تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا} (46)

قبضناه قبضا يسيرا : قليلا .

ثم يقبضه تدريجا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا} (46)

وقوله سبحانه : { ثُمَّ قبضناه إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } عطف على { مَدَّ } [ الفرقان : 45 ] داخل في حكمه أيضاً أي ثم أزلناه بعد ما أنشأناه ممتداً عند إيقاع شعاع الشمس موقعه أو بإيقاعه كذلك ومحوناه على مهل قليلاً قليلاً حسب سير الشمس ، وهذا ظاهر على القول بأن المراد بالظل ظل الشاخص من جبل ونحوه ، وأما على القول بأن المراد به ما بين الطلوعين فلأنه إذا عم لا يزول دفعة واحدة بطلوع الشمس في أفق لكريوة الأرض واختلاف الآفاق فقد تطلع في أفق ويزول ما عند أهله من الظل وهي غير طالعة في أفق آخر وأهله في طرف من ذلك الظل ومتى ارتفعت عن الأفق الأول حتى بانت من أفقهم زال ما عندهم من الظل فزوال الظل بعد عمومه تدريجي كذا قيل .

وقيل لا حاجة إلى ذلك فإن زواله تدريجي نظراً إلى أفق واحد أيضاً بناءً على أنه يبقى منه بعد طلوع الشمس ما لم يقع على موقعه شعاعها لمانع جبل ونحوه ويزول ذلك تدريجاً حسب حركة الشمس ووقوع شعاعها على ما لم يقع عليه ابتداء طلوعها ، وكأن التعبير عن تلك الإزالة بالقبض وهو كما قال الطبرسي : جمع الأجزاء المنبسطة لما أنه قد عبر عن الأحداث بالمد .

وقوله سبحانه : { إِلَيْنَا } للتنصيص على كون مرجع الظل إليه عز وجل لا يشاركه حقيقة أحد في إزالته كما أن حدوثه منه سبحانه لا يشاركه حقيقة فيه أحد ، وثم يحتمل أن تكون للتراخي الزماني وأن تكون للتراخي الرتبي نحو ما مر ، ومن فسر الظل بما كان يوم خلق الله تعالى السماء كالقبة ودحا الأرض من تحتها فألقت ظلها عليها جعل معنى { ثُمَّ جَعَلْنَا } [ الفرقان : 45 ] الخ ثم خلقنا الشمس وجعلناها مسلطة على ذلك الظل وجعلناها دليلاً متبوعاً له كما يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد وينقص ويمتد ويقلص ثم قبضناه قبضاً سهلاً لا عسر فيه .

ويحتمل أن يكون قبضه عند قيام الساعة بقرينة إلينا وكذا { يَسِيراً } وذلك بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تلقي الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه ، والتعبير بالماضي لتحققه ولمناسبة ما ذكر معه ، وثم للتراخي الزماني وفيه ما فيه كما أشرنا إليه .

ومن باب الإشارة : وفي قوله تعالى : { ثُمَّ قبضناه إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } [ الفرقان : 46 ] إشارة إلى أن كل مركب فإنه سينحل إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير ؛ وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه الذي هو شمس عالم الوجود . وهذا شأن الذاهبين من غيره سبحانه إليه عز وجل وفي قوله تعالى : { ثُمَّ قبضناه } إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا} (46)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ثم قبضناه إلينا} يعني: الظل {قبضا يسيرا}، يعني: خفيفا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"ثُمّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضا يَسِيرا" يقول تعالى ذكره: ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظلّ إلينا قبضا خفيا سريعا بالفيء الذي نأتي به بالعشيّ... وقيل: إن الهاء التي في قوله "ثُمّ قَبَضْناهُ إلَيْنا "عائدة على الظلّ، وإن معنى الكلام: ثم قبضنا الظلّ إلينا بعد غروب الشمس وذلك أن الشمس إذا غربت غاب الظلّ الممدود، قالوا: وذلك وقت قبضه.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله "يَسِيرا"؛

فقال بعضهم: معناه: سريعا...

