تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ} (54)

ثم إذا استجابَ لدعائكم ، ورفع عنكم ما أصابكم من الضرر ، وفرَّج البلاءَ عنكم ، إذا جماعة منكم ينسَون ربهم ويجعلون له شركاء ، ويعبدون غيره .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ} (54)

{ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ } أي رفع ما مسكم من الضر { إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } أي يتجدد إشراكهم به تعالى بعبادة غيره سبحانه ، والخطاب في الآية ان كان عاماً فمن للتبعيض والفريق الكفرة ، وإن كان خاصاً بالمشركين كما استظهره في الكشف فمن للبيان على سبيل التجريد ليحسن وإلا فليس من مواقعه كما قيل ، والمعنى إذا فريق هم أنتم يشركون ؛ وجوز على هذا الاحتمال في الخطاب كون من تبعيضية أيضاً لأن من المشركين من يرجع عن شركه إذا شاهد ضراً شديداً كما يدل عليه قوله تعالى : { فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } [ لقمان : 32 ] على تقدير أن يفسر الاقتصاد بالتوحيد لا بعدم الغلو في الكفر ، و { إِذَا } الأولى شرطية والثانية فجائية والجلمة بعدها جواب الشرط ، واستدل أبو حيان باقترانها باذا الفجائية على أن إذا الشرطية ليس العامل فيها الجواب لأنه لا يعمل ما بعد إذا الفجائية فيما قبلها ، و { بِرَبّهِمْ } متعلق بيشركون والتقديم لمراعاة رؤوس الآي ، والتعرض لوصف الربوبية للإيذان بكمال قبح ما ارتكبوه من الاشراك الذي هو غاية في الكفران .

و { ثُمَّ } قال في إرشاد العقل السلم ليست لتمادي زمان مساس الضر ووقوع الكشف بعد برهة مديدة بل للدلالة على تراخي رتبة ما يترتب عليه من مفاجآت الاشراك فإن ترتبها على ذلك في أبعد غاية من الضلال .

وفي الكشف متعقباً صاحب الكشاف بأنه لم يذكر وجه الكلام في قوله تعالى : { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر* فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ } وهو على وجهين والله تعالى أعلم . أحدهما أن يكون قوله سبحانه { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل : 53 ] من تتمة السابق على معنى إنكار إتقاء غير الله تعالى وقد علموا أن كل ما يتقلبون فيه من نعمته فهو سبحانه القادر على سلبها ، ثم أنكر عليهم تخصيصهم بالجؤار عند الضر في مقابلة تخصيص غيره بالاتقاء ثم اشراكهم به تعالى كفراناً لتلك النعمة وجيء بثم لتفاوت الانكارين فإن اتقاء غير المنعم أقرب من الاعراض عنه وهو متقلب في نعمه ثم اللجأ إلى هذا المكفور به وحده عند الحاجة ، وأبعد منه الأعراض ولم يجف قدمه من ندى النجاة .

والثاني أن يكون جملة مستقلة واردة للتقريع و { ثُمَّ } في الأول لتراخي الزمان اشعاراً بأنهم غمطوا تلك النعم ولم يزالوا عليه إلى وقت الإلجاء ، وفيه الأشعار بتراخي الرتبة أيضاً على سبيل الإشارة وفي الثاني لتراخي الرتبة وحده ، اه وهو كلام نفيس ، وللطيبي كلام طويل في هذا المقام ان أردته فارجع إليه .

وقرأ الزهري { ثُمَّ إِذَا * كاشف } وفاعل هنا بمعنى فعل ، وفي الآية ما يدل على أن صنيع أكثر العوام اليوم من الجؤار إلى غيره تعالى ممن لا يملك لهم بل ولا لنفسه نفعاً ولا ضراً عند إصابة الضر لهم واعراضهم عن دعائه تعالى عند ذلك بالكلية سفه عظيم وضلال جديد لكنه أشد من الضلال القديم ، ومما تقشعر منه الجلود وتصعر له الخدود الكفرة أصحاب الأخدود فضلاً عن المؤمنين باليوم الموعود ان بعض المتشيخين قال لي وأنا صغير : إياك ثم إياك أن تستغيث بالله تعالى إذا خطب دهاك فإن الله تعالى لا يعجل في اغاثتك ولا يهمه سوء حالتك وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين فأنهم يعجلون في تفريج كربك ويهمهم سوء ما حل بك فمج ذلك سمعي وهمي دمعي وسألت الله تعالى أن يعصمني والمسلمين من أمثال هذا الضلال المبين ، ولكثير من المتشيخين اليوم كلمات مثل ذلك .

( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } [ النحل : 54 ] بنسبة ذلك إلى غيره سبحانه ورؤيته منه

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ} (54)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ثم إذا كشف الضر عنكم}، يعني: الشدة...

