تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{أقم الصلاة لدلوك الشمس}، يعني: إذا زالت الشمس عن بطن السماء، يعني: عند صلاة الأولى والعصر،
{إلى غسق الليل}، يعني: ظلمة الليل إذا ذهب الشفق، يعني: صلاة المغرب والعشاء،
{وقرءان الفجر}، يعني: قرآن صلاة الغداة،
{إن قرءان الفجر كان مشهودا}، تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار، جميع صلاة الخمس في هذه الآية كلها...
يحيى: عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: دلوك الشمس: ميلها...
و {غسق الليل} اجتماع الليل وظلمته...
ابن رشد: قال مالك: {إلى غسق الليل} قال: الغسق غيبوبة الشفق واجتماع الليل وظلمته...
قال مالك: أوقات الصلاة في كتاب الله تعالى قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} يعني: الظهر والعصر، {إلى غسق الليل}، يعني: المغرب والعشاء،
و {وقرءان الفجر}، يعني: صلاة الفجر. (س: 1/188)
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"أقِمِ الصّلاةَ" يا محمد "لِدُلُوكِ الشّمْسِ". واختلف أهل التأويل في الوقت الذي عناه الله بدلوك الشمس؛ فقال بعضهم: هو وقت غروبها، والصلاة التي أمر بإقامتها حينئذٍ: صلاة المغرب... وقال آخرون: دلوك الشمس: ميلها للزوال، والصلاة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامتها عند دلوكها: الظهر...
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بقوله: "أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ": صلاة الظهر، وذلك أن الدلوك في كلام العرب: الميل، يقال منه: دلك فلان إلى كذا: إذا مال إليه... فإذا كان صحيحا ما قلنا بالذي به استشهدنا، فبين إذن أن معنى قوله جلّ ثناؤه: "أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ إلى غَسَقِ اللّيْلِ "أن صلاة الظهر والعصر بحدودهما مما أوجب الله عليك فيهما لأنهما الصلاتان اللتان فرضهما الله على نبيه من وقت دلوك الشمس إلى غسق الليل، وغسق الليل: هو إقباله ودنوّه بظلامه...
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في الصلاة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامتها عنده، فقال بعضهم: الصلاة التي أمر بإقامتها عنده صلاة المغرب...
وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: الصلاة التي أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإقامتها عند غسق الليل، هي صلاة المغرب دون غيرها، لأن غسق الليل هو ما وصفنا من إقبال الليل وظلامه، وذلك لا يكون إلا بعد مغيب الشمس. فأما صلاة العصر، فإنها مما تقام بين ابتداء دلوك الشمس إلى غسق الليل، لا عند غسق الليل. وأما قوله: "وقُرآنَ الفَجْرِ" فإن معناه وأقم قرآن الفجر: أي ما تقرأ به صلاة الفجر من القرآن، والقرآن معطوف على الصلاة في قوله: "أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ".
وكان بعض نحويي البصرة يقول: نصب قوله: "وَقُرآنَ الفَجْرِ" على الإغراء، كأنه قال: وعليك قرآن الفجر، "إنّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودا" يقول: إن ما تقرأ به في صلاة الفجر من القرآن كان مشهودا، يشهده فيما ذكر ملائكة الليل وملائكة النهار...
حدثني عبيد بن أسباط بن محمد القرشي، قال: ثني أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه الآية "وقُرآنَ الفَجْرِ إن قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودا" قال: «تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللّيْلِ وَمَلائِكَةُ النّهارِ»...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{أقم الصلاة} يحتملا الأمر بإقامة الصلاة الأمر بالدوام عليها واللزوم بها، أي ألزم بها، وأدمها، أو اسم التمام والكمال، أي أتمها، وأكملها، بالشرائط التي أُمِرْتَ بها. ويحتمل قوله: {أقم الصلاة} أفعلها...
جهود ابن عبد البر في التفسير 463 هـ :
قال مالك: أوقات الصلاة في كتاب الله تعالى قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} يعني: الظهر والعصر، {إلى غسق الليل}، يعني: المغرب والعشاء، و {وقرءان الفجر، يعني: صلاة الفجر. (س: 1/188).
وقد قال ذلك قبله جماعة من العلماء بتأويل القرآن، منهم: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وغيرهم.
