تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ} (92)

واتخذتموه وراءكم ظهريا : وراء ظهرهم نسيا منسيا .

قال شعيب : يا قوم أعشيرتي أعزُّ عليكم من الله أرسلني إليكم ! لقد جعلتم أوامره منبوذةً وراء ظهوركم . . إن ربي محيط بكل ما تعملون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ} (92)

{ قَالَ ياقوم أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله } أي من نبي الله على ما قال عليه الرحمة ، ووجه الاستدلال كما قال العلامة . وغيره : إنه لو لم يكن قصدهم اختصاصه بنفي العزة بل مجرد الإخبار بعدم عزته عليهم لم يستقم هذا الجواب ولم يكن مطابقاً لمقالهم إذ لا دلالة لنفي العزة عنه على ثبوتها للغير ، وإنما يدل على ذلك اختصاصه بنفي العزة .

واعترض صاحب الإيضاح بأن هذا من باب أنا عارف وهو لا يفيد الاختصاص وفاقاً وإنما يفيده التقديم على الفعل مثل أنا عرفت ، وكون المشتقات قريبة من الأفعال في التقوى لا يقتضي كونها كالأفعال في الاختصاص والتمسك بالجواب ضعيف لجواز أن يكون جواباً لقولهم : { ولَوْلاَ * رَهْطُكَ لرجمناك } [ هود : 91 ] فإنه يدل على أن رهطه هم الأعزة حيث كان الامتناع عن رجمه بسببهم لا بسببه ومعلوم بحسب الحال والمقام أن ذلك لعزتهم لا لخوفهم ، وتعقبه السيد السند بأن صاحب الكشاف صرح بالتخصيص في قوله تعالى : { كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } [ المؤمنون : 100 ] فكيف يقال : باب أنا عارف لا يفيد الاختصاص اتفاقاً وإن جعله جواباً لما { أَنتَ عَلَيْهِمْ * بِعَزِيزٍ } هو الظاهر بأن يجعل التنوين للتعظيم فيدل على ثبوت أصل العزة له عليه السلام ولا دلالة لقولهم : { وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك } [ هود : 91 ] على اشتراك العزة فلا يلائمه أرهطى أعز عليكم ، ثم قال : فإن قيل : شرط التخصيص عند السكاكي أن يكون المقدم بحيث إذا أخر كان فاعلاً معنوياً ولا يتصور ذلك فيما نحن فيه قلنا : إن الصفة بعد النفي تستقل مع فاعلها كلاماً فجاز أن يقال : ما عزيز أن على أن يكون أنت تأكيداً للمستتر ثم يقدم ويدخل الباء على { عَزِيزٌ } بعد تقديم { أَنتَ } وجعله مبتدأ . وكذلك قوله سبحانه : { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ } [ هود : 29 ] { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } [ الأنعام : 107 ] مما لي حرف النفي وكان الخبر صفة ، وقد صرح صاحب الكشاف . وغيره بإفادة التقديم الحصر في ذلك كله ، وأما صورة الإثبات نحو أنا عارف فلا يجري فيها ذلك فلا يفيد عنده تخصيصاً ، وإن كان مفيداً إياه عند من لا يشترط ذلك .

وأجاب صاحب الكشف عما قاله صاحب الإيضاح بعد نقل خلاصته : بأن ما فيه الخبر وصفاً كما يقارب ما فيه الخبر فعلاً في إفادة التقوى على ما سلمه المعترض يقاربه في إفادة الحصر لذلك الدليل بعينه ، وأن قولهم : { وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك } [ هود : 91 ] كفى به دليلاً أن حق الكلام أن يفاد التخصيص لا أصل العز ففهمه من ذلك لا ينافي كونه جواباً لهذا الكلام بل يؤكده ، وقد صرح الزمخشري بإفادة نحو هذا التركيب الاحتمالين في أنها كلمة هو قائلها ، وقال العلامة الطيبي : إن قوله تعالى :

{ ولَوْلاَ * رَهْطُكَ لرجمناك } [ هود : 91 ] وقوله سبحانه : { وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } [ هود : 91 ] من باب الطرد والعكس عناداً منهم فلا بد من دلالتي المنطوق ، والمفهوم في كل من اللفظين انتهى .

