جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وواعدنا موسى لمناجاتنا ثلاثين ليلة..."وأتمَمْناها بِعَشْرٍ" يقول: وأتممنا الثلاثين الليلة بعشر ليال تتمة أربعين ليلة... وأما قوله: "فَتَمّ مِيقاتُ رَبّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً" فإنه يعني: فكمل الوقت الذي واعد الله موسى أربعين ليلة وبلغها. "وَقالَ مُوسَى لأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمي وأصْلِحْ وَلا تَتّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ" يقول تعالى ذكره: لما مضى لموعد ربه، قال لأخيه هارون: "اخْلُفْنِي فِي قَوْمي" يقول: كن خليفتي فيهم إلى أن أرجع...
"وأَصْلِحْ" يقول: وأصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله وعبادته. وقوله: "وَلا تَتّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ" يقول: ولا تسلك طريق الذين يفسدون في الأرض بمعصيتهم ربهم، ومعونتهم أهل المعاصي على عصيانهم ربهم، ولكن اسلك سبيل المطيعين ربهم. فكانت مواعدة الله موسى عليه السلام بعد أن أهلك فرعون ونجى منه بني إسرائيل فيما قال أهل العلم...
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
قوله تعالى:"وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح" المعنى: وقال موسى حين أراد المضي للمناجاة والمغيب فيها لأخيه هارون: كن خليفتي، فدل على النيابة. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي حين خلفه في بعض مغازيه: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). "وأصلح "أمر بالإصلاح. قال ابن جريج: كان من الإصلاح أن يزجر السامري ويغير عليه. وقيل: أي ارفق بهم، وأصلح أمرهم، وأصلح نفسك؛ أي كن مصلحا...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
يقول تعالى ممتنا على بني إسرائيل، بما حصل لهم من الهداية، بتكليمه موسى، عليه السلام، وإعطائه التوراة، وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم، فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة. فلما تم الميقات عزم موسى على الذهاب إلى الطور، كما قال تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ} الآية [طه: 80]، فحينئذ استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، وأوصاه بالإصلاح وعدم الإفساد. وهذا تنبيه وتذكير، وإلا فهارون، عليه السلام، نبي شريف كريم على الله، له وجاهة وجلالة، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر الأنبياء.
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية على أنه استخلف هرون عند خروجه، لما رأى أنهم أشد طاعة له، وأكثر قبولا منه، ومخاطبات موسى عليه السلام لهرون وجوابه له كقوله: {أفعصيتَ أمري} وقول هرون {ولا تأخذ بلحيتي} {فلا تُشْمِتْ بي الأعداء} كل ذلك كالدال على أن موسى كان يختص بنوع من الولاية، وإن اشتركا في النبوة. والظاهر أنه استخلفه على أن يرجع، لأنه المعقول من الاستخلاف عند الغيبة. وتدل على أنه يجوز أن ينهاه عن شيء يعلم أنه لا يفعله، ويأمره بما يعلم أنه سيفعله، عظة له، واعتبارا لغيره، وتأكيدا ومصلحة للجميع. انتهى.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
هذه الآيات نزلت في بيان بدء وحي الشريعة لموسى عليه السلام وقد بدأ الوحي المطلق إليه في جانب الطور الأيمن من سيناء منصرفه من مدين إلى مصر، وإنما المذكور هنا بدء وحي كتاب التوراة بعد أن أنجى الله قومه بني إسرائيل من العبودية وجعلهم أمة حرة مستقلة قادرة على القيام بما يشرعه الله لها من العبادات وأحكام المعاملات، والأمة المستعبدة للأجنبي لا تقدر على ذلك، ألم تر أن جميع أحكام المعاملات الدنيوية من شريعتنا المطهرة وأكثر أحكام العبادات لم تشرع إلا بعد الهجرة؟ وأن الصلاة التي هي عبادة بدنية لما شرعت في مكة كأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي هو ومن آمن به في البيوت سرا اتقاء أذى المشركين الذين كانوا يمنعونهم من الصلاة في المسجد الحرام وقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم مرة فجاء المشركون بسلا جزور- أي كرش بعير برفثه- فوضعوه عليه وهو ساجد فلم يستطع رفع رأسه حتى جاءت ابنته السيدة فاطمة عليها السلام فألقته عن ظهره؟ وهمَّ أبو جهل مرة أن يجلس عليه وهو ساجد فكفه الله عنه؟
