافع أنه قرأ كما قرأ أبو عمرو بن العلاء . " وقلن حاشا لله " بإثبات الألف وهو الأصل ، ومن حذفها جعل اللام في " لله " عوضا منها . وفيها أربع لغات ؛ يقال : حاشاك وحاشَا لك وحاشَ لك وحَشَا لك . ويقال : حاشا زيد وحاشا زيدا ، قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : النصب أولى ؛ لأنه قد صح أنها فعل لقولهم حاش لزيد ، والحرف لا يحذف منه ، وقد قال ، النابغة :

ولا أُحَاشِي من الأقوامِ من أَحَدِ{[9087]}

وقال بعضهم : حاش حرف ، وأحاشي فعل . ويدل على كون حاشا فعلا وقوع حرف الجر بعدها . وحكى أبو زيد عن أعرابي : اللهم اغفر لي ولمن يسمع{[9088]} ، حاشا الشيطان وأبا الأصبغ{[9089]} ، فنصب بها . وقرأ الحسن " وقلن حاش لله " بإمكان الشين ، وعنه أيضا " حاش الإله " . ابن مسعود وأبي : " حاش الله " بغير لام ، ومنه قول الشاعر{[9090]} :

حاشَا أبي ثَوْبَانَ إنَّ بِهِ *** ضَنًّا عن المَلْحَاةِ والشَّتْمِ

قال الزجاج : وأصل الكلمة من الحاشية ، والحشا بمعنى الناحية ، تقول : كنت في حشا فلان أي في ناحيته ، فقولك : حاشا لزيد أي تنحى زيد من هذا وتباعد عنه ، والاستثناء إخراج وتنحية عن جملة المذكورين . وقال أبو علي : هو فاعل من المحاشاة ، أي حاشا يوسف وصار في حاشية وناحية مما قرف به ، أو من أن يكون بشرا ، فحاشا وحاش في الاستثناء حرف جر عند سيبويه ، وعلى ما قال المبرد وأبو علي فعل .

قوله تعالى : " ما هذا بشرا " قال الخليل وسيبويه : " ما " بمنزلة ليس ، تقول : ليس زيد قائما ، و " ما هذا بشرا " و " ما هن أمهاتهم " {[9091]} [ المجادلة : 2 ] . وقال الكوفيون : لما حذفت الباء نصبت ، وشرج هذا - فيما قال أحمد بن يحيى ، - إنك إذا قلت : ما زيد بمنطلق ، فموضع الباء موضع نصب ، وهكذا سائر حروف الخفض ، فلما حذفت الباء نصبت لتدل على محلها ، قال : وهذا قول الفراء ، قال : ولم تعمل " ما " شيئا ، فألزمهم البصريون أن يقولوا : زيد القمر ؛ لأن المعنى كالقمر ! فرد أحمد بن يحيى بأن قال : الباء أدخل في حروف الخفض من الكاف ؛ لأن الكاف تكون اسما . قال النحاس : لا يصح إلا قول البصريين ، وهذا القول يتناقض ؛ لأن الفراء أجاز{[9092]} نصا ما بمنطلق زيد ، وأنشد :

أما والله أنْ لو كنتَ حُرًّا *** وما بالحرِّ أنتَ ولا العَتِيقِ

ومنع{[9093]} نصًّا النصب ، ولا نعلم بين النحويين اختلافا أنه جائز : ما فيك براغب زيد ، وما إليك بقاصد عمرو ، ثم يحذفون الباء ويرفعون . وحكى البصريون والكوفيون ما زيد منطلق بالرفع ، وحكى البصريون أنها لغة تميم ، وأنشدوا :

أتيمًا تجعلون إليّ نِدًّا*** وما تيمٌ لذِي حسب نَدِيدٌ

الند والنديد والنديدة المثل والنظير . وحكى الكسائي أنها لغة تهامة ونجد . وزعم الفراء أن الرفع أقوى الوجهين : قال أبو إسحاق : وهذا غلط ، كتاب الله عز وجل ولغة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى وأولى .

