تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ} (94)

جاثمين : باركين على ركبهم مكبين على وجوههم .

وحين جاء عذابُنا نجَّينا شعيباً ومن آمنَ معه ، وأخذت الظالمين من أهل مدين الصيحةُ المهلكة ، فأصبحوا في ديارهم باركين مكبّين على وجوههم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ} (94)

{ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي عذابنا كما ينبىء عنه قوله سبحانه : { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } [ هود : 93 ] الخ أو وقته فإن الارتقاب يؤذن بذلك { نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا } وهو الإيمان الذي وفقناهم له . أو بمرحمة كائنة منالهم وإنما جىء بالفاء في قصتي ثمود . ولوط حيث قيل : { فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } [ هود : 82 ] وبالواو ههنا وفي قصة عاد حيث قيل : { وَلَمَّا جَاء } [ هود : 66 ] الخ لأنه قد سبق هناك سابقة الوعد بقوله سبحانه : { ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } [ هود : 65 ] وقوله تعالى : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } [ هود : 81 ] وهو يجري مجرى السبب المقتضى لدخول الفاء في معلوله ، وأما ههنا . وفي قصة عاد فلم يسبق مثل ذلك بل ذكر مجىء العذاب على أنه قصة بنفسه وما قبله قصة أخرى لكنهما متعلقان بقوم واحد فهما متشاركان من وجه مفترقان من آخر ، وذلك مقام الواو كذا قيل .

وتعقب بأن في الكلام ههنا ذكر الوعد أيضاً ، وهو قوله سبحانه : { لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } إلى قوله عز وجل : { رَقِيبٌ } [ هود : 93 ] غاية الأمر أنه لم يذكر بلفظ الوعد ومثله لا يكفي الفرق ، وقيل : إن ذكر الفاء في الموضعين لقرب عذاب قوم صالح . ولوط للوعد المذكور فإن بين الأولين والعذاب ثلاثة أيام . وبين الآخرين وبينه ما بين قول الملائكة : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } [ هود : 81 ] والصبح : وهي سويعات يسيرة . ولا كذلك عذاب قومي شعيب . وهود عليهما السلام بل في قصة قوم شعيب عليه السلام ما يشعر بعدم تضييق زمان مجىء العذاب بناءاً على الشائع في استعمال { سَوْفَ } على أن من أنصف من نفسه لم يشك في الفرق بين الوعد في قصتي صالح . ولوط عليهما السلام . والوعد في غيرهما ، فإن الإشعار بالمجىء فيهما ظاهر فحسن تفريعه بالفاء ولا كذلك في غيرهما كذا قيل ، وفيه ما لا يخفى ، ولعل الاقتصار على التفرقة بالقرب وعدمه أقل غائلة مما قيل ، وكذا مما يقال : من أن الإتيان بالفاء لتقدم الوعد وتركها وإن كان هناك وعد للإشارة إلى سوء حال أولئك القومين ومزيد فظاعته حتى أن العذاب حل بهم لا لسبب سبق الوعد بل لمجرد ظلمهم وكأن وجه اعتبار ذلك فيهم دون قومي لوط . وصالح عليهما السلام أنهم امتازوا عنهم برمي ذينك النبيين بالجنون ومشافهتهما بما لم يشافه به كل من قومي صالح . ولوط نبيه فيما قص عنهما في هذه السورة الكريمة فإن في ذلك ما لا يكاد يخفى عليك فتدبر { وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ } عدل عن الضمير تسجيلاً عليهم بالظلم وإشعاراً بالعلية أي وأخذت أولئك الظالمين بسبب ظلمهم الذي فصل { الصيحة } قيل : صاح بهم جبريل عليه السلام فهلكوا وكانت صيحة على الحقيقة ، وجوز البلخي أن يكون المراد بها نوعاً من العذاب ، والعرب تقول : صاح بهم الزمان إذا هلكوا ، وقال امرؤ القيس : فدع عنك نهباً ( صيح ) في حجراته *** ولكن حديث ما حديث الرواحل