قال تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلة} هذا السياق الذي قبله المبدوء بقوله تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} الآيات. قرأ أبو عمرو ويعقوب (وعدنا) من الوعد والباقون (واعدنا) من المواعدة فقيل إنها هنا بمعنى الوعد وقيل إن فيها معنى صيغة المفاعلة باعتبار أن الله تعالى ضرب لموسى عليه السلام موعدا لمكالمته وإعطائه الألواح المشتملة على أصول الشريعة فقبل ذلك ثم صعد جبل سيناء في أول الموعد وهبط في آخره، وفرق بين الاتفاق على الشيء بين اثنين أو أكثر كالتلاقي في مكان معين أو زمان معين وبين الوعد به من واحد لآخر لا يطلب منه شيء لأجل الوفاء كقولك لآخر سأدعو الله لك في البيت الحرام مثلا – فهذا وعد محض وذاك يحتمل الأمرين باعتبارين كعبارة الآية. والميقات أخص من الوقت فهو الوقت الذي قرر فيه عمل من الأعمال كمواقيت الحج. وفي سورة البقرة {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} [البقرة: 51] وهو إجمال لما فصل هنا من قبل لأن الأعراف مكية والبقرة مدنية فهي متأخرة عنها في النزول والمراد بالليلة ما يشمل الليل والنهار في عرف العرب عند الإطلاق.
روى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير الآية أن موسى قال لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هارون فيكم، فلما وصل موسى إلى ربه زاده الله عشرا فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله – وذكر قصة عجل السامري- وروى الثاني عن أبي العالية في قوله: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة فمكث على الطور أربعين ليلة وأنزل عليه التوراة في الألواح فقربه الرب نجيا وكلمه وسمع صريف القلم، وبلغنا أنه لم يحدث في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور، وفي معنى هذا روايات أخرى صريحة في أن هذا الزمن ضرب لمناجاة موسى ربه في الجبل منقطعا فيه عن بني إسرائيل، وهو الحق الموافق لما ورد في هذه السورة وغيرها من قصة السامري وعبادة العجل في غيبة موسى ومنه قولهم لهارون {لن نبرح عليه عاكفين حتّى يرجع إلينا موسى} [طه: 91] وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه "لما أتى موسى ربه وأراد أن يكلمه بعد الثلاثين يوما وقد صام ليلهن ونهارهن فكره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم فتناول من نبات الأرض فمضغه فقال له ربه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بما كان قال: أي رب، كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح، قال: أو ما علمت يا موسى إن فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك؟ اذهب فصم عشرة أيام ثم ائتني. ففعل موسى الذي أمره "ربه "وهذا الحديث ضعيف السند ومتنه معارض بما أشرنا إليه من آيات قصة السامري ومن الروايات التي بمعناها.
ويستدل الصوفية بهذه الرواية على أيام خلوتهم التي يصومون أيامها الأربعين لا يفطرون إلا على حبات من الزبيب لما ورد في الأحاديث الصحيحة من النهي عن الوصال في الصيام، والأولى أن يستأنس بالروايات الصحيحة للتفرغ لذكر الله ومناجاته بالصلاة أربعين يوما وليلة فيجعل مقصدا لا وسيلة...
وهذا ما ورد في التوراة الحاضرة في المسألة {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتّبع سبيل المفسدين} يعني أن موسى لما أراد الذاهب لميقات ربه استخلف عليهم أخاه الكبير هارون عليهما السلام للحكم بينهم والإصلاح فيهم، إذ كانت الرياسة فيهم لموسى وكان هارون وزيره ونصيره ومساعده كما سأل ربه بقوله: {واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري} [طه: 29- 32] وأوصاه بالإصلاح فيهم وفيما بينهم ونهاه عن اتباع سبيل المفسدين في الأرض.