قلت : وفي مصحف حفصة رضي الله عنها " ما هذا ببشر " ذكره الغزنوي . قال القشيري أبو نصر : وذكرت النسوة أن صورة يوسف أحسن من صورة البشر{[9094]} ، بل هو في صورة ملك ، وقال الله تعالى : " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم{[9095]} " [ التين : 4 ] والجمع بين الآيتين أن قولهن : " حاش لله " تبرئة ليوسف عما رمته به امرأة العزيز . من المراودة ، أي بعد يوسف عن هذا ، وقولهن : " لله " أي لخوفه ، أي براءة لله من هذا ، أي قد نجا يوسف من ذلك ، فليس هذا من الصورة في شيء ، والمعنى : أنه في التبرئة عن المعاصي كالملائكة ، فعلى هذا لا تناقض . وقيل : المراد تنزيهه عن مشابهة البشر في الصورة ، لفرط جماله . وقوله : " لله " تأكيد لهذا المعنى ، فعلى هذا المعنى قالت النسوة ذلك ظنا منهن أن صورة الملك أحسن ، وما بلغهن قوله تعالى : " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " [ التين : 4 ] فإنه من كتابنا . وقد ظن بعض الضعفة أن هذا القول لو كان ظنا باطلا منهن لوجب على الله أن يرد عليهن ، ويبين كذبهن ، وهذا باطل ؛ إذ لا وجوب على الله تعالى ، وليس كل ما يخبر به الله سبحانه من كفر الكافرين وكذب الكاذبين يجب عليه أن يقرن به الرد عليه ، وأيضا أهل العرف قد يقولون في القبيح كأنه شيطان ، وفي الحسن كأنه ملك ، أي لم ير مثله ؛ لأن الناس لا يرون الملائكة ، فهو بناء على ظن في أن صورة الملك أحسن ، أو على الإخبار بطهارة أخلاقه وبعده عن التهم . . " إن هذا إلا ملك " أي ما هذا إلا ملك ، وقال الشاعر{[9096]} :

فلستَ لإنسيٍّ ولكنْ لمِلأكٍ *** تَنَزَّلَ من جَوِّ السماءِ يَصُوبُ

وروي عن الحسن : " ما هذا بشرى " بكسر الباء والشين ، أي ما هذا عبدا مشترى ، أي ما ينبغي لمثل هذا أن يباع ، فوضع المصدر موضع اسم المفعول ، كما قال : " أحل لكم صيد البحر{[9097]} " [ المائدة : 96 ] أي مصيده ، وشبهه كثير . ويجوز أن يكون المعنى : ما هذا بثمن ، أي مثله لا يثمن ولا يقوم ، فيراد بالشراء على هذا الثمن المشترى به : كقولك : ما هذا بألف إذا نفيت قول القائل : هذا بألف . فالباء على هذا متعلقة بمحذوف هو الخبر ، كأنه قال : ما هذا مقدرا بشراء . وقراءة العامة أشبه ؛ لأن بعده " إن هذا إلا ملك كريم " مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيما لشأنه ، ولأن مثل " بشرى " يكتب في المصحف بالياء .


[9073]:كذا في الأصول: ولعل الصواب أبو عبيدة كما يؤخذ من اللسان.
[9074]:كذا البيت في الأصول.
[9075]:من ع.
[9076]:من ع.
[9077]:من ع.
[9078]:الزماورد: الرقاق الملفوف باللحم وغيره، أو هو شيء يشبه الأترج.
[9079]:خفض الجارية: ختنها، وكذا الصبي، والعرف أن الخفض للجارية خاصة والختان للصبي.
[9080]:هو جميل بن معمر، والقلل جمع قلة، والقلة الحب العظيم. وقيل: الكوز الصغير. وقيل: غير ذلك.
[9081]:من ع.
[9082]:عيث في السنام بالسكين أثر.
[9083]:في هامش ع: معنى "أكبرنه" أي عظمنه ودهشن من حسنه.
[9084]:القارة: الجبيل الصغير المنقطع عن الجبال، وقيل: الصخرة العظيمة، وقيل غير ذلك.
[9085]:قال ابن عطية وقوله: "أكبرنه" معناه أعظمنه واستهولن جماله هذا قول الجمهور. وقال عبد الصمد بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده: معناه حضن وأنشد: نأتي النساء على أطهارهن ولا *** نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف ومعناه منكور والبيت مصنوع مختلق؛ لذلك قال الطبري وغيره من المحققين: ليس عبد الصمد من رواة العلم رحمه الله. من هامش ع.
[9086]:من ع و ك
[9087]:صدر البيت: ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه وهو من قصيدة يمدح بها النعمان ويعتذر إليه.
[9088]:في ع و ك و و: سمع.
[9089]:كلام منثور.
[9090]:هو سبرة بن عمرو الأسدي، وقيل: هو اللجميح الأسدي، واسمه منقذ بن الطماح. والملحاة: اللوم. وفي ع: ابن مروان. كذا في إحدى روايتي اللسان: أبي مروان. وفي ك و ي: ثروان.
[9091]:راجع ج 17 ص 272.
[9092]:في ع: أجاز أيضا.
[9093]:في ع: أجاز أيضا.
[9094]:في ع: إن يوسف أحسن صورة من البشر.
[9095]:راجع ج 20 ص 113.
[9096]:هو رجل من عبد القيس جهلي، يمدح بعض الملوك، قيل: هو النعمان، وقال ابن السيرافي: هو لأبي وجزة يمدح به عبد الله بن الزبير. وملك – كما قال الكسائي- أصله مألك بتقديم الهمزة، من الألوكة، وهي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل: ملأك، ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل: ملك، فلما جمعوه ردوها إليه فقالوا: ملائكة وملائك أيضا. (اللسان).
[9097]:راجع ج 6 ص 317.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ} (31)

قوله : { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } لما سمعت زليخا بحديث النساء عنها ما أشنعه في حقها بين الناس في مصر وقولهن ما يشينها وهو أن امرأة العزيز عشقت عبدها وقد راودته عن نفسه { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } أي أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدثن في أمرها بشأن يوسف لتضيفهن وتصنع لهن الطعام في بيتها { وأعتدت لهن متكأ } من العتاد وهو العدة ؛ أي أعدت وهيأت لهن مجلسا يتناولن فيه الطعام والشراب ويتكئن فيه على الفرش والنمارق { وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا } وذلك ليقطعن به الطعام { وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنّ } أمرته امرأة العزيز أن يخرج على النساء اللاتي في ضيافتها ليرين حسنه وجمال وجهه وهن في هذه الحال من تقطيع الطعام بالسكاكين . وهذه مكيدة من امرأة العزيز ، لتمكن هؤلاء النساء من رؤية يوسف فيبهرهن حسنه وجماله فيذهلن عنه ذهولا يحملهن على تقطيع أيديهن بدلا من تقطيع الطعام . { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } أي أعظمنه وأجللنه وبهتن لحسنه وجماله . وجعلن من فرط إعجابهن به يقطعن أصابع أنفسهن بالسكاكين بعد أن غلبهن الذهول والدهش . ولا نرغب في التهويل والمبالغة في وصف دهشهن وانبهارهن بيوسف أكثر مما ذكرناه . أما الزعم بأنهن جاءهن المحيض من شدة ارتياعهن لعظم جماله ، وأن بعضا منهم قد أتت عليهن صعقة الموت لروعة ما رأين من حسن يوسف ، فما نحسب مثل هذا القول إلا إغراقا في المغالاة المستفادة من تهويش الإسرائيليات .

قوله : { وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } { حاش } ، أصلها حاشا ، حذفت الألف للتخفيف ؛ أي معاذ الله ؛ فهي كلمة تفيد التنزيه في باب الاستثناء ، نقول : أساء القوم حاشا زيد . وهي حرف من حروف الجر وضعت موضع التنزيه والبراءة{[2233]} ؛ أي تنزيها لله من صفات العجز ، وتعجبا من قدرته على خلق مثله { ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم } نفت النسوة عن يوسف –لما رأينه- كونه بشرا من البشر لغرابة جماله وعظيم حسنه وبهائه ، وقلن : ما هكذا يكون البشر ، وما هو إلا ملك من الملائكة الأطهار الكرام . وذلك إقرار كامل منهن أن يوسف مبرأ من مظنة الاتهام بالفاحشة فمثله في البراءة والتنزه وجمال الخلق والخلق مثل الملائكة الأبرار الأطهار الذين لا يقربون الفحش أو الدنس .


[2233]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 39 والكشاف جـ 2 ص 317.