تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ} (47)

على تخوف : على تنقص .

أو يهلكهم بنقصِ أموالهم أو بنقص أنفسِهم رويداً وهم في كل لحظة في عذاب من الخوف منه والترقب لوقوعه ، فلا تتمادوا أيها المشركون وتغتروا بتأخير عقوبتكم ، فإن الله سبحانه رؤوف رحيم ، ورحمة الله واسعة شاملة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ} (47)

{ أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ } أي مخافة وحذر من الهلاك والعذاب بأن يهلك قوماً قبلهم أو يحدث حالات يخاف منها غير ذلك كالرياح الشديدة والصواعق والزلازل فيتخوفوا فيأخذهم بالعذاب وهم متخوفون ويروى نحوه عن الضحاك ، وهو على ما قال الزمخشري ويقتضيه كلام ابن بحر خلاف قوله تعالى : { مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } [ النحل : 45 ] .

وقال غير واحد من الأجلة : على أن ينقصهم شيئاً فشيئاً في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوفته إذا تنقصته ، وروي تفسيره بذلك عن ابن عباس . ومجاهد . والضحاك أيضاً .

وذكر الهيثم بن عدي أن التنقص بهذا المعنى لغة أزدشنوءة ، ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر ما تقولون فيها أي الآية والتخوف منها ؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا التخوف التنقص فقال : هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ فقال : نعم قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته :

تخوف الرحل منها تامكا قردا( {[530]} ) . . . كما تخوف عود النبعة السفن

فقال عمر رضي الله تعالى عنه : عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا : وما ديواننا ؟ قال : شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم ، والجار والمجرور قال أبو البقاء : في موضع الحال من الفاعل أو المفعول في يأخذهم .

وقال الخفاجي : الظاهر أنه حال من المفعول وكأنه أراد على تفسيري التخوف ويتخوف من الجزم به على التفسير الثاني ، والمراد من ذكر هذه المتعاطفات بيان قدرة الله تعالى على إهلاكهم بأي وجه كان لا الحصر ، ثم إن بعضهم اعتبر في التقابل بينهما أن المراد بخسف الأرض بهم إهلاكهم من تحتهم وبإتيان العذاب من حيث لا يشعرون إهلاكهم من فوقهم وحيث قوبلا بإهلاكهم في تقلبهم وأسفارهم كان المعتبر فيهما سكونهم في مساكنهم وأوطانهم والمقابلة بين أخذهم على تخوف على المعنى الأولى والأخذ بغتة المشعر به من حيث لا يشعرون ظاهرة ، واعتبر عدم الشعور في الأخذ في التقلب والخسف لقرينة الأخذ على تخوف على ذلك المعنى وحمل سائرها على عذاب الاستئصال دون الأخذ على تخوف على المعنى الثاني ومجمل القول في ذلك أنه اعتبر في كل اثنين من الأربعة منع الجمع لكن بعد أن يراد بالعام منهما للمقابلة ما عدا الخاص سواء كان بين الاثنين عموم من وجه أو مطلقاً .

وذكر الإمام ، وابن الخازن في حاصل الآية أنه تعالى خوفهم بخوف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء أو بآفات تحدث دفعة أو بآفات تأتي قليلاً قليلاً إلى أن يأتي الهلاك على آخرهم ، وكان الظاهر في الآية أن يقال : أو يعذبهم من حيث لا يشعرون ليناسب ما قبله وما بعده بناءً على أن إسناد الفعل فيهما إليه تعالى وما قبله فقط بناءً على أن إسناد الفعل فيما بعد إلى العذاب مع كونه أخصر مما في النظم الجليل لكنه عدل عنه إلى ذلك لكونه أبلغ في التخويف وأدل على استحقاق العذاب من حيث أن فيه إشعاراً بأن هناك عذاباً موجوداً مهيئاً لا يحتاج إلا إلى الإتيان دون الإحداث وليس في يعذبهم إشعار كذلك على أن ما في «النظم الجليل » أبعد من أن يتوهم فيه معنى غير صحيح كما يتوهم في البدل المفروض حيث يتوهم فيه أنه سبحانه يعذبهم من حيث لا يشعرون بالعذاب وهو كما ترى .