والإفساد أنواع بعضها جلي وبعضها خفي ومن كل منهما وسيلة ومقصد، فمنها الحرام البين ومنها الذرائع المشتبهات التي يختلف فيها الاجتهاد، ويأخذ التقي فيها بالاحتياط، واتباع سبيل المفسدين يشمل مشاركتهم في أعمالهم، ومساعدتهم عليها، ومعاشرتهم والإقامة معهم في حال اقترافها، ولو بعد العجز عن إرجاعهم عنها، ومن ذلك ما يجوز وقوعه من الأنبياء عليهم السلام فيصح نهيهم عنه تحذيرا من وقوعهم فيه بضرب من الاجتهاد كالذي وقع الاختلاف فيه بين موسى وهارون عليهما السلام في قصة عجل السامري الذي حكاه تعالى عنه في سورة طه بقوله: {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا * ألّا تتّبعن أفعصيت أمري * قال يا ابن أمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إنّي خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} [طه: 92- 94] فالرسالة كانت لموسى بالإصالة ولهارون بالتبع ليكون وزيرا لا رئيسا، وموسى هو الذي أعطى الشريعة (التوراة) وكان هارون مساعدا له على تنفيذها في بني إسرائيل كما كان مساعدا له على تبليغ فرعون الدعوة وإنقاذ بني إسرائيل.
وقد روى الشيخان وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي كرم الله وجهه (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) وذلك أنه استخلفه على المدينة في غزوة تبوك قبل خروجه فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟ فقاله. وفي رواية لأحمد أن عليا رضي الله عنه قال: رضيت رضيت، وإنما قال في النساء والصبيان لأنه لم يتخلف عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك غير النساء والصبيان ومن في حكمهم من ضعيف ومريض إلا من استأذن من المنافقين.
قال القاضي عياض في شرحه لمسلم: هذا الحديث مما تعلقت به الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت حقا لعلي وأنه أوصى له بها. قال: ثم اختلف هؤلاء فكفرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره وزاد بعضهم فكفر عليا لأنه لم يقم بطلب حقه. وهؤلاء أسخف مذهبا وأفسد عقلا من أن يرد عليهم الخ ما قال. وقد ذكرت هذا من قوله لأذكر القارئ بأن هذين الفريقين لم يقولا ما قالا عن اعتقاد بل كانوا من جمعيات المجوس والسبئيين الذين يبغون الفتنة لإبطال الإسلام وإزالة ملك العرب بالشقاق الديني. وأما الاستخلاف فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلف على المدينة بعض الصحابة كلما خرج إلى غزوة ولم يكن يختار أفضلهم لذلك، وفي الحديث من المنقبة لعلي ما هو فوق استخلافه وهو جعله أخا للنبي صلى الله عليه سلم ولا يتضمن ذلك استخلافه بعده صلى الله عليه وسلم لأن هارون مات قبل موسى عليهما السلام قطعا.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} وهم الذين يعملون بالمعاصي.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(وقال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين).. ذلك وموسى يعلم أن هارون نبي مرسل من ربه معه. ولكن المسلم للمسلم ناصح. والنصيحة حق وواجب للمسلم على المسلم.. ثم إن موسى يقدر ثقل التبعة، وهو يعرف طبيعة قومه بني إسرائيل!.. وقد تلقى هارون النصيحة. لم تثقل على نفسه! فالنصيحة إنما تثقل على نفوس الأشرار لأنها تقيدهم بما يريدون أن ينطلقوا منه؛ وتثقل على نفوس المتكبرين الصغار، الذين يحسون في النصيحة تنقصاً لأقدارهم!.. إن الصغير هو الذي يبعد عنه يدك التي تمتد لتسانده؛ ليظهر أنه كبير!!!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
... وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ مُدَّةَ الْمُنَاجَاةِ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً تَيْسِيرًا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَاهَا وَزَادَتْ نَفْسُهُ الزَّكِيَّةُ تَعَلُّقًا وَرَغْبَةً فِي مُنَاجَاةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ، زَادَهُ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْفَضْلِ عَشْرَ لَيَالٍ، فَصَارَتْ مُدَّةُ الْمُنَاجَاةِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ قِصَّةً فِي سَبَبِ زِيَادَةِ عَشْرِ لَيَالٍ، لَمْ تَصِحَّ، وَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً: إِمَّا لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ أَقْصَى مَا تَحْتَمِلُهُ قُوَّتُهُ الْبَشَرِيَّةُ فَبَاعَدَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْ تَعْرِضَ لَهُ السَّآمَةُ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَذَلِكَ يُجَنَّبُ عَنْهُ الْمُتَّقُونَ بَلهَ الْأَنْبِيَاءُ، وَقَدْ قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِمَّا لِأَنَّ زِيَادَةَ مَغِيبِهِ عَنْ قَوْمِهِ تُفْضِي إِلَى إِضْرَارٍ، كَمَا قِيلَ: إِنَّهُمْ عَبَدُوا الْعِجْلَ فِي الْعَشْرِ اللَّيَالِي الْأَخِيرَةِ مِنَ الْأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَسُمِّيَتْ زِيَادَةُ اللَّيَالِي الْعَشْرِ إِتْمَامًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ تَكُونَ مُنَاجَاةُ مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلَكِنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِهَا أَمَرَهُ بِهَا مُفَرَّقَةً، إِمَّا لِحِكْمَةِ الِاسْتِينَاسِ، وَإِمَّا لِتَكُونَ تِلْكَ الْعَشْرُ عِبَادَةً أُخْرَى فَيَتَكَرَّرَ الثَّوَابُ، وَالْمُرَادُ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا فَاقْتُصِرَ عَلَى اللَّيَالِي لِأَنَّ الْمُوَاعَدَةَ كَانَتْ لِأَجْلِ الِانْقِطَاعِ لِلْعِبَادَةِ وَتَلَقِّي الْمُنَاجَاةِ. وَالنَّفْسُ فِي اللَّيْلِ أَكْثَرُ تَجَرُّدًا لِلْكَمَالَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الْمَلَكِيَّةِ، مِنْهَا فِي النَّهَارِ، إِذْ قَدِ اعْتَادَتِ النُّفُوسُ بِحَسَبِ أصل التكوين الاستيناس بِنُورِ الشَّمْسِ وَالنَّشَاطَ بِهِ لِلشُّغْلِ، فَلَا يُفَارِقُهَا فِي النَّهَارِ الِاشْتِغَالُ بِالدُّنْيَا وَلَوْ بِالتَّفَكُّرِ وَبِمُشَاهَدَةِ الْمَوْجُودَاتِ، وَذَلِكَ يَنْحَطُّ فِي اللَّيْلِ وَالظُّلْمَةِ، وَتَنْعَكِسُ تَفَكُّرَاتُ النَّفْسِ إِلَى دَاخِلِهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ تَزَلِ الشَّرِيعَةُ تُحَرِّضُ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ وَعَلَى الِابْتِهَالِ فِيهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ:"تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السَّجْدَة: 16] الْآيَةَ، وَقَالَ:" وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ"، وَفِي الْحَدِيثِ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ، هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ»، وَلَمْ يَزَلِ الشُّغْلُ فِي السَّهَرِ مِنْ شِعَارِ الْحُكَمَاءِ وَالْمُرْتَاضِينَ لِأَنَّ السَّهَرَ يُلَطِّفُ سُلْطَانَ الْقُوَّةِ الْحَيَوَانِيَّةِ كَمَا يُلَطِّفُهَا الصَّوْمُ...
وَالتَّمَامُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: "فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ "مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى النَّمَاءِ وَالتَّفَوُّقِ فَكَانَ مِيقَاتًا أَكْمَلَ وَأَفْضَلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الْأَنْعَام: 154] إِلَى قَوْله: "وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي "[الْمَائِدَة: 3] إِشَارَةً إِلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْعَشْرِ كَانَتْ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ تَكُون مُدَّةُ الثَلَاثِينَ بِدُونِهَا غَيْرَ بَالِغَةٍ أَقْصَى الْكَمَالِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْمُنَاجَاةَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلَكِنَّهُ أَبْرَزَ الْأَمْرَ لِمُوسَى مَفْرِقًا وَتَيْسِيرًا عَلَيْهِ، لِيَكُونَ إِقْبَالُهُ عَلَى إِتْمَامِ الْأَرْبَعِينَ بِاشْتِيَاقٍ وَقُوَّةٍ.
وَالْمِيقَاتُ قِيلَ: مُرَادِفٌ لِلْوَقْتِ، وَقِيلَ هُوَ وَقْتٌ قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [189]. وَإِضَافَتُهُ إِلَى رَبِّهِ لِلتَّشْرِيفِ، وَلِلتَّعْرِيضِ بِتَحْمِيقِ بَعْضِ قَوْمِهِ حِينَ تَأَخَّرَ مَغِيبُ مُوسَى عَنْهُمْ فِي الْمُنَاجَاةِ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ، فَزَعَمُوا أَنَّ مُوسَى هَلَكَ فِي الْجَبَلِ كَمَا رَوَاهُ ابْن جريج، وَيَشْهَدُ لِبَعْضِهِ كَلَامُ التَّوْرَاةِ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي وَالثَلَاثِينَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ.
"وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ."
أَيْ: قَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى الصُّعُودِ إِلَى الْجَبَلِ لِلْمُنَاجَاةِ...
وَمَعْنَى اخْلُفْنِي كُنْ خَلَفًا عَنِّي وَخَلِيفَةً، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى عَمَلَ غَيْرِهِ عِنْدَ فَقْدِهِ فَتَنْتَهِي تِلْكَ الْخِلَافَةُ عِنْدِ حُضُورِ الْمُسْتَخْلِفِ، فَالْخِلَافَةُ وَكَالَةٌ، وَفِعْلُ خَلَفَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَلْفِ- بِسُكُونِ اللَّامِ- وَهُوَ ضِدُّ الْأَمَامِ، لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ يَقُومُ بِعَمَلِ مَنْ خَلَفَهُ عِنْدَ مَغِيبِهِ، وَالْغَائِبُ يَجْعَلُ مَكَانَهُ وَرَاءَهُ.
وَقَدْ جَمَعَ لَهُ فِي وَصِيَّتِهِ مِلَاكَ السِّيَاسَةِ بِقَوْلِهِ: "وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ" فَإِنَّ سِيَاسَةَ الْأُمَّةِ تَدُورُ حَوْلَ مِحْوَرِ الْإِصْلَاحِ، وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ صَالِحًا، فَجَمِيعُ تَصَرُّفَاتِ الْأُمَّةِ وَأَحْوَالِهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْأَعْمَالُ عَائِدَةً بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ لِفَاعِلِهَا وَلِغَيْرِهِ، فَإِنْ عَادَتْ بِالصَّلَاحِ عَلَيْهِ وَبِضِدِّهِ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ تُعْتَبَرْ صَلَاحًا، وَلَا تلبث أَن تؤول فَسَادًا عَلَى مَنْ لَاحَتْ عِنْدَهُ صَلَاحًا، ثُمَّ إِذَا تَرَدَّدَ فِعْلٌ بَيْنَ كَوْنِهِ خَيْرًا مِنْ جِهَةٍ وَشَرًّا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَجَبَ اعْتِبَارُ أَقْوَى حَالَتَيْهِ فَاعْتُبِرَ بِهَا إِنْ تَعَذَّرَ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَوْفَرُ صَلَاحًا، وَإِنِ اسْتَوَى جِهَتَاهُ أُلْغِيَ إِنْ أَمْكَنَ إِلْغَاؤُهُ وَإِلَّا تَخَيَّرَ، وَهَذَا أَمْرٌ لِهَارُونَ جَامِعٌ لِمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ مِنْ أَعْمَالِهِ فِي سِيَاسَةِ الْأُمَّةِ.
وَقَوْلُهُ: "وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ" تَحْذِيرٌ مِنَ الْفَسَادِ بِأَبْلَغِ صِيغَةٍ لِأَنَّهَا جَامِعَةٌ بَيْنَ نَهْيٍ- وَالنَّهْيُ عَنْ فِعْلٍ تَنْصَرِفُ صِيغَتُهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ إِلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ- وَبَيْنَ تَعْلِيقِ النَّهْي بِاتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُفْسِدِينَ.
وَالْإِتْبَاعُ أَصْلُهُ الْمَشْيُ عَلَى حِلْفِ مَاشٍ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْمُشَارَكَةِ فِي عَمَلِ الْمُفْسِدِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ مُسْتَعَارٌ لِلْعَمَلِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْفَسَادِ وَالْمُفْسِدُ مَنْ كَانَ الْفَسَادُ صِفَتَهُ، فَلَمَّا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الْمُفْسِدِينَ كَانَ تَحْذِيرًا مِنْ كُلِّ مَا يُسْتَرْوَحُ مِنْهُ مَآلٌ إِلَى فَسَادٍ، لِأَنَّ الْمُفْسِدِينَ قَدْ يَعْمَلُونَ عَمَلًا لَا فَسَادَ فِيهِ، فَنُهِيَ عَنِ الْمُشَارَكَةِ فِي عَمَلِ مَنْ عُرِفَ بِالْفَسَادِ، لِأَنَّ صُدُورَهُ عَنِ الْمَعْرُوفِ بِالْفَسَادِ، كَافٍ فِي تَوَقُّعِ إِفْضَائِهِ إِلَى فَسَادٍ. فَفِي هَذَا النَّهْيِ سَدُّ ذَرِيعَةِ الْفَسَادِ، وَسَدُّ ذَرَائِعِ الْفَسَادِ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ عُنِيَ بِهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَكَرَّرَهَا فِي كِتَابِهِ وَاشْتُهِرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي أُصُولِ مَذْهَبِهِ. فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ" جَامِعًا لِلنَّهْيِ عَنْ ثَلَاثِ مَرَاتِبَ مِنْ مَرَاتِبِ الْإِفْضَاءِ إِلَى الْفَسَادِ وَهُوَ الْعَمَلُ الْمَعْرُوفُ بِالِانْتِسَابِ إِلَى الْمُفْسِدِ، وَعَمَلُ الْمُفْسِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا اعْتَادَهُ، وَتَجَنُّبُ الِاقْتِرَابِ مِنَ الْمُفْسِدِ وَمُخَالَطَتِهِ.
وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُوسَى، أَوْ أَعْلَمَهُ، مَا يَقْتَضِي أَنَّ فِي رَعِيَّةِ هَارُونَ مُفْسِدِينَ، وَأَنَّهُ يُوشِكُ إِنْ سَلَكُوا سَبِيلَ الْفَسَادِ أَنْ يُسَايِرَهُمْ عَلَيْهِ لِمَا يَعْلَمُ فِي نَفْسِ هَارُونَ مِنَ اللِّينِ فِي سياسته، وَالِاحْتِيَاط مِنْ حُدُوثِ الْعِصْيَانِ فِي قَوْمِهِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي [الْأَعْرَاف: 150] وَقَوله: "إنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ" [طه: 94]...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
قال موسى لأخيه هارون {اخلفني في قومي}، أي كن خليفتي في قومي، ترعاهم وتصلح أمرهم؛ ولذا قال في تحقيق الخلافة: {وأصلح} أقم فيهم الحق، والعدل والإصلاح بينهم، فاحفظ وحدتهم وحارب دعاة التفرق؛ ولذا قال له: {ولا تتبع سبيل المفسدين}، أي تجنب أن تساير المفسدين، بل اقطع عليهم الطريق، ولا تمكنهم من فسادهم، وكأنه بفطنة النبوة أدرك أنهم سيحدثون أحداثا من بعده – كما سيجيئ – باتخاذهم العجل، وإن لم يكن قد توقع ذلك بالذات، ولكن توقع غيره وسبل الشيطان مثارات مختلفة.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
ولعل السر في ضرب هذا الأجل، واستغراقه لهذه المدة التي ليست بقصيرة، هو تمكين موسى من التفرغ عن جميع الشواغل، التي تستغرق نشاطه ليل نهار، ولا سيما الشواغل الجديدة التي طرأت عليه منذ جواز بني إسرائيل معه، وإفلاتهم من قبضة فرعون وملإه
ونستفيد من الآية سنة الاستخلاف الواردة في نفس السياق، فقد سنها موسى عندما استخلف أخاه هارون عنه أثناء غيبته، فبقيت سنة متبعة من بعده، وبرزت أثناء عهد الرسالة المحمدية، في عدة مناسبات، منها مناسبة غزوة تبوك، حيث فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة على رأس جيش قوامه ثلاثون ألف مسلم معهم عشرة آلاف من الخيل، وترك على المدينة خليفة من قبله محمد ابن مسلمة الأنصاري، كما حققه الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه "زاد المعاد".
