جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"ونُنَزّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ للْمُؤْمِنِينَ" يقول تعالى ذكره: وننزّل عليك يا محمد من القرآن ما هو شفاء يستشفى به من الجهل من الضلالة، ويبصر به من العمى للمؤمنين ورحمة لهم دون الكافرين به، لأن المؤمنين يعملون بما فيه من فرائض الله ويحلون حلاله ويحرّمون حرامه، فيدخلهم بذلك الجنة ويُنجيهم من عذابه، فهو لهم رحمة ونعمة من الله، أنعم بها عليهم. "وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلاّ خَسارا" يقول: ولا يزيد هذا الذي ننزل عليك من القرآن الكافرين به "إلا خسارا": يقول: إهلاكا، لأنهم كلما نزل فيه أمر من الله بشيء أو نهى عن شيء كفروا به، فلم يأتمروا لأمره، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه، فزادهم ذلك خسارا إلى ما كانوا فيه قبل ذلك من الخسار، ورجسا إلى رجسهم قبلُ...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
الكتابُ كتابٌ واحد، ولكنه لقوم رحمةٌ وشفاء، ولقوم سخطٌ وشقاء، قومٌ أنار بصائرهم بنور التوحيد فهو لهم شفاء، وقوم أغشي على بصائرهم بستر الجحود فهو لهم شقاء.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فهو شفاء للمؤمنين، يزدادون به إيماناً، ويستصلحون به دينهم، فموقعه منهم موقع الشفاء من المرضى.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{من القرآن} يصح أن تكون {من} لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس كأنه قال وننزل ما فيه شفاء {من القرآن} وأنكر بعض المتأولين أن يكون {من} للتبعيض لأنه تحفظ من يلزمه أن بعضه لا شفاء فيه... وليس يلزمه هذا بل يصح أن يكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو مبعض، فكأنه قال {وننزل من القرآن} شيئاً شيئاً ما فيه كله {شفاء}، واستعارته الشفاء للقرآن هو بحسب إزالته للريب وكشفه غطاء القلب لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى المقررة لشرعه... وكونه رحمته ظاهر.
{ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} معنى أنه عليهم عمى، إذ هم معرضون بحالة من لا يفهم ولا يلقن...
اعلم أن القرآن شفاء من الأمراض الروحانية، وشفاء أيضا من الأمراض الجسمانية، أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر، وذلك لأن الأمراض الروحانية نوعان: الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة، أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فسادا الاعتقادات الفاسدة في الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر والقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة فيها، ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخطأ في هذه المطالب والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما في هذه المذاهب الباطلة من العيوب الباطنة لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني. وأما الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريف ما فيها من المفاسد والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة الكاملة والأعمال المحمودة فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية... وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيرا من الأمراض...
وأما كونه رحمة للمؤمنين فاعلم أنا بينا أن الأرواح البشرية مريضة بسبب العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة، والقرآن قسمان بعضهما يفيد الخلاص عن شبهات الضالين وتمويهات المبطلين وهو الشفاء. وبعضهما يفيد تعليم كيفية اكتساب العلوم العالية، والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار رب العالمين، والاختلاط بزمرة الملائكة المقربين وهو الرحمة... ولما كان إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة لا جرم بدأ الله تعالى في هذه الآية بذكر الشفاء ثم أتبعه بذكر الرحمة...
واعلم أنه تعالى لما بين كون القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين بين كونه سببا للخسار والضلال في حق الظالمين والمراد به المشركون وإنما كان كذلك لأن سماع القرآن يزيدهم غيظا وغضبا وحقدا وحسدا وهذه الأخلاق الذميمة تدعوهم إلى الأعمال الباطلة وتزيد في تقوية تلك الأخلاق الفاسدة في جواهر نفوسهم ثم لا يزال الخلق الخبيث النفساني يحمل على الأعمال الفاسدة والإتيان بتلك الأعمال يقوي تلك الأخلاق فبهذا الطريق يصير القرآن سببا لتزايد هؤلاء المشركين الضالين في درجات الخزي والضلال والفساد والنكال...
التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :
كما قال في الآية الأخرى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57] فهو شفاء للقلوب من داء الجهل، والشك والريب، فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع، ولا أعظم، ولا أشجع في إزالة الداء من القرآن.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة، وليس ذلك لكل أحد، وإنما ذلك للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين به، وأما الظالمون بعدم التصديق به أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلا خسارًا، إذ به تقوم عليهم الحجة... فإنه مشتمل على العلم اليقيني، الذي تزول به كل شبهة وجهالة، والوعظ والتذكير، الذي يزول به كل شهوة تخالف أمر الله، ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وفي القرآن شفاء، وفي القرآن رحمة، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روح، وطمأنينة وأمان. في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة. فهو يصل القلب بالله، فيسكن ويطمئن ويستشعر الحماية والأمن؛ ويرضى فيستروح الرضى من الله والرضى عن الحياة؛ والقلق مرض، والحيرة نصب، والوسوسة داء. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين. وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزعات الشيطان.. وهي من آفات القلب تصيبه بالمرض والضعف والتعب، وتدفع به إلى التحطم والبلى والانهيار. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين. وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير. فهو يعصم العقل من الشطط، ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة، ويكفه عن إنفاق طاقته فيما لا يجدي، ويأخذه بمنهج سليم مضبوط، يجعل نشاطه منتجا ومأمونا. ويعصمه من الشطط والزلل. وكذلك هو في عالم الجسد ينفق طاقاته في اعتدال بلا كبت ولا شطط فيحفظه سليما معافى ويدخر طاقاته للإنتاج المثمر. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين. وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء الجماعات، وتذهب بسلامتها وأمنها وطمأنينتها. فتعيش الجماعة في ظل نظامه الاجتماعي وعدالته الشاملة في سلامة وأمن وطمأنينة. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين. (ولا يزيد الظالمين إلا خسارا).. فهم لا ينتفعون بما فيه من شفاء ورحمة. وهم في غيظ وقهر من استعلاء المؤمنين به، وهم في عنادهم وكبريائهم يشتطون في الظلم والفساد، وهم في الدنيا مغلوبون من أهل هذا القرآن، فهم خاسرون. وفي الآخرة معذبون بكفرهم به ولجاجهم في الطغيان، فهم خاسرون: (ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف على جملة {وقل جاء الحق وزهق الباطل} [الإسراء: 81] على ما في تلك الجملة والجمل التي سبقتها من معنى التأييد للنبيء ومن الإغاظة للمشركين ابتداء من قوله: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذين أوحينا إليك} [الإسراء: 73]. فإنه بعد أن امتن عليه بأن أيده بالعصمة من الركون إليهم وتبشيره بالنصرة عليهم وبالخلاص من كيدهم، وبعد أن هددهم بأنهم صائرون قريباً إلى هلاك وأن دينهم صائر إلى الاضمحلال، أعلن له ولهم في هذه الآية: أن ما منه غيظهم وحنقهم، وهو القرآن الذي طمعوا أن يسألوا النبي أن يبدله بقرآن ليس فيه ذكر أصنامهم بسوء، أنه لا يزال متجدداً مستمراً، فيه شفاء للرسول وأتباعه وخسارة لأعدائه الظالمين، ولأن القرآن مصدرُ الحق ومَدحَض الباطل أعقب قولُه: {جاء الحق وزهق الباطل} [الإسراء: 81] بقوله: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة} الآية. ولهذا اختير للإخبار عن التنزيل الفعل المضارع المشتق من فَعَّلَ المضاعف للدلالة على التجديد والتكرير والتكثير، وهو وعد بأنه يستمر هذا التنزيل زمناً طويلاً.
و {ما هو شفاء} مفعول {ننزل}. و {من القرآن} بيان لما في (ما) من الإبهام كالتي في قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [الحج: 30]، أي الرجس الذي هو الأوثان. وتقديم البيان لتحصيل غرض الاهتمام بذكر القرآن مع غرض الثناء عليه بطريق الموصولية بقوله: {ما هو شفاء ورحمة} إلخ، للدلالة على تمكن ذلك الوصف منه بحيث يعرف به. والمعنى: ننزل الشفاء والرحمة وهو القرآن. وليست (مِن) للتبعيض ولا للابتداء.
والشفاء حقيقته زوال الداء، ويستعمل مجازاً في زوال ما هو نقص وضلال وعائق عن النفع من العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة والأخلاق الذميمة تشبيهاً له ببرء السقم...