دلوكها: ميلها عند أكثر أهل العلم، ومنهم من قال: دلوكها: غروبها، واللغة محتملة للقولين، والأول أكثر. (س: 1/190)...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
دلكت الشمس: غربت. وقيل: زالت... واشتقاقه من الدلك، لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها، فإن كان الدلوك الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس، وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر. والغسق: الظلمة، وهو وقت صلاة العشاء... {وَقُرْءَانَ الفجر} صلاة الفجر، سميت قرآناً وهو القراءة، لأنها ركن، كما سميت ركوعاً وسجوداً وقنوتاً...
{مَشْهُودًا} يشهده ملائكة الليل والنهار، ينزل هؤلاء، ويصعد هؤلاء؛ فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، أو يشهده الكثير من المصلين في العادة. أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة. ويجوز أن يكون {وَقُرْءَانَ الفجر} حثاً على طول القراءة في صلاة الفجر، لكونها مكثوراً عليها، ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب؛ ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة...
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
... وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ بَيِّنَةً لِيَتَسَاوَى فِي دَرْكِهَا الْعَامِّيُّ وَالْخَاصِّيُّ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ نَصَبَهَا بَيِّنَةً لِلْأَبْصَارِ، ظَاهِرَةً دُونَ اسْتِبْصَارٍ، فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّبَهَا خُفْيَةً؛ فَذَلِكَ عَكْسُ الشَّرِيعَةِ، وَخَلْطُ التَّكْلِيفِ وَتَبْدِيلُ الْأَحْكَامِ...
{إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}: يَعْنِي مَشْهُودًا بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ وَالْكَاتِبِينَ. ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ قَالَ: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي صَلَاةِ الْعَصْرِ. ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ- كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ).
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما قرر أمر أصول الدين بالوحدانية والقدرة على المعاد، وقرر أمرهم أحسن تقرير، واستعطفهم بنعمه، وخوفهم من نقمه، وقرر أنه سبحانه عصمه عليه الصلاة والسلام من فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرته، وأحسن من علانيته وسريرته، صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة، وتهيأ للمراقبة، فبدأ بأشرفها فوصل بذلك قوله تعالى: {أقم} أي حقيقة بالفعل ومجازاً بالعزم عليه {الصلاة} بفعل جميع شرائطها وأركانها ومبادئها وغاياتها، بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها، فإنها لب العبادة بما فيها من خالص المناجاة بالإعراض عن كل غير، وفناء كل سوى، بما أشرق من أنوار الحضرة التي اضمحل لها كل فان، وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أن الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم استفزاز الأولياء، وأدفع الأشياء للضراء، وأجلبها لكل سراء، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة كما تقدم تخريجه في آخر الحجر؛ ثم عين له الأوقات بقوله تعالى: {لدلوك الشمس} أي زوالها واصفرارها وغروبها، قال في القاموس: دلكت الشمس: غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء. فحينئذ في هذه اللفظة دلالة على الظهر والعصر والمغرب من استعمال المشترك في معانيه، أما في الظهر والمغرب فواضح، وأما في العصر فلأن أول وقتها أول أخذ الشمس في الاصفرار، وأدل دليل على ذلك أنه غيّا الإقامة بوقت العشاء فقال تعالى: {إلى} حثاً على نية أن يصلي كلما جاء الوقت ليكون مصلياً دائماً، لأن الإنسان في صلاة ما كان ينتظر الصلاة، فهو بيان لأن وقت المغرب من الدلوك الذي هو الغروب إلى أن يذهب الشفق {غسق الّيل} فالغسق: ظلمة أول الليل، وهو وقت النوم؛ وقال الرازي في اللوامع: وهو استحكام ظلمة الليل، وقال الرماني: ظهور ظلامه؛ ثم عطف عليه بتغيير السياق قوله تعالى: {وقرءان} فكأنه قال: ثم نم وأقم قرآن {الفجر} إشارة إلى الصبح، وقيل: نصب على الإغراء، وكأنه عبر عنها بالقرآن لأنه مع كونه أعظم أركان الصلاة يطول فيها القراءة ما لا يطول في غيرها، ويجهر به فيها دون أختها العصر وتشويقاً بالتعبير به إليها لثقلها بالنوم.