ويعلم من جميع ما ذكر ضعف اعتراض صاحب الإيضاح والعجب من العلامة حيث قال : إنه اعتراض قوي ؛ وأشار السكاكي بتقدير المضاف إلى دفع الإشكال بأن كلامهم إنما وقع في شعيب عليه السلام وفي رهطه وأنهم هم الأعزة دونه من غير دلالة على أنهم أعز من الله تعالى .

وأجيب أضاً بأن تهاونهم بنبي الله تعالى تهاون به سبحانه فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله تعالى أو بأن المعنى أرهطى أعز عليكم من الله تعالى حتى كان امتناعكم عن رجمي بسبب انتسابي إليهم وأنهم رهطى لا بسبب انتسابي إلى الله تعالى وأني رسوله . ثم ما ذكره السيد قدس سره من جعل التنوين في عزيز للتعظيم وحينئذٍ يدل الكلام على ثبوت أصل العزة له عليه السلام فيلائمه أرهطى أعز ؟ الخ صحيح في نفسه إلا أن ذلك بعيد جداً من حال القوم ، فإن الظاهر أنهم إنما قصدوا نفي العزة عنه عليه السلام مطلقاً وإثباتها لرهطه لا نفي العزة العظيمة عنه وإثباتها لهم ليدل الكلام على اشتراكهما في أصل العزة وزيادتها فيهم ، وذلك لأن العزة وإن لم تكن عظيمة تمنع من القتل بالحجارة الذي هو من أشر أنواع القتل ، ولا أظن إنكار ذلك إلا مكابرة ، وكأنه لهذا لم يعتبر مولانا أبو السعود عليه الرحمة جعل التنوين للتعظيم لتتأتى المشاركة فيظهر وجه إنكار الأعزية فاحتاج للكشف عن ذلك مع عدم المشاركة ، فقال : وإنما أنكر عليه السلام عليهم أعزية رهطه منه تعالى مع أن ما أثبتوه إنما هو مطلق عزة رهطه لا أعزيتهم منه عز وجل مع الاشتراك في أصل العزة لتثنية التقريع وتكرير التوبيخ حيث أنكر عليهم أولا ترجيح جنبة الرهط على جنبة الله تعالى . وثانياً نفي العزة بالمرة ، والمعنى أرهطي أعز عليكم من الله فإنه مما لا يكاد يصح ، والحال أنكم لم تجعلوا له تعالى حظاً من العزة أصلاً { واتخذتموه } بسبب عدم اعتدادكم بمن لا يرد ولا يصدر إلا بأمره { وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } شيئاً منبوذاً وراء الظهر منسياً انتهى .

وأنا أقول : قد ذكر الرضى أن المجرور بمن التفضيلية لا يخلو من مشاركة المفضل في المعنى إما تحقيقاً كما في زيد أحسن من عمرو أو تقديراً كقول علي كرم الله تعالى وجهه : لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان وذلك لأن إفطار يوم الشك الذي يمكن أن يكون من رمضان محبوب عند المخالف فقدره علي كرم الله تعالى وجهه محبوباً إلى نفسه أيضاً ، ثم فضل صوم شعبان عليه فكأنه قال : هب أنه محبوب عندي أيضاً أليس صوم يوم من شعبان أحب منه انتهى ، وما في الآية يمكن تخريجه على طرز الأخير فيكون إنكاره عليه السلام عليهم أعزية رهطه منه تعالى على تقدير أن يكون عز وجل عزيزاً عندهم أيضاً ، ويعلم من ذلك إنكار ما هم عليه بطريق الأولى ، وكأن هذا هو الداعي لاختيار هذا الأسلوب من الإنكار ، ووقوعه في الجواب لا يأبى ذلك ، وإن قيل بجواز خلو المجرور بمن من مشاركة المفضل وإرادة مجرد المبالغة من أفعل المقرون بها بناءاً على مجىء ذلك بقلة كما قال الجلال السيوطي في «همع الهوامع » نحو العسل أحلى من الخل .

