المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ} (35)

35- إن هذا القَصصَ الصادق ، ماذا يكون موقف المشركين منه ؟ أيقولون افتراه ؟ وإن قالوا ذلك ، فقل - أيها الرسول - إن كنت افتريته على الله كما تزعمون ، فهو جرم عظيم ، علىَّ وحدي إثمه ، وإذا كنت صادقاً ، فأنتم المجرمون وأنا برئ من آثار جرمكم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ} (35)

{ أَمْ يَقُولُونَ } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يعني نوحاً عليه السلام أي بل أيقول قوم نوح أن نوحاً افترى ما جاء به مسنداً إلى الله تعالى عز وجل { قُلْ } يا نوح { إِنِ افتريته } بالفرض البحت .

/ { فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } أي وباله فهو على تقدير مضاف ، أو على التجوز بالسبب عن المسبب ، وفسر الإجرام بكسب الذنب وهو مصدر أجرم ، وجاء على قلة جرم ، ومن ذلك قوله

: طريد عشيرة ورهين ذنب *** بما ( جرمت ) يدي وجنى لساني

وقرىء { إِجْرَامِى } بفتح الهمزة على أنه كما قال النحاس : جمع جرم ، واستشكل العز بن عبد السلام الشرطية بأن الافتراء المفروض هنا ماض والشرط يخلص للاستقال بإجمال أئمة العرب ، وأجاب أن المراد كما قال ابن السراج إن ثبت أني افتريته فعلي إجرامي على ما قيل في قوله تعالى : { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } [ المائدة : 116 ] { وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ } أي من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي ، قيل : والأصل إن افتريته فعلى عقوبة افترائي ولكنه فرض محال وأنا برىء من افترائكم أي نسبتكم إياي إلى الافتراء ، وعدل عنه إدماجاً لكونهم مجرمين ، وأن المسألة معكوسة ، وحملت { مَا } على المصدرية لما في الموصولية من تكلف حذف العائد مع أن ذلك هو المناسب لقوله : { إِجْرَامِى } فيما قبل ، وما يقتضيه كلام ابن عباس من أن الآية من تتمة قصة نوح عليه السلام وفي شأنه هو الظاهر ، وعليه الجمهور ، وعن مقاتل أنها في شأن النبي صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة أي بل أيقول مشركو مكة افترى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر نوح ، قيل : وكأنه إنما جىء به في تضاعيف القصة عند سوق طرف منها تحقيقاً لحقيقتها وتأكيداً لوقوعها وتشويقاً للسامعين إلى استماعها لا سيما وقد قص منها طائفة متعلقة بما جرى بينه عليه السلام وبين قومه من المحاجة ، وبقيت طائفة مستقلة متعلقة بعذابهم ، ولا يخفى أن القول بذلك بعيد وإن وجه بما وجه ، وقال في «الكشف » : إن كونها في شأن النبي صلى الله عليه وسلم أظهر وأنسب من كونها من تتمة قصة نوح عليه السلام لأن { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } كالتكرير لقوله سبحانه : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } دلالة على كمال العناد وأن مثله بعد الإتيان بالقصة على هذا الأسلوب المعجز مما لا ينبغي أن ينسب إلى افتراء فجاء زيادة إنكار على إنكار كأنه قيل : بل أمع هذا البيان أيضاً يقولون { افتراه } وهو نظير اعتراض قوله سبحانه في سورة العنكبوت : { وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ } بين قصة إبراهيم عليه السلام في أحد الوجهين انتهى ، ولا أراه معولاً عليه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ} (35)

وعند هذا الحد من قصة نوح مع قومه ، تنتقل السورة الكريمة انتقالا سريعا بقارئها إلى الحديث عن مشركى مكة ، الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله ، ووقفوا من نبيهم - صلى الله عليه وسلم - موقفا يشبه موقف قوم نوح منه - عليه السلام - فترد عليهم بقوله - تعالى - :

أَمْ { يَقُولُونَ افتراه قُلْ . . . } .

وأم هنا منقطعة بمعنى بل التى للإضراب ، وهو انتقال المتكلم من غرض إلى آخر .

والافتراء : الكذب المتعمد الذى لا توجد أدنى شبهة لقائله .

والإِجرام : اكتساب الجرم وهو الشئ القبيح الذي يستحق فاعله العقاب .

يقال : أجرم فلان وجرم واجترم ، بمعنى اقتراف الذنب الموجب للعقوبة وللمفسرين فى معنى هذه الآية اتجاهان :

الاتجاه الأول يرى أصحابه : أنها معترضة بين أجزاء قصة نوح مع قومه ، وأنها فى شأن مشركى مكة الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله .

وعليه يكون المعنى . لقد سقنا لك يا محمد من أخبار السابقين ما هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل ، ولكن المشركين من قومك لم يعتبروا بذلك ، بل يقولون إنك قد افتريت هذا القرآن ، قل لهم : إن كنت قد افتريته - على سبيل الفرض - فعلى وحدى تقع عقوبة إجرامى وافترائى الكذب ، وأنا برئ من عقوبة إجرامكم وافترائكم الكذب .

أما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن الآية الكريمة ليست معترضة ، وإنما هى من قصة نوح عليه السلام - وعليه يكون المعنى : بل أيقول قوم نوح إن نوحا - عليه السلام - قد افترى واختلق ما جاء به من عند نفسه ثم نسبه إلى الله - تعالى - قل لهم إن كنت قد افتريته فعلى سوء عاقبة إجرامى وكذبى ، وأنا برئ مما تقترفونه من منكرات ، وما تكتبسونه من ذنوب .

ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أرجح ، لأن التعبير عن أفكارهم بيقولون ، وعن الرد عليهم بقل ، الدالين على الحال والاستقبال ، يقوى أن الآية الكريمة فى شأن مشركى مكة .

وقد اقتصر الإِمام ابن جرير على الاتجاه الأول ، ولم يذكر شيئا عن الاتجاه الثانى مما يدل على ترجيحه للاتجاه الأول فقال ما ملخصه : يقول - تعالى - ذكره : " أيقول يا محمد هؤلاء المشركون من قومك : افترى محمد هذا القرآن وهذا الخبر عن نوح ، قل لهم : إن افتريته فتخرصته واختلقته فعلى إثمى فى افترائى ما اقتربت على ربى دونكم . . وأنا برئ مما تذنبون وتأثمون فى حقى وحق ربكم . . . "

وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من مجادلة قوم نوح له ، ومن تطاولهم عليه ، ومن تحديهم لدعوته ، كما حكت لنا رده عليهم بأسلوب حكيم ، جعلهم يعجزون عن مجابهته فماذا كان من شأنه وشأنهم بعد ذلك ؟