تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} (52)

الواصب : الدائم .

ثم بين أنه هو المالك لهذا الكون ، وأن الدين له والطاعة فقال :

إن الله هو المالك الواحد لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك ، وله الطاعةُ والإخلاص دائما ، فتحرروا أيها الناس ، من عبادة سواه ، وأخلصوا له العبادة . . أفبعدَ أن علمتم هذا ترهبونَ غيرَ الله ، وتخافون سواه ؟

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} (52)

{ وَلَهُ مَا في * السموات والأرض } عطف على قوله سبحانه : { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } [ النحل : 51 ] أو على الخبر أو مستأنف جيء به تقريراً لعلة انقياد ما فيهما له سبحانه خاصة وتحقيقاً لتخصيص الرهبة به تعالى ، وتقديم الظرف لتقوية ما في اللام من معنى التخصيص ، وكذا يقال فيما بعد أي له تعالى وحده ما في السموات والأرض خلقا وملكا { وَلَهُ } وحده { الدين } أي الطاهة والانقياد كما هو أحد معانيه . ونقل عن ابن عطية وغيره { وَاصِبًا } أي واجباً لازماً لا زوال له لما تقرر أنه سبحانه الإله وحده الحقيق بأن يرهب ، وتفسير { وَاصِبًا } بما ذكر مروى عن ابن عباس . والحسن . وعكرمة . ومجاهد . والضحاك . وجماعة ، وأنشدوا لأبي الأسود الدؤولي :

لا أبتغى الحمد القليل بقاؤه . . . يوماً بذم الدهر أجمع واصبا

وقال ابن الأنباري : هو من الوصب بمعنى التعب أو شدته ، وفاعل للنسب كما في قوله :

وأضحى فؤادي به فاتنا . . . أي ذا وصب وكلفة ، ومن هنا سمى الدين تكليفاً ، وقال الربيع بن أنس : { وَاصِبًا } خالصاً ، ونقل ذلك أيضا عن الفراء ، وقيل : الدين الملك والواصب الدائم ، ويبعد ذلك قول أمية بن الصلت :

وله الدين واصبا وله الم . . . لك وحمد له على كل حال

وقيل : الدين الجزاء والواصب كما في سابقه أي له تعالى الجزاء دائماً لا ينقطع ثوابه للمطيع وعقابه للعاصي ، وأياً ما كان فنصب { وَاصِبًا } على أنه حال من ضمير { الدين } المستكن في الظرف والظرف عامل فيه أو حال من { الدين } والظرف هو العامل على رأي من يرى جواز اختلاف العامل في الحال والعامل في صاحبها . واستدل بالآية على أن أفعال العباد مخلوقة تعالى : { أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ } الهمزة للانكار والفاء للتعقب أي أبعد ما تقرر من تخصيص جميع الموجودات للسجود به تعالى وكون ذلك كله له سبحانه ونهيه عن اتخاذ الإلهين وكون الدين له واصباً المستدعى ذلك لتخصيص التقوى به تاعلى تتقون غيره ، والمنكر تقوى غير الله تعالى لا مطلق التقوى ولذا قدم الغير ، وأولي الهمزة لا للاختصاص حتى يرد أن انكار تخصيص التقوى بغيره سبحانه لا ينافي جوازها ، وقيل : يصح أن يعتبر الاختصاص بالانكار فيكون التقديم لاختصاص الإنكار لا لإنكار الاختصاص . وفي البحر أن هذا الاستفهام يتضمن التوبيخ والتعجب أي بعد ما عرفتم من وحدانيته سبحانه وأن ما سواه له ومحتاج إليه كيف تتقون وتخافون غيره .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} (52)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم عظم الرب تبارك وتعالى نفسه من أن يكون معه إله آخر، فقال عز وجل: {وله ما في السماوات والأرض} من الخلق عبيده وفي ملكه، {وله الدين واصبا}، يعني: الإسلام دائما، {أفغير الله} من الآلهة {تتقون}، يعني: تعبدون، يعني: كفار مكة.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ولله ملك ما في السموات والأرض من شيء، لا شريك له في شيء من ذلك، هو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم، وبيده حياتهم وموتهم. وقوله:"وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا" يقول جلّ ثناؤه: وله الطاعة والإخلاص دائما ثابتا واجبا... وقال آخرون: الواصب في هذا الموضع: الواجب...

[و] عن مجاهد: "وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا "قال: الإخلاص...

وقوله: "أفَغَيْرَ اللّهِ تَتّقُونَ" يقول تعالى ذكره: أفغير الله أيها الناس تتقون، أي ترهبون وتحذرون أن يسلبكم نعمة الله عليكم بإخلاصكم العبادة لربكم، وإفرادكم الطاعة له، وما لكم نافع سواه.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... وقوله تعالى: {وله الدين واصبا} قال بعضهم: دائما، لأن غيره من الأديان كلها يبطل، ويضل، ويبقى دينه في الدارين جميعا...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{الدين}: الطاعة، {وَاصِبًا}... والواصب: الواجب الثابت؛ لأنّ كل نعمة منه فالطاعة واجبة له على كل منعم عليه. ويجوز أن يكون من الوصب، أي: وله الدين ذا كلفة ومشقة، ولذلك سمي تكليفاً. أو: وله الجزاء ثابتاً دائماً سرمداً لا يزول، يعني الثواب والعقاب.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

... ووصب الرجل على الأمر إذا واظب عليه...

