تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولقد علمنا المستقدمين منكم}، يعني: من بني آدم من مات منكم، {ولقد علمنا المستئخرين}، يقول: من بقي منكم فلم يمت...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:
فقال بعضهم: معنى ذلك: ولقد علمنا من مضى من الأمم فتقدّم هلاكهم، ومن قد خلق وهو حيّ، ومن لم يخلق بعدُ ممن سيخلق.
وقال آخرون: عنى بالمستقدمين: الذين قد هلكوا، والمستأخرين: الأحياء الذين لم يهلكوا...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين من الأمم، والمستأخرين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم...
وقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الخير والمستأخرين عنه...
وقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين في أوّل الخلق والمستأخرين في آخرهم...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة، والمستأخرين فيها بسبب النساء...
وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصحة قول من قال: معنى ذلك: ولقد علمنا الأموات منكم يا بني آدم فتقدّم موته، ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم ممن هو حيّ، ومن هو حادث منكم ممن لم يحدث بعدُ لدلالة ما قبله من الكلام، وهو قوله:"وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ" وما بعده وهو قوله: "وإنّ رَبّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ "على أن ذلك كذلك، إذ كان بين هذين الخبرين، ولم يجر قبل ذلك من الكلام ما يدلّ على خلافه ولا جاء بعد. وجائز أن تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصفّ لشأن النساء والمستأخرين فيه لذلك، ثم يكون الله عزّ وجلّ عمّ بالمعنى المراد منه جميع الخلق، فقال جلّ ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق وأحصيناهم، وما كانوا يعملون، ومن هو حيّ منكم ومن هو حادث بعدكم أيها الناس، وأعمال جميعكم خيرها وشرّها، وأحصينا جميع ذلك ونحن نحشر جميعهم، فنجازي كلاّ بأعماله، إن خيرا فخيرا وإن شرّا فشرّا. فيكون ذلك تهديدا ووعيدا للمستأخرين في الصفوف لشأن النساء ولكلّ من تعدّى حدّ الله وعمل بغير ما أذن له به، ووعدا لمن تقدّم في الصفوف لسبب النساء وسارع إلى محبة الله ورضوانه في أفعاله كلها.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال بعضهم: {ولقد علمنا المستقدمين} من المكذبين منكم ما حل بهم بالتكذيب {ولقد علمنا المستأخرين} من المكذبين منكم...
واعلم أنه تعالى لما قال: {وإنا لنحن نحيي ونميت} أتبعه بقوله: {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} تنبيها على أنه لا يخفى على الله شيء من أحوالهم. فيدخل فيه علمه تعالى بتقدمهم وتأخرهم في الحدوث والوجود. وبتقدمهم وتأخرهم في أنواع الطاعات والخيرات. ولا ينبغي أن نخص الآية بحالة دون حالة.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته، فإن ما يدل على قدرته دليل على علمه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
فلما ثبت بهذا كمال قدرته، وكانت آثار القدرة لا تكون محكمة إلا بالعلم، قال تعالى: {ولقد علمنا} أي بما لنا من الإحاطة المعجزة {المستقدمين منكم} وهم من قضينا بموته أولاً، فيكون في موته كأنه يسارع إلى التقدم إليه وإن كان هو وكل من أهله مجتهداً بالعلاج في تأخيره {ولقد علمنا} بعظمتنا {المستأخرين} أي الذين نمد في أعمارهم فنؤخر موتهم حتى يكونوا كأنهم يسابقون إلى ذلك وإن عالجوا الموت بشرب سم وغيره، أو عالجه لهم غيرهم بضربهم بالسيف أو غيره، فعرف بذلك قطعاً أن الفاعل واحد مختار، وكذا كل متقدم ومتأخر في وصف من الأوصاف غير الموت، والمعنى على الأول: فنحن لا نميت أحداً قبل أجله فلا تستعجلونا بالوعيد وتهيؤوا لدفاعه إن كنتم رجالاً، فإنه لا بد أن يأتي لأنه لا يبدل القول لديّ.
تيسير التفسير لاطفيش 1332 هـ :
...فالآية تهديد وترجية كما إذا فسرت بالتقدم في الطاعة والتأَخر فيها.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لما ذكر الإحياء والإماتة وكان الإحياء بكسر الهمزة يذكر بالأحياء بفتحها، وكانت الإماتة تذكّر بالأموات الماضين تخلص من الاستدلال بالأحياء والإماتة على عظم القدرة إلى الاستدلال بلازم ذلك على عظم علم الله وهو علمه بالأمم البائدة وعلم الأمم الحاضرة؛ فأريد بالمستقدمين الذين تقدموا الأحياء إلى الموت أو إلى الآخرة، فالتقدم فيه بمعنى المضي؛ وبالمستأخرين الذين تأخروا وهم الباقون بعد انقراض غيرهم إلى أجل يأتي.والسين والتاء في الوصفين للتأكيد مثل استجاب؛ ولكن قولهم استقدم بمعنى تقدم على خلاف القياس لأن فعله رباعي. وقد تقدم عند قوله تعالى {لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} في سورة الأعراف (34).