فاستخلاف موسى لهارون ليس تكليفا لهارون بامتداد إرسال الله لموسى وهارون، فأسلوب تقديم موسى وهارون أنفسهما لفرعون جاء بضمير التثنية التي تجمع بين موسى وهارون: {إنا رسولا ربك} (من الآية 47 سورة طه): لأن كلا منهما رسول، وقوله الحق: {وقال موسى لأخيه هارون} فيه التحنن، أي أنني لي بك صلة قبل أن تكون شريكا لي في الرسالة فأنا أخ لك وأنت أخ لي، ومن حقي عليك أن تسمع كلامي وتخلفني. فالأخوة مقرونة بأنك شريك معي في الرسالة، إذن نجد أن موسى قد قدم حيثية الأخوة، والمشاركة في الرسالة. وأكد موسى عليه السلام بكلمة "قومي "أنهم أعزاء عليه، ولا يريد بهم إلا الخير الذي يريده لنفسه، فإذا جاءكم بأمر فاعلموا أنه لصالحكم، وإذا نهاكم نهيا فاعلموا أن موسى هو أول من يطبقه على نفسه.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} فلا بدّ لهم من أن يعيشوا مع القيادة الروحية، التي تبقي لهم الجو الروحي الذي يربطهم بالله، ويذكرهم بخط الإيمان، ويهيّئ جوّهم العقلي والروحي لاستقبال الكتاب الإلهي في المرحلة الجديدة، لأن ابتعادهم عن القيادة قد يبعدهم عن الأجواء الإيمانية، ويُسلِّمهم إلى الذكريات المنحرفة، ويدفعهم إلى العودة إلى رواسب ذلك التاريخ من خلال عقليّة الشّرك المنفتح على الذلّ والعبودية في شخصياتهم المسحوقة تحت وطأة الاستعباد، فربّما يحتاج هؤلاء إلى الرعاية الدائمة من أجل إكمال عملية البناء الجديد للشخصية، بعيداً عن كل مؤثرات الشخصية القديمة. وهكذا أراد موسى لأخيه هارون أن يخلفه في قومه، ووضع له الخطّ العريض خط الرسالات في إدارة شؤون الإنسان والحياة {وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}. إنه خط الإصلاح في مضمونه الفكري، وفي طريقة تنفيذه، وفي إدارة حركة العلاقات فيما بين الناس من خلافات ومنازعات وما يتعرضون له من تعقيدات الواقع. هذا في الجانب الإيجابي للخطّ، أمّا في الجانب السلبي منه، فهو الامتناع عن اتّباع سبيل المفسدين في إثارة المشاكل، وتعقيد العلاقات، وضعف الإدارة، واهتزاز الإرادة، وتوجيه الأوضاع في اتجاه الأنانيات والذاتيات والعصبيات...
الأولى - قوله تعالى : " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة " ذكر أن مما كرم الله{[7332]} به موسى صلى الله عليه وسلم هذا فكان وعده المناجاة إكراما له . " وأتممناها بعشر " قال ابن عباس ومجاهد ومسروق رضي الله عنهم : هي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة . أمره أن يصوم الشهر وينفرد فيه بالعبادة ، فلما صامه أنكر خلوف فمه فاستاك . قيل : بعود خرنوب ، فقالت الملائكة : إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك . فزيد عليه عشر ليال من ذي الحجة . وقيل : إن الله تعالى أوحى إليه لما استاك : ( يا موسى لا أكلمك حتى يعود فوك إلى ما كان عليه قبل ، أما علمت أن رائحة الصائم أحب إلي من ريح المسك ) . وأمره بصيام عشرة أيام . وكان كلام الله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم{[7333]} غداة النحر حين فدى إسماعيل من الذبح ، وأكمل لمحمد صلى الله عليه وسلم الحج . وحذفت الهاء من عشر لأن المعدود مؤنث . والفائدة في قوله : " فتم ميقات ربه أربعين ليلة " وقد علم أن ثلاثين وعشرة أربعون ، لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها ، فبين أن العشر سوى الثلاثين . فإن قيل : فقد قال في البقرة أربعين وقال هنا ثلاثين ، فيكون ذلك من البداء . قيل : ليس كذلك ، فقد قال : " وأتممناها بعشر " والأربعون ، والثلاثون والعشرة قول واحد ليس بمختلف . وإنما قال القولين على تفصيل وتأليف ، قال أربعين في قول مؤلف ، وقال ثلاثين ، يعني شهرا متتابعا وعشرا . وكل ذلك أربعون ، كما قال الشاعر :
يعني أربع عشرة ، ليلة البدر . وهذا جائز في كلام العرب .