والصيف أحر من الشتاء ، واعتمد هنا على قرينة السباق والسياق فالأمر واضح ، واستحسن كون قوله تعالى : { واتخذتموه } الخ اعتراضاً وفائدته تأكيدتها ونهم بالله تعالى ببيان أنهم قوم عادتهم أن لا يعبأوا بالله تعالى ويجعلوه كالشيء المنبوذ ، وجوز بعض كونه عطفاً على ما قبله على معنى أفضلتم رهطى على الله سبحانه وتهاونتم به تعالى ونسيتموه ولم تخشوا جزاءه عز وجل ، وقال غير واحد : إنه يحتمل أن يكون الغرض من قوله عليه السلام { أَرَهْطِى } الخ الرد والتكذيب لقومه فإنهم لما ادعوا أنهم لا يكفون عن رجمه عليه السلام لعزته بل لمراعاة جانب رهطه ردّ عليهم ذلك بأنكم ما قدرتم الله تعالى حق قدره ولم تراعوا جنابه القوي فكيف تراعون رهطى الأذلة ، وأياً مّا كان فضمير { *اتخذتموه } عائد إلى الله تعالى وهو الذي ذهب إليه جمهور المفسرين ، وروي عن ابن عباس . والحسن وغيرهما ، و الظهري منسوب إلى الظهر ، وأصله المرمي وراء الظهر ، والكسر من تغييرات النسب كما قالوا في النسبة إلى أمس : أمسي بالكسر . وإلى الدهر دهري بالضم ، ثم توسعوا فيه فاستعملوه للمنسي المتروك ، وذكروا أنه حتمل أن يكون في الكلام استعارة تصريحة وأن يكون استعارة تمثيلية .

وزعم بعضهم أن الضمير له تعالى ، و الظهري العون وما يتقوى به ، والجملة في موضع الحال ، والمعنى أفضلتم الرهط على الله تعالى ولم تراعوا حقه سبحانه . والحال أنكم تتخذونه سند ظهوركم وعماد آمالكم .

ونقل ابن عطية هذا المعنى عن جماعة ، وقيل : الظهري المنسي ، والضمير عائد على الشرع الذي جاء به شعيب عليه السلام وإن لم يذكر صريحاً ، وروي عن مجاهد أو على أمر الله ، ونقل عن الزجاج ، وقيل : الظهري بمعنى المعين ، والضمر لله تعالى ، وفي الكلام مضاف محذوف أي عصيانه والمعنى على ما قرره أبو حيان واتخذتم عصيانه تعالى عوناً وعدة لدفعي ، وقيل : لا حذف والضمير للعصيان وهو الذي يقتضيه كلام المبرد ، ولا يخفى ما في هذه الأقوال من الخروج عن الظاهر من غير فائدة ، ومما ينظم في سلكها تفسير العزيز بالملك زعماً أنهم كانوا يسمعون الملك عزيزاً على أن من له أدنى ذوق لا يكاد يسلم صحة ذلك فتفطن ، ونصب { وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } على أنه مفعول ثان لاتخذتموه والهاء مفعوله الأول ، و { وَرَائِكُمْ } ظرف له أو حال من { ظِهْرِيّاً } .

{ إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } تهديد عظيم لأولئك الكفرة الفجرة أي أنه سبحانه قد أحاط علماً بأعمالكم السيئة التي من جملتها رعايتكم جانب الرهط دون رعاية جنابه جل جلاله فيجازيكم على ذلك .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ} (92)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله}، يعني: أعظم عندكم من الله عز وجل، {واتخذتموه وراءكم ظهريا}، يقول: أطعتم قومكم ونبذتم الله وراء ظهوركم، فلم تعظموه، فمن لم يوحده لم يعظمه.

{إن ربي بما تعملون محيط}، يعني: من نقصان الكيل والميزان، يعني: أحاط علمه بأعمالكم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم أَعْزَزْتم قومكم، فكانوا أعزّ عليكم من الله، واستخففتم بربكم، فجعلتموه خلف ظهوركم، لا تأتمرون لأمره ولا تخافون عقابه، ولا تعظمونه حقّ عظمته. يقال للرجل إذا لم يقض حاجة الرجل: نبذ حاجته وراء ظهره: أي تركها لا يلتفت إليها، وإذا قضاها قيل: جعلها أمامه ونُصْب عينيه. ويقال: ظهرت بحاجتي وجعلتها ظِهرِية: أي: خلف ظهرك.

{إنّ رَبّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}، يقول: إن ربي محيط علمه بعملكم، فلا يخفى عليه منه شيء، وهو مجازيكم على جميعه عاجلاً وآجلاً.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ) هذا يخرج على وجهين:...