وقال آخرون: بل معناه: قبضا خفيا... فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك، يتوجه لما روي عن ابن عباس ومجاهد، لأن سهولة قبض ذلك قد تكون بسرعة وخفاء. وقيل إنما قيل "ثُمّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قبْضا يَسِيرا" لأن الظلّ بعد غروب الشمس لا يذهب كله دفعة، ولا يقبل الظلام كله جملة، وإنما يقبض ذلك الظلّ قبضا خفيا، شيئا بعد شيء ويعقب كل جزء منه يقبضه، جزء من الظلام.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا} قال بعضهم: هينا خفيا. وأصله أنه يقبض بالشمس الظل، وينسخه شيئا فشيئا حتى تأتي على كله.

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

والقبض: جمع الأجزاء المنبسطة، وأراد ههنا النقل اللطيف..

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

وقبضه إليه: أنه ينسخه بضح الشمس {يَسِيراً} أي على مهل. وفي هذا القبض اليسير شيئاً بعد شيء من المنافع ما لا يعدّ ولا يحصر، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعاً.

فإن قلت: ثم في هذين الموضعين كيف موقعها؟ قلت: موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاثة: كان الثاني أعظم من الأوّل، والثالث أعظم منهما، تشبيهاً لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت. ووجه آخر: وهو أنه مدّ الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة، ودحا الأرض تحتها فألقت القبة ظلها على الأرض فيناناً ما في أديمه جوب لعدم النير، ولو شاء لجعله ساكناً مستقرّاً على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل، أي: سلطها عليه ونصبها دليلاً متبوعاً له كما يتبع الدليل في الطريق، فهو يزيد بها وينقص، ويمتدّ ويتقلص، ثم نسخه بها فقبضه قبضاً سهلاً يسيراً غير عسير. ويحتمل أن يريد: قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تبقى الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه، وقوله: قبضناه إلينا: يدلّ عليه، وكذلك قوله يسيراً، كما قال: {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [ق: 44].

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وفي مَدِّ الظل وقبضِه نعمةُ معرفة أوقات النهار للصلوات وأعمال الناس، ونعمةُ التناوب في انتفاع الجماعات والأقطار بفوائد شعاع الشمس وفوائد الفيء بحيث إن الفريق الذي كان تحت الأشعة يتبرد بحلول الظلّ، والفريق الذي كان في الظل ينتفع بانقباضه. هذا محل العبرة والمنّة اللتين تتناولهما عقول النّاس على اختلاف مداركهم. ووراء ذلك عبرة علمية كبرى توضحها قواعد النظام الشمسي وحركةُ الأرض حول الشمس وظهورُ الظلمة والضياء، فليس الظل إلا أثر الظلمة فإن الظلمة هي أصل كيفيات الأكوان ثم انبثق النور بالشمس ونشأ عن تداول الظلمة والنور نظام الليل والنهار وعن ذلك نظام الفصول وخطوط الطول والعرض للكرة الأرضية وبها عرفت مناطق الحرارة والبرودة. ومن وراء ذلك إشارة إلى أصل المخلوقات كيف طرأ عليها الإيجاد بعد أن كانت عدماً، وكيف يمتد وجودها في طور نمائها، ثم كيف تعود إلى العدم تدريجاً في طور انحطاطها إلى أن تصير إلى العدم، فذلك مما يشير إليه {ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً} فيكون قد حصل من التذكير بأحوال الظلّ في هذه الآية مع المنّة والدلالة على نظام القدرة تقريب لحالة إيجاد الناس وأحوال الشباب وتقدم السن، وأنهم عقب ذلك صائرون إلى ربّهم يوم البعث مصيراً لا إحالة فيه ولا بعد، كما يزعمون، فلما صار قبض الظل مثلاً لمصير الناس إلى الله بالبعث وُصف القبض بيسير تلميحاً إلى قوله: {ذلك حَشْر علينا يسير} [ق: 44].

وفي هذا التمثيل إشارة إلى أن الحياة في الدنيا كظل يمتد وينقبض وما هو إلا ظل. فهذان المَحملان في الآية من معجزات القرآن العلمية.