الثانية - قال علماؤنا : دلت هذه الآية على أن ضرب الأجل للمواعدة سنة ماضية ، ومعنى قديم أسسه الله تعالى في القضايا ، وحكم به للأمم ، وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال . وأول أجل ضربه الله تعالى الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات ، " ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب{[7334]} " [ ق : 38 ] . وقد بينا معناه فيما تقدم في هذه السورة من قوله : " إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام{[7335]} " [ الأعراف : 54 ] . قال ابن العربي : فإذا ضرب الأجل لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجل فجاء الأجل ولم يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة . وقد بين الله تعالى ذلك لموسى عليه السلام فضرب له أجلا ثلاثين ثم زاده عشرا تتمة أربعين . وأبطأ موسى عليه السلام في هذه العشر على قومه ، فما عقلوا جواز التأني والتأخر حتى قالوا : إن موسى ضل أو نسي ، ونكثوا عهده وبدلوا بعده ، وعبدوا إلها غير الله . قال ابن عباس : إن موسى قال لقومه : إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه ، وأخلف فيكم هارون ، فلما فصل{[7336]} موسى إلى ربه زاده الله عشرا ، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله بما فعلوه من عبادة العجل ، على ما يأتي بيانه . ثم الزيادة التي تكون على الأجل تكون مقدرة ، كما أن الأجل مقدر . ولا يكون إلا باجتهاد من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر : من وقت وحال وعمل ، فيكون مثل ثلث المدة السالفة ، كما أجل الله لموسى . فإن رأى الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز ، ولكن لا بد من التربص بعدها لما يطرأ من العذر على البشر ، قال ابن العربي . روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة{[7337]} ) . قلت : وهذا أيضا أصل لإعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى . وكان هذا لطفا بالخلق ، ولينفذ القيام عليهم بالحق . يقال : أعذر في الأمر أي بالغ فيه ، أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده . وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم لتتم حجته عليهم ، " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا{[7338]} " [ الإسراء : 15 ] . وقال " وجاءكم النذير{[7339]} " [ فاطر : 37 ] قيل : هم الرسل . ابن عباس : هو الشيب . فإنه يأتي في سن الاكتهال ، فهو علامة لمفارقة سن الصبا . وجعل الستين غاية الإعذار ؛ لأن الستين قريب من معترك العباد ، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله ، وترقب المنية ولقاء الله ، ففيه إعذار بعد إعذار{[7340]} . الأول بالنبي عليه السلام ، والثاني بالشيب ، وذلك عند كمال الأربعين ، قال الله تعالى : " وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك{[7341]} " [ الأحقاف : 15 ] . فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد أن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها{[7342]} . قال مالك : أدركت أهل العلم ببلدنا ، وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة ، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس .
الثالثة - ودلت الآية أيضا على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام ؛ لقوله تعالى : " ثلاثين ليلة " لأن الليالي أوائل الشهور . وبها كانت الصحابة رضي الله عنهم تخبر عن الأيام ، حتى روي عنها أنها كانت تقول : صمنا خمسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . والعجم تخالف في ذلك ، فتحسب بالأيام ؛ لأن معولها على الشمس . ابن العربي : وحساب الشمس للمنافع ، وحساب القمر للمناسك ؛ ولهذا قال : " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة " . فيقال : أرخت تاريخا ، وورخت توريخا . لغتان .
قوله تعالى : " وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح " المعنى : وقال موسى حين أراد المضي للمناجاة والمغيب فيها لأخيه هارون : كن خليفتي ، فدل على النيابة . وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي حين خلفه في بعض مغازيه : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) . فاستدل بهذا الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة على أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف عليا على جميع الأمة ، حتى كفر الصحابة الإمامية - قبحهم الله - لأنهم عندهم تركوا العمل الذي هو النص على استخلاف علي واستخلفوا غيره بالاجتهاد منهم . ومنهم من كفر عليا إذ لم يقم بطلب حقه . وهؤلاء لا شك في كفرهم وكفر من تبعهم على مقالتهم ، ولم يعلموا أن هذا استخلاف في حياةٍ كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو بموته ، لا يقتضي أنه متماد بعد وفاته ، فينحل على هذا ما تعلق به الإمامية وغيرهم . وقد استخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم وغيره ، ولم يلزم من ذلك استخلافه دائما بالاتفاق . على أنه قد كان هارون شرك مع موسى في أصل الرسالة ، فلا يكون لهم فيه على ما راموه دلالة . والله الموفق للهداية . " وأصلح " أمر بالإصلاح . قال ابن جريج : كان من الإصلاح أن يزجر السامري ويغير عليه . وقيل : أي ارفق بهم ، وأصلح أمرهم ، وأصلح نفسك ؛ أي كن مصلحا . " ولا تتبع سبيل المفسدين " أي لا تسلك سبيل العاصين ، ولا تكن عونا للظالمين .