والمعنى: طاعة الله واجبة أبدا...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان أسلوب الغيبة من الحاضر دالاً على التردي بحجاب الكبر، المؤذن بشدة البطش، وسرعة الانتقام، وبعد المقام، رجع إليه فقال تعالى: {وله} فأعاد الضمير على الله الاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى {ما في السَّماوات}...

ولما كان الأمر قد تأكد وتأطد، وظهر المراد منه غاية الظهور، لم يحتج إلى تأكيده بإعادة النافي، فقال تعالى: {والأرض} أي مما تعبدونه وغيره، فكيف يتصور أن يكون شيء من ذلك إلهاً وهو ملكه، مع كونه محتاجاً إلى الزمان والمكان وغيرهما {وله الدين} أي الخضوع والتذلل من كل ما فيهما ومن فيهما بالطوع والكره، بإنفاذ القضاء والقدر، بالصحة والسقم، والغنى والفقر، والحياة والموت، والإيجاد والإعدام، والإذلال والإعزاز، والإقبال والإعراض -كما بين آنفاً... وله الدينونة بالمجازاة {واصباً} أي دائماً ثابتاً عاماً لا كالملوك الذين تنقطع ممالكهم مع خصوصها، والمعبودات التي تنقطع عبادتها في وقت من الأوقات فتصير كاسدة بعد أن كانت رابحة وإن طال المدى، مع خصوصها بناس دون غيرهم، ولا يخلو يوم من الأيام لملك غيره، من جري أمور على غير مراده، وإن عظم سلطانه، وعلا شأنه، وكثرت أعوانه، فكيف يتصور من له أدنى بصر أن يكون غيره إلهاً... ولما تقرر هذا الدليل على هذه الصفة، وكان من مفهومات الدين الجزاء الناظر إلى الأفعال الواقية مما يضر، تسبب عنه الإنكار الشديد على من يلتفت بشيء من أفعاله إلى غيره بعد علمه بأنه دائم لا يزول، وأن كل ما سواه زائل، فقال معبراً بالتقوى التي هي نتيجة الرهبة: {أفغير الله} أي الذي له العظمة كلها {تتقون}...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

مناسبة موقع جملة {وله ما في السموات والأرض} بعد جملة {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} [سورة النحل: 51] أن الذين جعلوا إلهين جعلوهما النور والظلمة. وإذ كان النور والظلمة مظهرين من مظاهر السماء والأرض كان المعنى: أن ما تزعمونه إلهاً للخير وإلهاً للشرّ هما من مخلوقاته. وتقديم المجرور يفيد الحصر فدخل جميع ما في السماء والأرض في مفاد لام الملك، فأفاد أن ليس لغيره شيء من المخلوقات خيرها وشرّها. فانتفى أن يكون معه إله آخر لأنه لو كان معه إله آخر لكان له بعض المخلوقات إذ لا يعقل إله بدون مخلوقات. وضمير {له} عائد إلى اسم الجلالة من قوله: {وقال الله لا تتخذوا إلهين}. فعطفه على جملة {إنما هو إله واحد} [سورة النحل: 51] لأن عظمة الإلهية اقتضت الرّهبة منه وقصرها عليه، فناسب أن يشار إلى أن صفة المالكية تقتضي إفراده بالعبادة. وأما قوله: {وله الدين واصباً} فالدين يحتمل أن يكون المراد به الطاعة، من قولهم: دانت القبيلة للملك، أي أطاعته، فهو من متمّمات جملة {وله ما في السموات والأرض}، لأنه لما قَصَر الموجودات على الكون في ملكه كان حقيقاً بقصر الطاعة عليه، ولذلك قدّم المجرور في هذه الجملة على فعله كما وقع في التي قبلها. ويجوز أن يكون {الدين} بمعنى الديانة، فيكون تذييلاً لجملة {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين}، لأن إبطال دين الشرك يناسبه أن لا يدين الناس إلا بما يشرّعه الله لهم، أي هو الذي يشرّع لكم الدين لا غيره من أيمّة الضلال... قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [سورة الشورى: 21]. ويجوز أن يكون الدين بمعنى الجزاء كما في قوله تعالى: {ملك يوم الدين} [سورة الفاتحة: 4]، فيكون إدماجاً لإثبات البعث الذي ينكره أولئك أيضاً. والمعنى: له ما في السماوات والأرض وإليه يرجع من في السماوات والأرض لا يرجعون إلى غيره ولا ينفعهم يومئذٍ أحد. والواصب: الثابت الدائم، وهو صالح للاحتمالات الثلاثة، ويزيد على الاحتمال الثالث لأنه تأكيد لردّ إنكارهم البعث. وتفرّع على هاتين الجملتين التّوبيخ على تقواهم غيره، وذلك أنهم كانوا يتقون إله الشرّ ويتقرّبون إليه ليأمنوا شرّه...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وربما كان المراد من الدين معناه الشامل الذي يتسع للشريعة والعقيدة، فيكون المراد بالفقرة، أن الله يملك التشريع كله، وليس لأحدٍ غيره أن يشرّع أيّ حكمٍ أو يفرض أيّ أمرٍ، وله الطاعة في ذلك كله؛ لأن من يملك الأمر والنهي، يملك حق الالتزام بهما، فهو الذي يجب أن يُطاع ويُخاف ويُتقى {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ}، فما الذي يملكه غيره من القوّة، وما الذي يجعلكم تأمنون عذاب الله بانحرافكم عن خطه المستقيم؟...