والمعنى: أن القرآن كله شفاءً ورحمة للمؤمنين ويزيد خسارة للكافرين، لأن كل آية من القرآن من أمره ونهيه ومواعظه وقصصه وأمثاله ووعده ووعيده، كل آية من ذلك مشتملة على هَديٍ وصلاحِ حالٍ للمؤمنين المتبعينَه، ومشتملة بضد ذلك على ما يزيد غيظ المستمرين على الظلم، أي الشرك، فيزدادون بالغيظ كراهية للقرآن فيزدادون بذلك خساراً بزيادة آثامهم واستمرارهم على فاسد أخلاقهم وبُعْدِ ما بينهم وبين الإيمان. وهذا كقوله: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [التوبة: 124 -125].
وفي الآية دليل على أن في القرآن آيات يشتفى بها من الأدواء والآلام ورد تعيينها في الأخبار الصحيحة فشملتها الآية بطريقة استعمال المشترك في معنييه. وهذا مما بينا تأصيله في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير...
والشفاء: أن تعالج داءً موجوداً لتبرأ منه. والرحمة: أن تتخذ من أسباب الوقاية ما يضمن لك عدم معاودة المرض مرة أخرى، فالرحمة وقاية، والشفاء علاج... لكن، هل شفاء القرآن شفاء معنوي لأمراض القلوب وعلل النفوس، فيخلص المسلم من القلق والحيرة والغيرة، ويجتث ما في نفسه من الغل والحقد، والحسد، إلى غير هذا من أمراض معنوية، أم هو شفاء للماديات، ولأمراض البدن أيضاً؟ والرأي الراجح بل المؤكد الذي لاشك فيه أن القرآن شفاء بالمعنى العام الشامل لهذه الكلمة، فهو شفاء للماديات كما هو شفاء للمعنويات...
ثم يقول تعالى: {ولا يزيد الظالمين إلا خساراً}: لأنهم بظلمهم واستقبالهم فيوضات السماء بملكات سقيمة، وأجهزة متضاربة متعارضة، فلم ينتفعوا بالقرآن، ولم يستفيدوا برحمات الله...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
إِنَّ (الشفاء) هو في مقابل الأمراض والعيوب والنواقص، لذا فإِنّ أوّل عمل يقوم بهِ القرآن في وجود الإِنسان هو تطهيره مِن أنواع الأمراض الفكرية والأخلاقية الفردية مِنها والجماعية. ثمّ تأتي بعدها مرحلة (الرحمة) وهي مرحلة التخلُّق بأخلاق الله، وتفتّح براعم الفضائل الإِنسانية في أعماق الأفراد الذين يخضعون للتربية القرآنية... بعبارة أُخرى: إِنّ الشفاء إِشارة إلى (التطهير) و (الرحمة) إِشارة إلى (البناء الجديد). أو بتعبير الفلاسفة والعارفين، فإِنَّ الأُولى تشير إلى مقام (التخلية) بينما الثّانية تشير إلى مقام (التحلية)...
فالقرآن يُعتبر وصفة شفاء للذين يريدون محاربة الجهل والكبر والغرور والحسد والنفاق... القرآن وصفة شفاء لمعالجة الضعف والذّلة والخوف والاختلاف والفرقة. وكتاب الله الأعظم وصفة شفاء للذين يئنّون مِن مرض حبّ الدنيا والارتباط بالمادة والشهوة. والقرآن وصفة شفاء لهذه الدنيا التي تشتعل فيها النيران في كل زاوية، وتئن مِن وطأة السباق في تطوير الأسلحة المدمرة وخزنها، حيثُ وضعت رأسمالها الاقتصادي والإِنساني في خدمة الحرب وتجارة السلاح. وأخيراً فإنَّ كتاب الله وصفة شفاء لإِزالة حُجب الشهوات المظلمة التي تمنع مِن التقرب نحو الخالق عزَّ وجلّ... إِنَّ أفضل دليل لإِثبات هذه الحقيقة هي مقايسة وضع العرب في الجاهلية مع وضع الذين تربوا في مدرسة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مطلع الإِسلام. إِنَّ المقايسة بين الوضعين ترينا كيف أنَّ أُولئك القوم المتعطشون للدماء، والمصابون بأنواع الأمراض الاجتماعية والأخلاقية، قد تمّ شفاؤهم ممّا هم فيه بالهداية القرآنية، وأصبحوا برحمة كتاب الله مِن القوّة والعظمة بحيث أنَّ القوى السياسية المستكبرة آنذاك خضعت لهم أعنّتها، وذلت لهم رقابها... القرآن لا يشفي من الأمراض وحسب، بل إِنّهُ يساعد المرضى على تجاوز دور النقاهة إلى مرحلة القوّة والنشاط والانطلاق، حيثُ تكون (الرحمة) مرحلة لاحقة لمرحلة (الشفاء)... الظريف في الأمر أنَّ الأدوية التي تستخدم لشفاء الإِنسان لها نتائج وتأثيرات عرضية حتمية لا يمكن توقيها أو الفرار مِنها... أمّا هذا الدواء الشافي، كتاب الله الأعظم، فليست لهُ أي آثار عرضية على الروح والأفكار الإِنسانية، بل على عكس ذلك كله خير وبركة ورحمة...
