بدأت السورة بذكر هزيمة الروم ، ووعد الله المؤمنين أن ينصرهم على الفرس ، ودعت إلى التفكير في خلق الله ، والسير في الأرض ، ليعرفوا عاقبة الكافرين الذين عمروا الأرض أكثر مما عمرها قريش ، وعرضت لحال الناس يوم القيامة ، ونوهت بتسبيح المؤمنين لله وعبادتهم إياه في الغداة والعشي والظهيرة والأصيل . ونبهت إلى دلائل وحدانية الله بتعاقب الليل والنهار واختلاف الألسنة ومظاهر الكون في السماوات والأرض ، وضربت الأمثال التي تدل على بطلان الشرك ، وذكرت الناس بخلق الله لهم ونعمه عليهم ، وقوت دعائم الأسرة وأواصر المجتمع ، وعنيت بالتشريع فحرمت الربا ، وشرعت الزكاة وحثت على البر بالأقربين .
ثم امتن الله سبحانه على عباده ودعاهم إلى التدين والطاعة ، ووجه أنظارهم إلى ما في الكون من عجائب تدل على مبلغ القوة والقدرة ، وبين أطوار الإنسان إلى أن يبلغ أرذل العمر .
وأشارت الآيات الأخيرة إلى يوم القيامة وكفر المشركين به ، وختمت السورة بالنصح للرسول صلى الله عليه وسلم يثبت في الحق ، ويصبر على ما يلقى ، فإن وعد الله آت لا محالة .
1- بدأت السورة بهذه الآية لبيان أن القرآن مؤلف من هذه الحروف التي ينطق بها العرب في سهولة ووضوح ، ولكن المنكرين له عجزوا عن الإتيان بمثله . وهي - كذلك - تُنَبِّه الناس إلى الاستماع والإنصات . وتحملهم على التصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم{[172]} .
هذه السورة مكية كلها . وهي مبدوءة بالإخبار عن الروم بأنهم غالبون في بضع سنين . وذلك نبأ من أنباء الغيب يخبر الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين .
والسورة في جمالها وجلالها وبالغ إيقاعها وتأثيرها ، تفيض بمختلف المعاني والعبر ، والعديد من المشاهد والصور . إلى غير ذلك من المواعظ والحكم والتذكير باليوم الآخر .
وفي السورة من الدلائل والبينات والآيات في الكون والطبيعة ما يحمل العقل على التدبر وإطالة التفكير . وفيها من وصف أحوال الكافرين يوم القيامة مما يغشاهم من الإياس والفزع الداهم ما يثير في النفس الذُعر وينشر في التصور والذهن دوام الذهول . وذلك كشأن الآيات من الكتاب الحكيم التي تصف أحوال الكون والكائنات إذا قامت الساعة .
{ الم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ( 4 ) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 5 ) وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ( 6 ) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ }
نزلت هذه الآيات حين غلب ملك الفرس على بلاد الشام وأقاصي بلاد الروم فاضطر هرقلَ ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية وحاصره فيها مدة طويلة ثم عادت الدولة لهرقل كما كانت من قبل . وفي هذا الصدد روى الإمام أحمد عن ابن عباس – رضي الله عنهما- في قوله تعالى : { الم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ } قال : غُلبت وغَلَبت ، قال : كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ؛ لأنهم أصحاب أوثان . وكان المسلمون يحبون أن تظهر الرم على فارس ؛ لأنهم أهل الكتاب . فذكر ذلك لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما أنهم سيغلبون " فذكره أبو بكر لهم . فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلا ؛ فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا ، فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ألا جعلتها إلى دون – أراه قال : لعشر " والبضع ما دون العشر . ثم ظهرت الروم بعد . فذلك قوله : { الم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } {[3585]} . غَلَب ، مصدر مضاف إلى المفعول . وتقديره : وهم من بعد أن غُلبوا سيغلبون{[3586]}
وفي هذا الإخبار دليل على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الروم غلبتها فارس فأخبر الله نبيه أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين وسوف يفرح المؤمنون حينئذ بنصر الله للروم لأنهم أهل كتاب . وهذا من علم الغيب الذي أخبر الله به مما لم يعلمه الناس وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يراه المشركين على ذلك ، وأن يزيد في الرهان ثم حرّم الرهان بعد ذلك ونسخ بتحريم القمار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.