وحيث كانت حالتا التقلب والتخوف مظنة للهرب عبر عن إصابة العذاب فيهما بالأخذ وعن إصابته حالة الغفلة المنبئة عن السكون بالإتيان وجىء بفي مع التقلب وبعلى مع التخوف قيل : لأن في التقلب حركتين فكان الشخص المتقلب بينهما ولا كذلك التخوف ، وقيل : لما كان التقلب شاغلاً الإنسان بسائر جوارحه حتى كأنه محيط به وهو مظروف فيه جيء بفي معه ، والتخوف أي المخافة إنما يقوم بعضو من أعضائه فقط وهو القلب المحيط به بدن الإنسان فلذا جيء بعلي معه ، وقيل : إن علي بمعنى مع كما في قوله تعالى : { وَءاتَى المال على حُبّهِ } [ البقرة : 117 ] أي يأخذهم مصاحبين لذلك ولما كان التخوف نفسه نوعاً من العذاب لما فيه من تألم القلب ومشغولية الذهن وكان الأخذ مشيراً إلى نوع آخر من العذاب أيضاً جيء بعلي التي بمعنى مع ليكون المعنى يعذبهم مع عذابهم ولم يعتبر ذلك مع التقلب مراداً به الإقبال والإدبار في الأسفار والمتاجر مع أنه جاء { السفر قطعة من العذاب } لأنهم لا يعدون ذلك عذاباً وفي القلب من هذا شيء فتدبر وتأمل فأسرار كتاب الله تعالى لا تحصى { فَإِنَّ رَبَّكُمْ * لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } جعله ابن بحر تعليلاً للأخذ على تخوف بناء على أن المراد به أخذهم على حدوث حالات يخاف منها كالرياح الشديدة والصواعق والزلازل لا بغتة فإن في ذلك امتداد وقت ومهلة يمكن فيها التلافي فكأنه قيل : أو يأخذهم على تخوف ولا يفاجئهم لأنه سبحانه رؤوف رحيم وذلك أنسب برأفته ورحمته جل وعلا ، وجوز أن يكون تعليلاً لذلك على المعنى الأخير فإن في تنقصهم شيئاً بعد شيء دون أخذهم دفعة إمهالاً في الجملة وهو مطلقاً من آثار الرحمة ، وقيل : هو تعليل لما يفهم من الآية من أنه سبحانه قادر على إهلاكهم بأي وجه كان لكنه تعالى لم يفعل ، وقيل : هو كالتعليل للأمن المستفهم عنه ، والتعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير الخطاب من آثار رحمته جل شأنه .


[530]:- قوله: تامكا أي سناما، وقوله: قردا أي متراكما والنبعة يتخذ منه القسى، والسفن بفتح السين والفاء المبرد اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ} (47)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{أو يأخذهم على تخوف}، يقول: يأخذ أهل هذه القرية بالعذاب ويترك الأخرى قريبا منها لكي يخافوا فيعتبروا، يخوفهم بمثل ذلك، {فإن ربكم لرءوف}، يعني: يرق لهم، {رحيم} بهم حين لا يعجل عليهم بالعقوبة.

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

مكي: روى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية فقال: ما التخوف؟ فأقام بذلك أياما، فأتاه غلام من أعراب قيس فقال: يا أمير المؤمنين أراني يتخوفني مالي. فقال له عمر: كيف يتخوف مالك؟ فقال: ينقصني مالي. فقال عمر: {أو يأخذهم على تخوف} على تنقص.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"أوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوّفٍ" فإنه يعني: أو يهلكهم بتخوّف، وذلك بنقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم...

"فإنّ رَبّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ" يقول: فإن ربكم إن لم يأخذ هؤلاء الذين مكروا السيئات بعذاب معجّل لهم، وأخذهم بموت وتنقص بعضهم في أثر بعض، لرءوف بخلقه، رحيم بهم، ومن رأفته ورحمته بهم لم يخسف بهم الأرض، ولم يعجّل لهم العذاب، ولكن يخوّفهم وينقّصهم بموت.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{أو يأخذهم على تخوف} قال بعضهم: على تفزيع...وقال بعضهم {أو يأخذهم على تخوف} أن يأخذ قرية فقرية وبلدة فبلدة حتى يأتي قريبا منهم، ثم يأخذهم؛ كلما أخذ قرية كان لهم من ذلك الخوف؛ فذلك أخذ بتخوف؛ وهو ما قال: {ولا يزال الذين كفروا يصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم} الآية (الرعد: 31) وعد الله حلولا قريبا من دارهم، كان يخوفهم حتى نزل بساحتهم؛ فذلك أخذ بالتخويف يخبر أن عذابه لا يؤمن حلوله، وأخذه إياهم في كل حال: في الحال التي ليس لهم أمن ولا خوف، أي لم يغلب هذا على هذا، وفي الحال التي يكونون آمنين في تقلبهم وحوائجهم وفي الحال التي يكونون متخوفين.

{لرءوف رحيم} إذا تبتم، ورجعتم عما كان منكم، يرحمكم الله، ويغفر لكم ذلك.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{أو يأخذهم على تخوفٍ} فيه خمسة أوجه:

الثاني: على تقريع بما قدموه من ذنوبهم، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً...

الثالث: على عجل، وهذا قول الليث.