الأولى : قوله تعالى : " وننزل " قرأ الجمهور بالنون . وقرأ مجاهد " وينزل " بالياء خفيفة{[10359]} ، ورواها المروزي عن حفص . و " من " لابتداء الغاية ، ويصح أن تكون لبيان الجنس ، كأنه قال : وننزل ما فيه شفاء من القرآن . وفي الخبر ( من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله ) . وأنكر بعض المتأولين أن تكون " من " للتبعيض ؛ لأنه يحفظ من أن يلزمه أن بعضه لا شفاء فيه . ابن عطية : وليس يلزمه هذا ، بل يصح أن تكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو مبعض ، فكأنه قال : وننزل من القرآن شيئا شفاء ، ما فيه كله شفاء . وقيل : شفاء في الفرائض والأحكام لما فيه من البيان .
الثانية : اختلف العلماء في كونه شفاء على قولين : أحدهما : أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب ، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى . الثاني : شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقي والتعوذ ونحوه . وقد روى الأئمة - واللفظ للدارقطني - عن أبي سعيد الخدري قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ثلاثين راكبا قال : فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا ، قال : فلدغ سيد الحي ، فأتونا فقالوا : فيكم أحد يرقي من العقرب ؟ في رواية ابن قتّة : إن الملك يموت . قال : قلت أنا : نعم ، ولكن لا أفعل حتى تعطونا . فقالوا : فإنا نعطيكم ثلاثين شاة . قال : فقرأت عليه " الحمد لله رب العالمين " سبع مرات فبرأ . في رواية سليمان بن قتة عن أبي سعيد : فأفاق وبرأ . فبعث إلينا بالنزل وبعث إلينا بالشاء ، فأكلنا الطعام أنا وأصحابي وأبوا أن يأكلوا من الغنم ، حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال : ( وما يدريك أنها رقية ) قلت : يا رسول الله ، شيء ألقي في روعي . قال : ( كلوا وأطعمونا من الغنم ) خرجه في كتاب السنن .
وخرج في ( كتاب المديح ){[10360]} من حديث السري بن يحيى قال : حدثني المعتمر بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن الحسن عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ينفع بإذن الله تعالى من البرص والجنون والجذام والبطن والسل والحمى والنفس أن تكتب بزعفران أو بمِشق - يعني المغرة - أعوذ بكلمات الله التامة وأسمائه كلها عامة من شر السامة والغامة ومن شر العين اللامة ومن شر حاسد إذا حسد ومن أبي فروة وما ولد ) . كذا قال ، ولم يقل من شر أبي قترة{[10361]} . العين اللامة : التي تصيب بسوء . تقول : أعيذه من كل هامة لامة . وأما قوله : أعيذه من حادثات اللمة فيقول : هو الدهر . ويقال الشدة . والسامة : الخاصة . يقال : كيف السامة والعامة . والسامة السم . ومن أبي فروة وما ولد . وقال : ثلاثة وثلاثون من الملائكة أتوا ربهم عز وجل فقالوا : وصب بأرضنا . فقال : خذوا تربة من أرضكم فامسحوا نواصيكم . أو قال : نواصيكم{[10362]} رقية محمد صلى الله عليه وسلم لا أفلح من كتمها أبدا أو أخذ عليها صَفَدا{[10363]} . ثم تكتب فاتحة الكتاب وأربع آيات من أول " البقرة " ، والآية التي فيها تصريف الرياح وآية الكرسي والآيتين اللتين بعدها ، وخواتيم سورة " البقرة " من موضع " لله ما في السماوات وما في الأرض " [ البقرة : 284 ] إلى آخرها ، وعشرا من أول " آل عمران " وعشرا من آخرها ، وأول آية من " النساء " ، وأول آية من " المائدة " ، وأول آية من " الأنعام " ، وأول آية من " الأعراف " ، والآية التي في " الأعراف " " إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض{[10364]} " [ الأعراف : 54 ] حتى تختم الآية ، والآية التي في " يونس " من موضع " قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين{[10365]} " [ يونس : 81 ] . والآية التي في " طه ] " وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى{[10366]} " [ طه : 69 ] ، وعشرا من أول [ الصافات ] ، و " قل هو الله أحد " [ الإخلاص : 1 ] ، والمعوذتين . تكتب في إناء نظيف ثم تغسل ثلاث مرات بماء نظيف ثم يحثو منه الوجع ثلاث حثوات ثم يتوضأ منه كوضوئه للصلاة ويتوضأ قبل وضوئه للصلاة حتى يكون على طهر قبل أن يتوضأ به ثم يصب على رأسه وصدره وظهره ولا يستنجي به ثم يصلي ركعتين ثم يستشفي الله عز وجل ، يفعل ذلك ثلاثة أيام ، قدر ما يكتب في كل يوم كتابا . في رواية : ومن شر أبي قترة وما ولد . وقال : ( فامسحوا نواصيكم ){[10367]} ولم يشك .
وروى البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها . فسألت{[10368]} الزهري كيف كان ينفث ؟ قال : كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه . وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذتين وتفل أو نفث . قال أبو بكر بن الأنباري : قال اللغويون تفسير " نفث " نفخ نفحا ليس معه ريق . ومعنى " تفل " نفخ نفخا معه ريق . قال الشاعر :
فإن يبرأ فلم أنفِثْ عليه *** وإن يُفْقَدْ فحقَّ له الفُقود
ومن جوف ماءٍ عَرْمَض الحَولِ فوقه *** متى يَحْسُ منه مائحُ القوم يَتْفُلِ{[10369]}
أراد ينفخ بريق . وسيأتي ما للعلماء في النفث في سورة الفلق{[10370]} إن شاء الله تعالى .
الثالثة : روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الرقي إلا بالمعوذات . قال الطبري : وهذا حديث لا يجوز الاحتجاج بمثله في الدين ؛ إذ في نقلته من لا يعرف . ولو كان صحيحا لكان إما غلطا وإما منسوخا ؛ لقوله عليه السلام في الفاتحة ( ما أدراك أنها رقية ) . وإذا جاز الرقي بالمعوذتين وهما سورتان من القرآن كانت الرقية بسائر القرآن مثلهما في الجواز إذ كله قرآن . وروي عنه عليه السلام أنه قال : ( شفاء أمته في ثلاث آية{[10371]} من كتاب الله أو لعقة من عسل أو شرطة من محجم ) . وقال رجاء الغنوي : ومن لم يستشف بالقرآن فلا شفاء له .
الرابعة : واختلف العلماء في النشرة ، وهي أن يكتب شيئا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثم يمسح به المريض أو يسقيه ، فأجازها سعيد بن المسيب . قيل له : الرجل يؤخذ عن امرأته أيُحَلّ عنه ويُنشر ؟ قال : لا بأس به ، وما ينفع لم ينه عنه . ولم ير مجاهد أن تكتب آيات من القران ثم تغسل ثم يسقاه صاحب الفزع . وكانت عائشة تقرأ بالمعوذتين في إناء ثم تأمر أن يصب على المريض . وقال المازري أبو عبد الله : النشرة أمر معروف عند أهل التعزيم ، وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها أي تحل . ومنعها الحسن وإبراهيم النخعي ، قال النخعي : أخاف أن يصيبه بلاء ، وكأنه ذهب إلى أنه ما يجيء{[10372]} به القرآن فهو إلى أن يعقب بلاء أقرب منه إلى أن يفيد شفاء . وقال الحسن : سألت أنسا فقال : ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها من الشيطان . وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال : ( من عمل الشيطان ) . قال ابن عبد البر . وهذه آثار لينة ولها وجوه محتملة ، وقد قيل : إن هذا محمول على ما إذا كانت خارجة عما في كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام ، وعى المداواة المعروفة . والنشرة من جنس الطب فهي غسالة شيء له فضل ، فهي كوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل ) .