[أحدهما: يحتمل: يا قوم أرهطي أعظم حقا عليكم من الله وأكثر حرمة حتى تركتم ما أوعدتموني من النقمة لحقهم وحرمتهم؟...

والثاني: قوله: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ) أي أرهطي أشد خوفا عليكم وأكثر نكاية من الله؛ ...

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً) أي نبذتم الله وراء ظهوركم أي نبذتم حق الله وكتابه الذين أنزل إليكم وراء ظهركم؛ لا تعملون به، ولا تكترثون إليه، هو كالمنبوذ وراء ظهركم...

هذا على التمثيل، أي جعلوا أمر الله ودينه الذي دعوا إليه كالمنبوذ وراء ظهورهم لا ينظرون إليه ولا يكترثون...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أترون مِنْ حقّ رهطي ما لا تَرَوْنَ من حقّ ربي؛ وإنَّ ربي يُكافئكم على أعمالكم بما تستوجبون في جميع أحوالكم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: فالكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله: {أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله} قلت: تهاونهم به -وهو نبيّ الله- تهاون بالله، فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله. ألا ترى إلى قوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله} [النساء: 80]. {واتخذتموه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً} ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به... {بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} قد أحاط بأعمالكم علماً، فلا يخفى عليه شيء منها...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن الكفار لما خوفوا شعيبا عليه السلام بالقتل والإيذاء، حكى الله تعالى عنه ما ذكره في هذا المقام... قوله: {يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط} والمعنى: أن القوم زعموا أنهم تركوا إيذاءه رعاية لجانب قومه، فقال: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراما لرهطي، والله تعالى أولى أن يتبع أمره، فكأنه يقول: حفظتكم إياي رعاية لأمر الله تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان تخصيصهم نفي العزة به يفهم أن رهطه عليهم أعزة، أنكر عليهم ذلك في سياق مهدد لهم فقال تعالى حاكياً عنه استئنافاً: {قال} أي شعيب {يا قوم} و لم يخل الأمر من جذب واستعطاف بذكر الرحم العاطفة {أرهطي} أي أقاربي الأقربون منكم {أعز عليكم من الله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرةً حتى نظرتم إليهم فيّ لقرابتي منهم ولم تنظروا إلى الله في قربي منه بما ظهر عليّ من كرامته {واتخذتموه} أي بما كلفتم به أنفسكم مما هو خلاف الفطرة الأولى {وراءكم} أي أعرضتم عنه إعراض من جعل الشيء وراءه؛ وحقق معنى الوراء بقوله: {ظهرياً} أي جعلتموه كالشيء الغائب عنكم المنسي عندكم الذي لا يعبأ به، ولم تراقبوه فيّ لنسبتي إليه بالرسالة والعبودية. ولما كان معنى الكلام لأجل الإنكار: إنكم عكستم في الفعل فلم تعرفوا الحق لأهله إذ كان ينبغي لكم أن لا تنسوا الله بل تراقبوه في كل أموركم، حسن تعليل هذا المفهوم بقوله: {إن ربي} أي المحسن إليّ؛ ولما كان المراد المبالغة في إحاطة علمه تعالى بأعمالهم قدم قوله: {بما تعملون محيط} من جليل وحقير، فهو مقتدر في كل فعل من أفعالكم على إنفاذه وإبطاله، فهو محيط بكم لا يرده عن نصرتي منكم والإيقاع بكم مراعاة أحد لعزة ولا قوة، بل لكم عنده أجل هو مؤخركم إليه لأنه لا يخشى الفوت؛ والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر يستمر في المستأنف كاتخاذ البيت؛ والمحيط: المدير على الشيء كالحائط يحصره بحيث لا يفوته منه شيء...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} حققنا في تفسير سورة الأعراف أن الفقه في اللغة أخص من الفهم والعلم، وهو الفهم الدقيق العميق المؤثر في النفس الباعث على العمل، أي ما نفقه كثيرا مما ترمي مما وراء ظواهر أقوالك من بواطنها وتأويلها، كبطلان عبادة آلهتنا، وقبح حرية التصرف في أموالنا، وعذاب محيط يبيدنا، وإصابتنا بمثل الأحداث الجوية التي نزلت بمن قبلنا، كأن أمرها بيدك وتصرفك أو تصرف ربك، يصيب بها من تشاء أو يشاء لأجلك.