الخامس: أن يعاقبهم بالنقص من أموالهم وثمارهم، قاله الزجاج.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... وهذا التنقص يتجه الوعيد به على معنيين:

أحدهما أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخوف أي أفذاذاً ينقصهم بذلك الشيء بعد الشيء، وهذا لا يدعي أحد أنه يأمنه، وكأن هذا الوعيد إنما يكون بعذاب ما يلقون بعد الموت، وإلا فبهذا تهلك الأمم كلها، ويؤيد هذا قوله {فإن ربكم لرؤوف رحيم} أي إن هذه الرتبة الثالثة من الوعيد، فيها رأفة ورحمة وإمهال ليتوب التائب ويرجع الراجع:

والآخر أن يأخذ بالعذاب طائفة أو قرية ويترك أخرى، ثم كذلك حتى يهلك الكل، وقالت فرقة: «التخوف» هنا من الخوف أي يأخذهم بعد تخوف ينالهم فيعذبهم به... وفي هذا القول تكلف ما.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

...والحاصل أنه تعالى خوفهم بخسف يحصل في الأرض، أو بعذاب ينزل من السماء أو بآفات تحدث دفعة واحدة حال ما لا يكونون عالمين بعلاماتها ودلائلها، أو بآفات تحدث قليلا قليلا إلى أن يأتي الهلاك على آخرهم.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ} أي مخافةٍ وحذرٍ عن الهلاك والعذاب بأن يُهلك قوماً قبلهم فيتخوّفوا فيأخذَهم العذابُ وهم متخوّفون، وحيث كانت حالتا التقلّبِ والتخوّف مَظِنةً للهرب عُبّر عن إصابة العذابِ فيهما بالأخذ وعن إصابته حالةَ الغفلة المنبئةِ عن السكون بالإتيان...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... فللآية معنيان: إما أن يكون المعنى يأخذهم وهم في حالة توقّع نزول العذاب بأن يريهم مقدماته مثل الرعد قبل الصّواعق، وإما أن يكون المعنى يأخذهم وهم في حالة تنقّص من قبل أن يتنقّصهم قبل الأخذ بأن يكثر فيهم الموتان والفقر والقحط.

وحرف {على} مستعمل في التمكّن على كلا المعنيين، ومحل المجرور حال من ضمير النصب في {يأخذهم} وهو كقولهم: أخذه على غرّة...

وتفرّع {فإن ربكم لرؤوف رحيم} على الجمل الماضية تفريع العلّة على المعلّل. وحرف (إن) هنا مفيد للتعليل ومغن عن فاء التفريع كما بيّنه عبد القاهر، فهي مؤكدة لما أفادته الفاء. والتّعليل هنا لما فهم من مجموع المذكورات في الآية من أنه تعالى قادر على تعجيل هلاكهم وأنه أمهلهم حتى نسوا بأس الله فصاروا كالآمنين منه بحيث يستفهم عنهم: أهم آمنون من ذلك أم لا.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{أو يأخذهم على تخوف} أي تخوف من العذاب أن ينزل بهم كما نزل الأقوام قبلهم فهم يعروهم الخوف، ولكن لا يصل إلى حملهم على الإيمان، ولكن يتخوفون أن ينزل بهم...

{فإن ربكم لرءوف رحيم}...وفوق ذلك فإن الإنذار بالعقوبة، بل العقوبة نفسها رحمة بالكافة، فليس من الرحمة بالكافة أن يترك الظالم في غيه يرتع ويلعب ويعبث بالكرامة الإنسانية، فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من لا يرحم لا يرحم"، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله أنهم يجعلون لله ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته".

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

التخوف: هو الفزع من شيء لم يحدث بعد، فيذهب فيه الخيال مذاهب شتى، ويتوقع الإنسان ألواناً متعددة من الشر، في حين أن الواقع يحدث على وجه واحد. وكان هذا الفزع يعتري الكفار إذا ما علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية من السرايا، فيتوقع كل جماعة منهم أنها تقصدهم، وبذلك يشيع الله الفزع في نفوسهم جميعاً، في حين أنها خرجت لناحية معينة.

{فإن ربكم لرءوف رحيم}...وكأن في الآية لوناً من ألوان رحمته سبحانه بخلقه وحرصه سبحانه على نجاتهم؛ لأنه ينبههم إلى ما يمكن أن يحدث لهم إذا أصروا على كفرهم، ويبصرهم بعاقبة كفرهم، والتبصرة عظة، والعظة رأفة بهم ورحمة حتى لا ينالهم هذا التهديد وهذا الوعيد.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

...وذكر الرأفة والرحمة الإِلهية ترتبط بالنوع الرّابع من الذين مكروا السيئات، الذين لم يقطعوا كل علائقهم مع اللّه ولم يخربوا جميع جسور العودة.