محاسن التأويل للقاسمي - القاسمي  
{إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (18)

{ إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون 18 } .

{ إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون } قال ابن جرير{[6709]} يقول تعالى ذكره : إن الله أيها الأعراب لا يخفى عليه الصادق منكم من الكاذب ، ومن الداخل منكم في ملة الإسلام رغبة فيه ، ومن الداخل فيه رهبة من الرسول وجنده ، فلا تعلّمونا دينكم وضمائر صدوركم ، فإن الله لا يخفى عليه شيء في خبايا السماوات والأرض .

تنبيهات :

الأول – روى الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس قال : ( جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ! أسلمنا وقاتلتك العرب ، ولم نقاتلك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فقههم قليل ، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم – ونزلت هذه الآية ) - .

وقال ابن زيد : هذه الآيات نزلت في الأعراب . ولا يبعد أن يكون المحدث عنهم/ في آخر السورة من جفاة الأعراب ، غير المعنيّين أولها ، وإنما ضموا إليهم لاشتراكهم معهم في غلظة القول وخشونته . ويتحمل أن يكون النبأ لقبيلة واحدة – والله أعلم- .

الثاني – في قوله تعالى : { بل الله يمن عليكم . . . } الآية ، ملاحظة المنة لله ، والفضل في الهداية ، والقيام بواجب شكرها ، والاعتراف بها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم حنين :{[6710]} ( يا معشر الأنصار ! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألّفكم الله بي . وكنتم عالة فأغناكم الله بي ؟ - كلما قال شيئا ، قالوا : الله ورسوله أمنّ ) .

وما ألطف قول أبي إسحاق الصابي في طليعة كتاب له ، بعد الثناء على الله تعالى :

وبعث إليهم رسلا منهم يهدونهم إلى الصراط المستقيم ، والفوز العظيم ، ويعدلون بهم عن المسلك الذميم ، والمورد الوخيم ، فكان آخرهم في الدنيا عصرا ، وأولهم يوم الدين ذكرا ، وأرجحهم عند الله ميزانا ، وأوضحهم حجة وبرهانا ، وأبعدهم في الفضل غاية ، وأبهرهم معجزة وآية ، محمد صلى الله عليه وسلم تسليما ، الذي اتخذه صفيّا وحبيبا ، وأرسله إلى عباده بشيرا ونذيرا ، على حين ذهاب منهم مع الشيطان ، وصدوف عن الرحمن ، وتقطيع للأرحام ، وسفك للدماء الحرام ، واقتراف للجرائم ، واستحلال للمآثم . أنوفهم في المعاصي حمية ، ونفوسهم في غير ذات الله أبية ، يدعون معه الشركاء ، ويضيفون إليه الأكفاء ، ويعبدون من دونه ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا . فلم يزل صلى الله عليه وسلم يقذف في أسماعهم فضائل الإيمان ، ويقرأ على قلوبهم قوارع القرآن ، ويدعوهم إلى عبادة الله باللطف لمّا كان وحيدا ، وبالعنف لمّا وجد أنصارا وجنودا . لا يرى للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه ، ولا رسما إلا أزاله وعفّاه ، ولا حجة مموّهة إلا كشفها ودحضها ، ولا دعامة مرفوعة إلا حطها ووضعها ، حتى ضرب الحق بجرانه ، وصدع ببيانه ، وسطع بمصباحه ، ونصع بأوضاحه ، واستنبط الله هذه الأمة من حضيض النار ، وعلاّها إلى ذروة الصلحاء والأبرار ، واتصل حبلها بعد البتات ، / والتأم شملها بعد الشتات ، واجتمعت بعد الفرقة ، وتوادعت بعد الفتنة ، فصلى الله عليه صلاة زاكية نامية ، رائحة غادية ، منجزة عدته ، رافعة درجته .

الثالث – قال الرازيّ : هذه السورة فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق . وهي إما مع الله تعالى ، أو مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو مع غيرهما من أبناء الجنس . وهم على صنفين : لأنهم إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين ، وداخلين في رتبة الطاعة ، أو خارجا عنها ، وهو الفاسق . والداخل في طائفتهم ، السالك لطريقتهم ، إما أن يكون حاضرا عندهم ، أو غائبا عنهم ، فهذه خمسة أقسام :

أحدها – يتعلق بجانب الله .

وثانيها – بجانب الرسول .

وثالثها – بجانب الفسّاق .

ورابعها – بالمؤمن الحاضر .

وخامسها – بالمؤمن الغائب .

فذكر الله تعالى في هذه السورة خمسة مرات { يا أيها الذين آمنوا } ، وأرشد في كل مرة إلى مكرمة مع قسم من الأقسام الخمسة .

فقال أولا : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } ، وذكر الرسول كان لبيان طاعة الله ، لأنها لا تعلم إلا بقول رسول الله .

وقال ثانيا : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } لبيان وجوب احترام النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال ثالثا : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ } لبيان وجوب الاحتراز عن الاعتماد على أقوالهم ، فإنهم يريدون إلقاء الفتنة بينكم ، وبيّن ذلك عند تفسير قوله : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } .

/ وقال رابعا : { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم } وقال : { ولا تنابزوا } لبيان وجوب ترك إيذاء المؤمنين في حضورهم ، والإزراء بحالهم ومنصبهم .

وقال خامسا : { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم } وقال : { ولا تجسسوا } وقال : { ولا يغتب بعضكم بعضا } لبيان وجوب الاحتراز عن إهانة جانب المؤمن حال غيبته ، وذكر ما لو كان حاضرا لتأذى . وهو في غاية الحسن من الترتيب .

فإن قيل : لِمَ لم يذكر المؤمن قبل الفاسق لتكون المراتب متدرجة . الابتداء بالله ورسوله ثم بالمؤمن الحاضر ثم بالمؤمن الغائب ثم الفاسق ؟

نقول : قدم الله ما هو الأهم على ما دونه ، فذكر جانب الله ، ثم جانب الرسول ، ثم ذكر ما يفضي إلى الاقتتال بين طوائف المسلمين بسبب الإصغاء إلى كلام الفاسق ، والاعتماد عليه ، فإنه يذكر كل ما كان أشد نفارا للصدور . وأما المؤمن الحاضر أو الغائب فلا يؤذي المؤمن إلى حدّ يفضي إلى القتال . ألا ترى أن الله تعالى ذكر عقيب نبإ الفاسق ، آية الاقتتال فقال : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ؟ انتهى .


[6709]:انظر الصفحة رقم 146 من الجزء السادس والعشرين(طبعة الحلبي الثانية(.
[6710]:أخرجه البخاري في: 64 – كتاب المغازي، 56- باب غزوة الطائف، حديث رقم 1931، عن عبد الله بن زيد بن عاصم.