ولما كان القيام من المنام صعباً، علل مرغباً مظهراً غير مضمر لأن المقام مقام تعظيم فقال تعالى: {إن قراءن الفجر كان مشهوداً} يشهده فريقا الملائكة، وهو أهل لأن يشهده كل أحد، لما له من اللذة في السمع، والإطراب للقلب، والإنعاش للروح، فصارت الآية جامعة للصلوات؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {إن قرءان الفجر} -الآية. قالوا: وهذا دليل على وجوب الصلاة بأول الوقت، وأن التغليس بصلاة الفجر أفضل.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
أقم الصلاة ما بين ميل الشمس للغروب وإقبال الليل وظلامه؛ واقرأ قرآن الفجر (إن قرآن الفجر كان مشهودا).. ولهذين الآنين خاصيتهما وهما إدبار النهار وإقبال الليل. وإدبار الليل وإقبال النهار. ولهما وقعهما العميق في النفس، فإن مقدم الليل وزحف الظلام، كمطلع النور وانكشاف الظلمة.. كلاهما يخشع فيه القلب، وكلاهما مجال للتأمل والتفكر في نواميس الكون التي لا تفتر لحظة ولا تختل مرة. وللقرآن -كما للصلاة- إيقاعه في الحس في مطلع الفجر ونداوته، ونسماته الرخية، وهدوئه السارب، وتفتحه بالنور، ونبضه بالحركة، وتنفسه بالحياة.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
كان شَرْع الصلوات الخمس للأمة ليلة الإسراء، كما ثبت في الحديث الصحيح، ولكنه كان غير مثبت في التشريع المتواتر إنما أبلغه النبي أصحابه فيوشك أن لا يعلمه غيرهم ممن يأتي من المسلمين. وأيضاً فقد عينت الآية أوقاتاً للصلوات بعد تقرر فرضها، فلذلك جاءت هذه الآية في هذه السورة التي نزلت عقب حادث الإسراء جمعاً للتشريع الذي شرع للأمة أيامئذٍ المبتدأ بقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} الآيات [الإسراء: 23].
فالجملة استئناف ابتدائي. ومناسبة موقعها عقب ما قبلها أن الله لما امتن على النبي بالعصمة وبالنصر ذكره بشكر النعمة بأن أمره بأعظم عبادة يَعبده بها، وبالزيادة منها طلباً لازدياد النعمة عليه، كما دل عليْه قوله في آخر الآية {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} [الإسراء: 79].
فالخطاب بالأمر للنبيء، ولكن قد تقرر من اصطلاح القرآن أن خطاب النبي بتشريعٍ تدخُل فيه أمته إلا إذا دل دليل على اختصاصه بذلك الحكم، وقد عَلم المسلمون ذلك وشاع بينهم بحيث ما كانوا يسألون عن اختصاص حكم إلا في مقام الاحتمال القوي، كمن سأله: ألنا هذه أمْ للأبد؟ فقال: بل للأبد.
والإقامة: مجاز في المواظبة والإدامة. وقد تقدم عند قوله تعالى: {ويقيمون الصلاة} في أول سورة [البقرة: 3].
واللام في {لدلوك الشمس} لام التوقيت، وهي بمعنى (عند).
والدلوك: من أحوال الشمس، فوَرد بمعنى زوال الشمس عن وسط قوس فَرْضيّ في طريق مسيرها اليومي. وورد بمعنى: مَيل الشمس عن مقدار ثلاثة أرباع القوس وهو وقت العصر، وورد بمعنى غروبها، فصار لفظ الدلوك مشتركاً في المعاني الثلاثة.
والغسق: الظلمة، وهي انقطاع بقايا شعاع الشمس حين يماثل سواد أفق الغروب سواد بقية الأفق وهو وقت غيبوبة الشفق، وذلك وقت العشاء، ويسمى العتمة، أي الظلمة.
وقد جمعت الآية أوقاتاً أربعة، فالدلوك يجمع ثلاثة أوقات باستعمال المشترك في معانيه، والقرينة واضحة. وفهم من حرف (إلى) الذي للانتهاء أن في تلك الأوقات صلوات لأن الغاية كانت لفعل {أقم الصلاة} فالغاية تقتضي تكرر إقامة الصلاة. وليس المراد غاية لصلاة واحدة جعل وقتها متسعاً، لأن هذا فَهْم ينبو عنه ما تدل عليه اللام في قوله: {لدلوك الشمس} من وجوب إقامة الصلاة عند الوقت المذكور لأنه الواجب أو الأكمل. وقد زاد عمل النبي صلى الله عليه وسلم بياناً للآية.