{إذا فريق منكم بربهم يشركون}، يعني: يتركون التوحيد لله تعالى في الرخاء، فيعبدون غيره، وقد وحدوه في الضر.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ثم إذا وهب لكم ربكم العافية، ورفع عنكم ما أصابكم من المرض في أبدانكم، ومن الشدّة في معاشكم، وفرّج البلاء عنكم، {إذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ} يقول: إذا جماعة منكم يجعلون لله شريكا في عبادتهم، فيعبدون الأوثان، ويذبحون لها الذبائح، شكرا لغير من أنعم عليهم بالفرج، مما كانوا فيه من الضرّ...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

و {الضر} وإن كان يعم كل مكروه، فأكثر ما يجيء عبارة عن أرزاء البدن... و {فريق} هنا يراد به المشركون الذين يرون أن للأصنام أفعالاً من شفاء المرض وجلب الخير ودفع الضر، فهم إذا شفاهم الله عظموا أصنامهم، وأضافوا ذلك الشفاء إليها...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

ولا مستغاث إلا الواحد، فعند زوال البلاء والضراء وجب أن يبقى على ذلك الاعتقاد، فأما أنه عند نزول البلاء يقر بأنه لا مستغاث إلا الله تعالى، وعند زوال البلاء يثبت الأضداد والشركاء، فهذا جهل عظيم وضلال كامل. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان الرجوع إلى الإشراك بعد الإخلاص مستبعداً أيضاً، لاستهجانهم سرعة الاستحالة، قال تعالى: {ثم إذا كشف} سبحانه عما تشركون. {الضر} أي: الذي مسكم. {عنكم} ونبه على مسارعة الإنسان في الكفران، فقال تعالى: {إذا فريق} أي: جماعة، هم أهل فرقة وضلال. {منكم} أيها العباد! {بربهم} الذي تفرد بالإنعام عليهم. {يشركون} أي يوقعون الإشراك به، بعبادة غيره، تغيراً منهم عما كانوا عليه عند الاستغاثة به في الشدة... وهذا أجهل الجهل.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

والتعرضُ لوصف الربوبية؛ للإيذان بكمال قبحِ ما ارتكبوه من الإشراك والكفران...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

أتبع هذه بنعمة أخرى وهي نعمة كاشف الضرّ عن الناس بقوله تعالى: {ثم إذا كشف الضر عنكم} الآية.

و {ثُمّ} للترتيب الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل. وجيء بحرف {ثُمّ} لأنّ مضمون الجملة المعطوفة أبعد في النّظر من مضمون المعطوف عليها فإن الإعراض عن المنعم بكشف الضرّ وإشراك غيره به في العبادة أعجب حالاً وأبعد حُصولاً من اللجأ إليه عند الشدّة.

والمقصود تسجيل كفران المشركين، وإظهار رأفة الله بالخلق بكشف الضرّ عنهم عند التجائهم إليه مع علمه بأن من أولئك من يُشرك به ويستمرّ على شركه بعد كشف الضرّ عنه.

و {إذَا} الأولى مضمنة معنى الشرط، وهي ظرف. و {إذا} الثانية فجائية. والإتيان بحرف المفاجأة للدّلالة على إسراع هذا الفريق بالرجوع إلى الشرك وأنه لا يتريث إلى أن يبعد العهد بنعمة كشف الضرّ عنه بحيث يفجأون بالكفر دفعة دون أن يترّقبه منهم مترّقب، فكان الفريق المعني في قوله تعالى: {إذا فريق منكم} فريق المشركين.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

{ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون}؛ صمام أمن اجتماعي في الكون، يقول للناس: إياكم أن تأخذوا على غيركم، حين تقدمون إليهم جميلاً فينكرونه.. إياكم أن تكفوا عن عمل الجميل على غيركم؛ لأن هذا الإنكار للجميل قد فعلوه مع أعلى منكم، فعلوه مع الله سبحانه، فلا يزهدك إنكارهم للجميل في فعله، بل تمسك به لتكون من أهله...

في الآية تقنين وأمان للمجتمع، أن يتفشى فيه مرض الزهد في عمل الخير...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وفي الحقيقة... فالقرآن في الآية يشير إلى فطرة التوحيد في جميع الناس، إِلاّ أنّ حجب الغفلة والغرور والجهل والتعصب والخرافات تغطيها في الأحوال الاعتيادية. ولكن، عندما تهب عواصف البلاء، تنقلع تلك الحجب، فيظهر نور الفطرة براقاً من جديد، ليرى الناس لمن يتوجهون، فيدعون اللّه مخلصين بكامل وجودهم، فيرفع عنهم أغطية البلاء المتأتية من تلك الحجب، لاحظوا أنّ الآية قالت: (كشف الضر) أيْ: رفع أغطية البلاء. ولكن.. عندما تهدأ العاصفة، ويرتفع البلاء، وتعودون إلى شاطئ الأمان، تعاودون من جديد على الغفلة والغرور...