{وإنا لنراك فينا ضعيفا} لا حول ولا قوة تمتنع بها منا إن أردنا أن نبطش بك، وأنت على ضعفك تنذرنا العذاب المحيط الذي لا يفلت منه أحد.

{ولولا رهطك} أي عشيرتك الأقربون، والرهط الجماعة من الثلاثة إلى السبعة أو العشرة.

{لرجمناك} لقتلناك شر قتلة، وهي الرمي بالحجارة حتى تدفن فيها.

{وما أنت علينا بعزيز} أي بذي عزة ومنعة علينا تحول بيننا وبين رجمك، وإنما نعز رهطك ونكرمهم على قلتهم، لأنهم منا وعلى ديننا الذي نبذته وراء ظهرك، وأهنته، ودعوتنا إلى تركه لبطلانه وفساده في زعمك.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وعندئذ تأخذ شعيبا الغيرة على جلال ربه ووقاره؛ فيتنصل من الاعتزاز برهطه وقومه؛ ويجبههم بسوء التقدير لحقيقة القوى القائمة في هذا الوجود، وبسوء الأدب مع الله المحيط بما يعملون. ويلقي كلمته الفاصلة الأخيرة. ويفاصل قومه على أساس العقيدة، ويخلي بينهم وبين الله، وينذرهم العذاب الذي ينتظر أمثالهم، ويدعهم لمصيرهم الذي يختارون:... ارهطي أعز عليكم من الله؟...

. أجماعة من البشر مهما يكونوا من القوة والمنعة فهم ناس، وهم ضعاف، وهم عباد من عباد الله.. أهؤلاء أعز عليكم من الله؟.. أهؤلاء أشد قوة ورهبة في نفوسكم من الله؟... (واتخذتموه وراءكم ظهريا).. وهي صورة حسية للترك والإعراض، تزيد في شناعة فعلتهم، وهم يتركون الله ويعرضون عنه، وهم من خلقه، وهو رازقهم وممتعهم بالخير الذي هم فيه. فهو البطر وجحود النعمة وقلة الحياء إلى جانب الكفر والتكذيب وسوء التقدير. (إن ربي بما تعملون محيط).. والإحاطة أقصى الصور الحسية للعلم بالشيء والقدرة عليه. إنها غضبة العبد المؤمن لربه أن يستباح جلاله -سبحانه- ووقاره. الغضبة التي لا يقوم إلى جوارها شيء من الاعتزاز بنسبه ورهطه وعشيرته وقومه.. إن شعيبا لم ينتفخ ولم ينتفش أن يجد القوم يرهبون رهطه، فلا تمتد إليه أيديهم بالبطش الذي يريدونه! ولم يسترح ولم يطمئن إلى أن يكون رهطه هم الذين يحمونه ويمنعونه من قومه -الذين افترق طريقهم عن طريقه- وهذا هو الإيمان في حقيقته.. أن المؤمن لا يعتز إلا بربه؛ ولا يرضى أن تكون له عصبة تخشى ولا يخشى ربه! فعصبية المسلم ليست لرهطه وقومه، إنما هي لربه ودينه. وهذا هو مفرق الطريق في الحقيقة بين التصور الإسلامي والتصور الجاهلي في كل أزمانه وبيئاته!...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

لمّا أرادوا بالكلام الذي وجّهوه إليه تحذيره من الاستمرار على مخالفة دينهم، أجابهم بما يفيد أنه لم يكن قط معوّلاً على عزة رهطه ولكنّه متوكّل على الله الذي هو أعزّ من كل عزيز، فالمقصود من الخَبَر لازمه وهو أنّه يعلم مضمون هذا الخبر وليس غافلاً عنه، أي لقد علمتُ مَا رهطي أغلب لكم من الله فلا أحتاج إلى أن تعاملوني بأنّي غيرُ عزيز عليكم ولا بأنّ قرابتي فئة قليلة لا تعجزكم لو شئتم رجمي...

وإعادة النداء للتّنبيه لكلامه وأنه متبصّر فيه. والاستفهام إنكاريّ، أي الله أعز من رهطي، وهو كناية عن اعتزازه بالله لا برهطه فلا يريبه عدم عزة رهطه عليهم، وهذا تهديد لهم بأنّ الله ناصره لأنّه أرسله فعزّته بعزّة مُرسله.