الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} (27)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال: {والجان} يعني: إبليس، {خلقناه من قبل} آدم، {من نار السموم}، يعني: صافي ليس فيه دخان، وهو المارج من نار، يعني: الجان...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"والجانّ"... وعُني بالجانّ ههنا: إبليس أبا الجنّ. يقول تعالى ذكره: وإبليس خلقناه من قبل الإنسان من نار السموم... واختلف أهل التأويل في معنى: "نارِ السّمُومِ"؛

فقال بعضهم: هي السموم الحارّة التي تقتل...

وقال آخرون: يعني بذلك من لهب النار...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

..."نارِ السّمُومِ"...مأخوذ من دخولها بلطف في مسام البدن، ومنه السم القاتل.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{الجان} يراد به جنس الشياطين، ويسمون: جنة وجاناً لاستتارهم عن العين... و {السموم} -في كلام العرب- إفراط الحر حتى يقتل من نار أو شمس أو ريح.

وأما إضافة {نار} إلى {السموم} في هذه الآية فيحتمل أن تكون النار أنواعاً، ويكون {السموم} أمراً يختص بنوع منها فتصح الإضافة حينئذ؛ وإن لم يكن هذا، فيخرج هذا على قولهم: مسجد الجامع، ودار الآخرة، على حذف مضاف.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

... ومساق الآية الكريمة كما هو للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وبيان بدء خلق الثقلين، فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر وهو قبول المواد للجمع والإحياء.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطف جملة {والجانّ خلقناه} إدماج وتمهيد إلى بيان نشأة العداوة بين بني آدم وجُند إبليس. وأكدت جملة {والجان خلقناه} بصيغة الاشتغال التي هي تقوية للفعل بتقدير نظيره المحذوف، ولما فيها من الاهتمام بالإجمال ثم التفصيل لمثل الغرض الّذي أكدت به جملة {ولقد خلقنا الإنسان} الخ. وفائدة قوله: {من قبل} أي من قبل خلق الإنسان تعليم أن خلق الجانّ أسبق لأنّه مخلوق من عنصر الحرارة والحرارة أسبق من الرطوبة. فكما كَوّن الله الحمأةَ الصلصالَ المسنونَ لخلق الإنسان، كَون ريحاً حارة وجعل منها الجنّ. فهو مكون من حرارة زائدة على مقدار حرارة الإنسان ومن تهوية قويّة. والحكمة كلّها في إتقان المزج والتركيب.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ونعلم أن كلمة (السموم) هي اللهب الذي لا دخان له، ويسمونه "السموم "لأنه يتلصص في الدخول إلى مسام الإنسان. وهكذا نرى أن للعنصر تأثيراً في مقومات حياة الكائنات، فالمخلوق من طين له صفات الطينية، والمخلوق من نار له صفات النارية؛ ولذلك كان قانون الجن أخف وأشد من قانون الإنس. والحق سبحانه يقول: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} (سورة الأعراف 27) وهكذا نعلم أن قانون خلق الجن من عنصر النار التي لا لهب لها يوضح لنا أن له قدرات تختلف عن قدرات الإنسان.

ذلك أن مهمته في الحياة تختلف عن مهمة الإنسان، ولا تصنع له خيرية أو أفضلية، لأن المهام حين تتعدد في الأشياء؛ تمنع المقارنة بين الكائنات...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ}، وهو مخلوق حي عاقل يعيش مع الإنسان على الأرض ولكن في مجتمعٍ منفصل عنه، دون أن يبرز أي مظهر من مظاهر حياته أو حركته على الأرض مع الإنسان، إلا في حالاتٍ خاصة، وهو مخلوق كالإنسان تماماً يعقل ويفكر ويتحمل المسؤولية أمام الله في الحياة، ثم يموت ويبعث ليواجه نتائج المسؤولية، لكنه يتميز عن الإنسان بحرية أكبر، لما أودعه الله فيه من خصائص وأسرار، لا نملك إمكانية اكتشافها لمحدودية طاقاتنا وتجاربنا في هذا المجال، كما أننا لا نملك أيّة وثيقةٍ حيّة للوصول إلى ذلك إلا ما عرفنا الله إياه في كتابه، أو ما شرحه النبي في سنته، مما ثبت النقل فيه عنه بشكلٍ موثوق. وقد بيّن الله لنا في هذه الآية، أنه خلق الجان من نار السموم، ولعل المراد بها الريح الحارّة التي تؤثر تأثير السمّ، كما أفاد الراغب في تفسير معناها، مما حوّلها إلى نار، أو جعلها قريبةً إلى النار، ولكن كيف كان ذلك؟ هذا ما لم يبيّن لنا الله أمره. ولكن لماذا بيّن الله لنا هذه الحقيقة التكوينية؟ لعل السبب في ذلك أن إبليس كان من الجن، كما شرح الله لنا في آيةٍ أخرى، وأن شعوره بامتياز مادّة خلقه وهي النار على التراب الذي هو مادة خلق الإنسان، هو الذي جعله يرفض الأمر الإلهي بالسجود للإنسان...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} (27)

قوله تعالى : " والجان خلقناه من قبل " أي من قبل خلق آدم . وقال الحسن : يعني إبليس ، خلقه الله تعالى قبل آدم عليه السلام . وسمي جانا لتواريه عن الأعين . وفي صحيح مسلم من حديث ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لما صور الله تعالى آدم عليه السلام في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك ){[9658]} . " من نار السموم " قال ابن مسعود : ( نار السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ) . وقال ابن عباس : ( السموم الريح الحارة التي تقتل ) . وعنه ( أنها نار لا دخان لها ) ، والصواعق تكون منها ، وهي نار تكون بين السماء والحجاب . فإذا أحدث الله أمرا اخترقت الحجاب فهوت الصاعقة إلى ما أمرت . فالهَدَّة{[9659]} التي تسمعون خرق ذلك الحجاب . وقال الحسن : نار السموم نار دونها حجاب ، والذي تسمعون من انغطاط السحاب صوتها . وعن ابن عباس أيضا قال : ( كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة - قال - : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار .

قلت : هذا فيه نظر ، فإنه يحتاج إلى سند يقطع العذر ؛ إذ مثله لا يقال من جهة الرأي . وقد خرج مسلم من حديث عروة عن عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم ) . فقوله : ( خلقت الملائكة من نور ) يقتضي العموم . والله أعلم . وقال الجوهري : مارج من نار نار لا دخان لها خلق منها الجان . والسموم الريح الحارة تؤنث ؛ يقال منه : سم يومنا فهو يوم مسموم ، والجمع سمائم . قال أبو عبيدة : ( السموم بالنهار وقد تكون بالليل ، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار ) . القشيري : وسميت الريح الحارة سموما لدخولها في مسام البدن .


[9658]:أي لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات. وقيل: لا يملك نفسه عند الغضب. وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه.
[9659]:الهدة: صوت وقع الحائط ونحوه، والهدة: صوت ما يقع من السحاب.