والمعول عليه الأول ، وقد سبق في الأعراف { الرجفة } [ الأعراف : 78 ، 91 ] أي الزلزلة بدلها ، ولعلها كانت من مباديها فلا منافاة ، وقيل : غير ذلك فتذكر { فَأَصْبَحُواْ في دِيَارِهِمْ جاثمين } أي ميتين من جثم الطائر إذا ألصق بطنه بالأرض ، ولذا خص الجثمان بشخص الإنسان قاعداً ، ثم توسعوا فاستعملوا الجثوم بمعنى الإقامة ، ثم استعير من هذا الجاثم للميت لأنه لا يبرح مكانه ، ولما لم يجعل متعلق العلم في قوله سبحانه : { سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ } [ هود : 93 ] الخ نفس مجيء العذاب بل من يجيئه ذلك جعل مجيئه بعد أمراً مسلم الوقوع غنياً عن الاخبار به حيث جعل شرطاً ، وجعل تنجية شعيب عليه السلام والمؤمنين وإهلاك الكفرة الظالمين جواباً له ومقصود الإفادة ، وإنما قدم التنجية اهتماماً بشأنها وإيذاناً بسبق الرحمة على الغضب قاله شيخ الإسلام ، و أصبح إما ناقصة . أو تامة أي صاروا جاثمين . أو دخلوا في الصباح حال كونهم جاثمين .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ} (94)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ولما جاء قضاؤنا في قوم شعيب بعذابنا، {نجينا شعيبا}، رسولنا والذين آمنوا به فصدّقوه على ما جاءهم به من عند ربهم مع شعيب، من عذابنا الذي بعثنا على قومه، {برحمة منا} له ولمن آمن به واتبعه على ما جاءهم به من عند ربهم، {وأخذت الذين ظلموا الصيحة} من السماء، أخمدتهم فأهلكتهم بكفرهم بربهم. وقيل: إن جبريل عليه السلام، صاح بهم صيحة أخرجت أرواحهم من أجسامهم. {فَأصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ} على ركبهم وصَرْعَى بأفنيتهم...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) وقال بعضهم: الصيحة اسم كل عذاب، وكذلك الرجفة...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

الجاثم: اللازم لمكانه لا يريم، كاللابد، يعني أن جبريل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم بحيث هو صعقا...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... وقوله: {برحمة منا} إما أن يقصد الإخبار عن الرحمة التي لحقت شعيباً لنبوته وحسن عمله وعمل متبعيه، وإما أن يقصد أن النتيجة لم تكن إلا بمجرد رحمة لا بعمل من أعمالهم، وأما {الصيحة} فهي صيحة جبريل عليه السلام، وروي أنه صاح بهم، صيحة جثم لها كل واحد منهم في مكانه حيث سمعها ميتاً قد تقطعت حجب قلبه، و «الجثوم» أصله في الطائر إذا ضرب بصدره إلى الأرض، ثم يستعمل في غيره إذا كان منه بشبه...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

وذكر هاهنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذاب يوم الظلة، وهم أمة واحدة، اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقَمُ كلها. وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه، ففي الأعراف لما قالوا: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا} [الأعراف: 88]، ناسب أن يذكر هناك الرجفة، فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها، وأرادوا إخراج نبيهم منها، وهاهنا لما أساءوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ناسب ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخمدتهم، وفي الشعراء لما قالوا: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء: 189]، قال {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189]، وهذا من الأسرار الغريبة الدقيقة، ولله الحمد والمنة كثيرًا دائمًا...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان كأنه قيل: فأخذوا الكلام على ظاهره ولم ينتفعوا بصادع وعيده وباهره، فاستمروا على ما هم عليه من القبيح إلى أن جاء أمرنا في الأجل المضروب له، قال عاطفاً عليه، وكان العطف بالواو لأنه لم يتقدم وعيد بوقت معين -كما في قصتي صالح ولوط عليهما السلام- يتسبب عنه المجيء ويتعقبه: {ولما جاء أمرنا} أي تعلق إرادتنا بالعذاب {نجينا} بما لنا من العظمة {شعيباً} أي تنجية عظيمة {والذين آمنوا} كائنين {معه} منهم ومما عذبناهم به، وكان إنجاءنا لهم {برحمة منا} ولما ذكر نجاة المؤمنين، أتبعه هلاك الكافرين فقال: {وأخذت الذين ظلموا} أي أوقعوا الظلم ولم يتوبوا {الصيحة} وكأنها كانت دون صيحة ثمود لأنهم كانوا أضعف منهم فلذلك أبرز علامة التأنيث في هذه دون تلك. ولما ذكر الصيحة ذكر ما تسبب عنها فقال: {فأصبحوا} أي في الوقت الذي يتوقع الإنسان فيه السرور وكل خير {في ديارهم جاثمين} أي ساقطين لازمين لمكانهم...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

ثم انتهت قصة شعيب مع كفار أهل مدين بعذابهم وعقابهم، واستئصالهم وإبادتهم، ونجاة شعيب والذين آمنوا معه، كما ينتهي كل صراع بين الخير والشر، والحق والباطل، باندحار الشر والباطل، وانتصار الخير والحق، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا، وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يغنوا فيها} أي كأن لم يعيشوا فيها من قبل {ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود}...