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{المستقدمين}، السين والتاء للطلب، وكذلك في {المستأخرين}، ومعنى السين والتاء هنا طلب الإيغال في التقدم والإيغال في التأخر، فالذين تقدموا إلى أبعد التقدم، والذين تأخروا إلى أعمق التأخر في علم الله تعالى، وعلمه الماضي والحاضر على سواء، ولقد أكد علمه بالمتقدم، وعلمه بالمتأخر بأبلغ المؤكدات، فأكد باللام وبقد وكلاهما لتأكيد التحقيق.
الأولى : قوله تعالى : " ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين " فيه ثمان تأويلات : " المستقدمين " في الخلق إلى اليوم ، و " المستأخرين " الذين لم يخلقوا بعد ، قاله قتادة وعكرمة وغيرهما . الثاني - " المستقدمين " الأموات ، و " المستأخرين " الأحياء ، قاله ابن عباس والضحاك . الثالث : " المستقدمين " من تقدم أمة محمد ، و " المستأخرين " أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله مجاهد . الرابع - " المستقدمين " في الطاعة والخير ، و " المستأخرين " في المعصية والشر ، قاله الحسن وقتادة أيضا . الخامس - " المستقدمين " في صفوف الحرب ، و " المستأخرين " فيها ، قاله سعيد بن المسيب . السادس : " المستقدمين " من قتل في الجهاد ، و " المستأخرين " من لم يقتل ، قاله القرظي . السابع : " المستقدمين " أول الخلق ، و " المستأخرين " آخر الخلق ، قاله الشعبي . الثامن : " المستقدمين " في صفوف الصلاة ، و " المستأخرين " فيها بسبب النساء . وكل هذا معلوم الله تعالى ، فإنه عالم بكل موجود ومعدوم ، وعالم بمن خلق وما هو خالقه إلى يوم القيامة . إلا أن القول الثامن هو سبب نزول الآية ؛ لما رواه النسائي والترمذي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال : " كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس ، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر ، فإذا ركع نظر من تحت إبطه ، فأنزل الله عز وجل " ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين " . وروي عن أبي الجوزاء ولم يذكر ابن عباس . وهو أصح{[9646]} .
الثانية : هذا يدل على فضل أول الوقت في الصلاة وعلى فضل الصف الأول ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا{[9647]} عليه لاستهموا ) . فإذا جاء الرجل عند الزوال فنزل في الصف الأول مجاور الإمام ، حاز ثلاث مراتب في الفضل : أول الوقت ، والصف الأول ، ومجاورة الإمام . فإن جاء عند الزوال فنزل في الصف الآخر أو فيما نزل عن الصف الأول ، فقد حاز فضل أول الوقت وفاته فضل الصف الأول والمجاورة . فإن جاء وقت الزوال ونزل في الصف الأول دون ما يلي الإمام فقد حاز فضل أول الوقت وفضل الصف الأول ، وفاته مجاورة الإمام . فإن جاء بعد الزوال ونزل في الصف الأول فقد فاته فضيلة أول الوقت ، وحاز فضيلة الصف الأول ومجاورة الإمام . وهكذا . ومجاورة الإمام لا تكون لكل أحد ، وإنما هي كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ) الحديث . فيما يلي الإمام ينبغي أن يكون لمن كانت هذه صفته ، فإن نزلها غيره أخر وتقدم وهو إلى الموضع ؛ لأنه حقه بأمر صاحب الشرع ، كالمحراب هو موضع الإمام تقدم أو تأخر ، قاله ابن العربي .
قلت : وعليه يحمل قول عمر رضي الله عنه : تأخر يا فلان ، تقدم يا فلان ، ثم يتقدم فيكبر . وقد روي عن كعب أن الرجل من هذه الأمة ليخر ساجدا فيغفر لمن خلفه . وكان كعب يتوخى الصف المؤخر من المسجد رجاء ذلك ، ويذكر أنه وجده كذلك في التوراة . ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول . وسيأتي في سورة " الصافات{[9648]} " زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى .
الثالثة : وكما تدل هذه الآية على فضل الصف الأول في الصلاة ، فكذلك تدل على فضل الصف الأول في القتال ، فإن القيام في نحر العدو ، وبيع العبد نفسه من الله تعالى لا يوازيه عمل ، فالتقدم إليه أفضل ، ولا خلاف فيه ولا خفاء به . ولم يكن أحد يتقدم في الحرب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه كان أشجع الناس . قال البراء : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به ، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.