وأما مقدار الاتساع فيعرف من أدلة أخرى وفيه خلاف بين الفقهاء. فكلمة « دلوك» لا تعادلها كلمة أخرى.
وقد ثبت في حديث أبي مسعود الأنصاري في « الموطأ»: أن أول الوقت هو المقصود. وثبت في حديث عطاء بن يسار مرسلاً في « الموطأ» وموصولاً عن أنس بن مالك عند ابن عبد البر وغيره: أن للصبح وقتاً له ابتداء ونهاية.
وهو أيضاً ثابت لكل صلاة بآثار كثيرة عَدا المغرب فقد سكت عنها الأثر. فترددت أنظار الفقهاء فيها بين وقوف عند المروي وبين قياس وقتها على أوقات غيرها، وهذا الثاني أرجح، لأن امتداد وقت الصلاة توسعة على المصلي وهي تناسب تيسير الدين.
وجُعل الغسق نهاية للأوقات، فعلم أن المراد أول الغسق كما هو الشأن المتعارف في الغاية بحرف (إلى) فعلم أن ابتداء الغسق وقت صلاة، وهذا جمع بديع.
ثم عطف {قرآن الفجر} على {الصلاة}. والتقدير: وأقم قرآن الفجر، أي الصلاة به. كذا قدر القراء وجمهور المفسرين ليُعلم أن لكل صلاة من تلك الصلوات قرآناً كقوله: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} [المزمّل: 20]، أي صَلُّوا به نافلة الليل.
وخص ذكر ذلك بصلاة الفجر دون غيرها لأنها يجهر بالقرآن في جميع ركوعها، ولأن سنتها أن يقرأ بسور من طوال المفصل فاستماع القرآن للمأمومين أكثر فيها وقراءته للإمام والفذ أكثر أيضاً.
ويجوز أن يكون عطف {وقرآن الفجر} عطفَ جملة والكلام على الإغراء، والتقدير: والزَمْ قرآنَ الفجر، قاله الزجاج. فيعلم أن قراءة القرآن في كل صلاة حتم.
وهذا مجمل في كيفية الصلوات. ومقادير ما تشتمل عليه من القرآن بينته السنّة المتواترة والعرف في معرفة أوقات النهار والليل.
وجملة {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} استئناف بياني لوجه تخصيص صلاة الصبح باسم القرآن بأن صلاة الفجر مشهودة، أي محضورة. وفُسِّر ذلك بأنها تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار، كما ورد في الحديث: « وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح» وذلك زيادة في فضلها وبركتها. وأيضاً فهي يحضرها أكثر المصلين لأن وقتها وقت النشاط وبعدها ينتظر الناس طلوع الشمس ليخرجوا إلى أعمالهم فيكثر سماع القرآن حينئذٍ.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
بعد سلسلة الآيات التي تحدثت عن التوحيد والشرك وعن مكائد المشركين ومؤامراتهم، تبحث هذه الآيات عن الصلاة والدعاء والارتباط بالله والتي تعتبر عوامل مؤثِّرة في مجاهدة الشرك، ووسيلة لطرد إِغواءات الشيطان مِن قلب وروح الإِنسان، إِذ تقول الآيات في البداية (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إِنَّ قرآن الفجر كانَ مشهوداً).