قلت : قد ذكرنا النص في النشرة مرفوعا وأن ذلك لا يكون إلا من كتاب الله فليعتمد عليه .
الخامسة : قال مالك : لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله عز وجل على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد معلقها بتعليقها مدافعة العين . وهذا معناه قبل أن ينزل به شيء من العين . وعلى هذا القول جماعة أهل العلم ، لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم أو بني آدم شيء من العلائق خوف نزول العين ، وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله عز وجل وكتابه رجاء الفرج والبرء من الله تعالى ، فهو كالرقى المباح الذي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها . وقد روى عبد الله بن عمرو قال : قال وسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا فزع أحدكم في نومه فليقل : أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وسوء عقابه ومن شر الشياطين وأن يحضرون ) . وكان عبد الله يعلمها ولده من أدرك منهم ، ومن لم يدرك كتبها وعلقها عليه . فإن قيل : فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من علق شيئا وكل إليه ) . ورأى ابن مسعود على أم ولده تميمة مربوطة فجبذها جبذا شديدا فقطعها وقال : إن آل ابن مسعود لأغنياء عن الشرك ، ثم قال : إن التمائم والرقى والتولة من الشرك . قيل : ما التولة ؟ قال : ما تحببت به لزوجها . وروي عن عقبة بن عامر الجهني قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له قلبا ) . قال الخليل بن أحمد : التميمة قلادة فيها عوذ ، والودعة خرز . وقال أبو عمر : التميمة في كلام العرب القلادة ، ومعناه عند أهل العلم ما علق في الأعناق من القلائد خشية العين أو غيرها أن تنزل أو لا تنزل قبل أن تنزل . فلا أتم الله عليه صحته وعافيته ، ومن تعلق ودعة - وهي مثلها في المعنى - فلا ودع الله له ، أي فلا بارك الله له ما هو فيه من العافية . والله أعلم .
وهذا كله تحذير مما كان أهل الجاهلية يصنعونه من تعليق التمائم والقلائد ، ويظنون أنها تقيهم وتصرف عنهم البلاء ، وذلك لا يصرفه إلا الله عز وجل ، وهو المعافي والمبتلي ، لا شريك له . فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم . وعن عائشة قالت : ما تعلق بعد نزول البلاء فليس من التمائم . وقد كره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال قبل نزول البلاء وبعده . والقول الأول أصح في الأثر والنظر إن شاء الله تعالى . وما روي عن ابن مسعود يجوز أن يريد بما كره تعليقه غير القرآن أشياء مأخوذة عن العراقيين والكهان ؛ إذ الاستشفاء بالقرآن معلقا وغير معلق لا يكون شركا ، وقوله عليه السلام : ( من علق شيئا وكل إليه ) فمن علق القرآن ينبغي أن يتولاه الله ولا يكله إلى غيره ؛ لأنه تعالى هو المرغوب إليه والمتوكل عليه في الاستشفاء بالقرآن . وسئل ابن المسيب عن التعويذ أيعلق ؟ قال : إذا كان في قصبة أو رقعة يحرز فلا بأس به . وهذا على أن المكتوب قرآن . وعن الضحاك أنه لم يكن يرى بأسا أن يعلق الرجل الشيء من كتاب الله إذا وضعه عند الجماع وعند الغائط . ورخص أبو جعفر محمد بن علي في التعويذ يعلق على الصبيان . وكان ابن سيرين لا يرى بأسا بالشيء من القرآن يعلقه الإنسان .
السادسة : قوله تعالى : " ورحمة للمؤمنين " تفريج الكروب وتطهير العيوب وتكفير الذنوب مع ما تفضل به تعالى من الثواب في تلاوته ، كما روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف ) . قال هذا حديث حسن صحيح غريب . وقد تقدم . " ولا يزيد الظالمين إلا خسارا " لتكذيبهم . قال قتادة : ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ، ثم قرأ " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين " الآية . ونظير هذه الآية قوله : " قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليه عمى{[10373]} " [ فصلت : 44 ] . وقيل : شفاء في الفرائض والأحكام لما فيه من البيان .