الأولى : قوله تعالى : " أقم الصلاة لدلوك الشمس " لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيه عليه السلام بالصبر والمحافظة على الصلاة ، وفيها طلب النصر على الأعداء . ومثله " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين{[10337]} " . وتقدم القول في معنى إقامة الصلاة في أول سورة " البقرة " {[10338]} . وهذا الآية بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة . واختلف العلماء في الدلوك على قولين : أحدهما - أنه زوال الشمس عن كبد السماء ، قاله عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم . الثاني - أن الدلوك هو المغرب ، قاله علي وابن مسعود وأبي بن كعب ، وروى عن ابن عباس . قال الماوردي : من جعل الدلوك اسما لغروبها فلأن الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها حالة المغيب ، ومن جعله اسما لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها . وقال أبو عبيد : دلوكها غروبها . ودلكت براح يعني الشمس ، أي غابت وأنشد قطرب :
هذا مُقامُ قدمي رَبَاحِ *** ذَبَّبَ حتى دلكت براح
براح بفتح الباء على وزن حزام وقطام ورقاش اسم من أسماء الشمس{[10339]} . ورواه الفراء بكسر الباء{[10340]} وهو جمع راحة وهي الكف ، أي غابت وهو ينظر إليها وقد جعل كفه على حاجبه . ومنه قوله العجاج :
والشمس قد كادت تكون دَنَفَا *** أدفعها بالراح كي تَزَحْلَفَا
قال ابن الأعرابي : الزحلوفة مكان منحدر أملس ، لأنهم يتزحلفون فيه . قال : والزحلفة كالدحرجة والدفع ، يقال : زحلفته فتزحلف . ويقال : دلكت الشمس إذا غابت . قال ذو الرمة :
مصابيح ليست باللواتي تقودها *** نجومٌ ولا بالآفلات الدوالك
قال ابن عطية : الدلوك هو الميل - في اللغة - فأول الدلوك هو الزوال وآخره هو الغروب . ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا ؛ لأنها في حالة ميل . فذكر الله تعالى الصلوات التي تكون في حالة الدلوك وعنده ، فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب ، ويصح أن تكون المغرب داخلة في غسق الليل . وقد ذهب قوم إلى أن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب ؛ لأنه سبحانه علق وجوبها على الدلوك ، وهذا دلوك كله ، قاله الأوزاعي وأبو حنيفة في تفصيل . وأشار إليه مالك والشافعي في حالة الضرورة .
الثانية : قوله تعالى : " إلى غسق الليل " روى مالك عن ابن عباس قال : دلوك الشمس ميلها ، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته . وقال أبو عبيدة : الغسق سواد الليل . قال ابن قيس الرقيات :
إن هذا الليل قد غَسَقَا *** واشتكيتُ الهمَّ والأَرَقَا
وقد قيل : غسق الليل مغيب الشفق . وقيل : إقبال ظلمته . قال زهير :
ظلّت تجود يداها وهي لاهية *** حتى إذا جنح الإظلام والغسق
يقال : غسق الليل غسوقا . والغسق اسم بفتح السين . وأصل الكلمة من السيلان ، يقال : غسقت العين إذا سالت ، تغسق . وغسق الجرح غسقانا ، أي سال منه ماء أصفر . وأغسق المؤذن ، أي أخر المغرب إلى غسق الليل . وحكى الفراء : غسق الليل وأغسق ، وظلم أظلم ، ودجا وأدجى ، وغبس وأغبس ، وغبش وأغبش . وكان الربيع بن خثيم{[10341]} يقول لمؤذنه في يوم غيم : أغسق أغسق . يقول : أخر المغرب حتى يغسق الليل ، وهو إظلامه .
الثالثة : اختلف العلماء في آخر وقت المغرب ، فقيل : وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تحجب الشمس ، وذلك بين في إمامة جبريل ، فإنه صلاها باليومين لوقت واحد وذلك غروب الشمس ، وهو الظاهر من مذهب مالك عند أصحابه . وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه أيضا وبه قال الثوري . وقال مالك في الموطأ : فإذا غاب الشفق فقد خرجت من وقت المغرب ودخل وقت العشاء . وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود ؛ لأن وقت الغروب إلى الشفق غسق كله . ولحديث أبي موسى ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالسائل المغرب في اليوم الثاني فأخر حتى كان سقوط الشفق . خرجه مسلم . قالوا : وهذا أولى من أخبار إمامة جبريل ؛ لأنه متأخر بالمدنية وإمامة جبريل بمكة ، والمتأخر أولى من فعله وأمره ؛ لأنه ناسخ لما قبله . وزعم ابن العربي أن هذا القول هو المشهور من مذهب مالك ، وقوله في موطئه الذي أقرأه طول عمره وأملاه في حياته . والنكتة في هذا أن الأحكام المتعلقة بالأسماء هل تتعلق بأوائلها أو بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها ؟ والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها لئلا يكون ذكرها لغوا فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظر في تعلقه بالكل إلى الآخر .
قلت : القول بالتوسعة أرجح . وقد خرج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي الزبير عن جابر قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قريبا من غروب الشمس فلم يصل المغرب حتى أتى سَرِف ، وذلك تسعة أميال . وأما القول بالنسخ فليس بالبين وإن كان التاريخ معلوما ، فإن الجمع ممكن . قال علماؤنا : تحمل أحاديث جبريل على الأفضلية في وقت المغرب ؛ ولذلك اتفقت الأمة فيها على تعجيلها والمبادرة إليها في حين غروب الشمس . قال ابن خويز منداد : ولا نعلم أحدا من المسلمين تأخر بإقامة المغرب في مسجد جماعة عن وقت غروب الشمس . وأحاديث التوسعة تبين وقت الجواز ، فيرتفع التعارض ويصح الجمع ، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصوليين ؛ لأن فيه إعمال كل واحد من الدليلين ، والقول بالنسخ أو الترجيح فيه إسقاط أحدهما . والله أعلم .
الرابعة : قوله تعالى : " وقرآن الفجر " انتصب " قرآن " من وجهين : أحدهما أن يكون معطوفا على الصلاة ، المعنى : وأقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح ، قاله الفراء . وقال أهل البصرة . انتصب على الإغراء ، أي فعليك بقرآن الفجر ، قاله الزجاج . وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات ؛ لأن القرآن هو أعظمها ، إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور ، عن الزجاج أيضا .
قلت : وقد استقر عمل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدرا لا يضر بمن خلفه - يقرأ فيها بطوال المفصل ، ويليها في ذلك الظهر والجمعة - وتخفيف القراءة في المغرب وتوسطها في العصر والعشاء . وقد قيل في العصر : إنها تخفف كالمغرب . وأما ما ورد في صحيح مسلم وغيره من الإطالة فيما استقر فيه التقصير ، أو من التقصير فيما استقرت فيه الإطالة ، كقراءته في الفجر المعوذتين - كما رواه النسائي - وكقراءة الأعراف والمرسلات والطور في المغرب ، فمتروك بالعمل . ولإنكاره على معاذ التطويل ، حين أم قومه في العشاء فافتتح سورة البقرة . خرجه الصحيح . وبأمره الأئمة بالتخفيف فقال : ( أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أمّ الناس فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والمريض والسقيم والضعيف وذا الحاجة ) . وقال : ( فإذا صلى أحدكم وحده فليطول ما شاء ) . كله مسطور في صحيح الحديث .
الخامسة : قوله تعالى : " وقرآن الفجر " دليل على أن لا صلاة إلا بقراءة ؛ لأنه سمى الصلاة قرآنا . وقد اختلف العلماء في القراءة في الصلاة فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للإمام والفذّ في كل ركعة . وهو مشهور قول مالك . وعنه أيضا أنها واجبة في جل الصلاة . وهو قول إسحاق . وعنه أيضا تجب في ركعة واحدة ، قاله المغيرة وسحنون . وعنه أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة . وهو أشذ الروايات عنه . وحكي عن مالك أيضا أنها تجب في نصف الصلاة ، وإليه ذهب الأوزاعي . وعن الأوزاعي أيضا وأيوب أنها تجب على الإمام والفذ والمأموم على كل حال . وهو أحد قولي الشافعي . وقد مضى في " الفاتحة{[10342]} " مستوفى .
السادسة : قوله تعالى : " كان مشهودا " روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " قال : ( تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ) هذا حديث حسن صحيح . ورواه علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح ) . يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " . ولهذا المعنى أيضا قال مالك والشافعي : التغليس بالصبح أفضل . وقال أبو حنيفة : الأفضل الجمع بين التغليس والإسفار ، فإن فاته ذلك فالإسفار أولى من التغليس . وهذا مخالف لما كان عليه السلام يفعله من المداومة على التغليس ، وأيضا فإن فيه تفويت شهود ملائكة الليل . والله أعلم .
السابعة : استدل بعض العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم : ( تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ) على أن صلاة الصبح ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار .
قلت : وعلى هذا فلا تكون صلاة العصر أيضا لا من صلاة الليل ولا من صلاة النهار ، فإن في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم الفصيح عليه السلام فيما رواه أبو هريرة : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ) الحديث . ومعلوم أن صلاة العصر من النهار فكذلك تكون صلاة الفجر من الليل وليس كذلك ، وإنما هي من النهار كالعصر بدليل الصيام والإيمان ، وهذا واضح .