تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا} (45)

ألم تَرَ : ألم تنظر .

إلى ربك : إلى صنع ربك .

مد : بسط .

الظل : الخيال .

ساكنا : ثابتا على حاله لا يزول .

دليلا : علامة .

انظر إلى صنع ربك كيف بسَط الظلَّ ، وجعل الشمس سبباً لوجوده ، كما جعله مرافقاً لنور الشمس ، فإن مالت طال ، وان ارتفعت في السماء قصُر .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا} (45)

وقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل } الخ بيان لبعض دلائل التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها وضلالهم ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة للتقرير والرؤية بصرية لأنها التي تتعدى بإلى ، وفي الكلام مضاف مقدر حذف وأقيم المضاف إليه مقامه أي ألم تنظر إلى صنع ربك لأنه ليس المقصود رؤية ذات الله عز وجل ، وكون إلى اسماً واحداً الآلاء وهي النعم بعيداً جداً ، وجوز أن تكون علمية وليس هناك مضاف مقدر وتعديتها بإلى لتضمين معنى الانتهاء أي ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل والأول أولى .

وذكر بعض الأجلة أنه يحتمل أن يكون حق التعبير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك فعدل عنه إلى ما في «النظم الجليل » إشعاراً بأن المعقول المفهوم من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه ، وقال الفاضل الطيبي : لو قيل ألم تر إلى الظل كيف مده ربك كان الانتقال من الأثر إلى المؤثر والذي عليه التلاوة كان عكسه والمقام يقتضيه لأن الكلام في تقريع القوم وتجهيلهم في اتخاذهم الهوى إلها مع وضوح هذه الدلائل ولذلك جعل ما يدل على ذاته تعالى مقدماً على أفعاله في سائر آياته { وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اليل } [ الفرقان : 47 ] { وَهُوَ الذى أَرْسَلَ الرياح } [ الفرقان : 48 ] { وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا } [ الفرقان : 51 ] وروى السلمي في الحقائق عن بعضهم مخاطبة العام { أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ } [ الغاشية : 17 ] ومخاطبة الخاص { أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ } انتهى ، وفي الأرشاد لعل توجيه الرؤية إليه سبحانه مع أن المراد تقرير رؤيته عليه الصلاة والسلام لكيفية مد الظل للتنبيه على أن نظره عليه الصلاة والسلام غير مقصور على ما يطالعه من الآثار والصنائع بل مطمح أنظاره صلى الله عليه وسلم معرفة شؤون الصانع المجيد جل جلاله ولعل هذا هو سر ما روي عن السلمي ، وقيل : إن التعبير المذكور للإشعار بأن المقصود العلم بالرب علماً يشبه الرؤية ، ونقل الطبرسي عن الزجاج أنه فسر الرؤية بالعلم . وذكر أن الكلام من باب القلب ، والتقدير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك ولا حاجة إلى ذلك ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم وللإيذان بأن ما يعقبه من آثار ربوبيته تعالى ورحمته جل وعلا ، { وَكَيْفَ } منصوب بمد على الحالية وهي معلقة لتر إن لم تكن الجملة مستأنفة ، وفي «البحر » أن الجملة الاستفهامية التي يتعلق عنها فعل القلب ليس باقية على حقيقة الاستفهام وفيه بحث ، وذكر بعض الأفاضل أن كيف للاستفهام وقد تجرد عن الاستفهام وتكون بمعنى الحال نحو أنظر إلى كيف تصنع ، وقد جوزه الدماميني في هذه الآية على أنه بدل اشتمال من المجرور وهو بعيد انتهى ، ولا يخفى أنه يستغني على ذلك عن اعتبار المضاف لكنه لا يعادل البعد .

والمراد بالظل على ما رواه جماعة عن ابن عباس . ومجاهد وقتادة . والحسن . وأيوب بن موسى . وإبراهيم التيمي والضحاك . وأبي مالك الغفاري . وأبي العالية . وسعيد بن جبير ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وذلك أطيب الأوقات فإن الظلمة الخالصة تنفر عنها الطباع وتسد النظر وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر ، ومن هنا كان ظل الجنة مدوداً كما قال سبحانه : { وَظِلّ مَّمْدُودٍ } [ الواقعة : 30 ] .

وقيل : المراد به ما يكون من مقابلة كثيف كجبل أو بناء أو شجر للشمس عند ابتداء طلوعها ، ومد الظل من باب ضيق فم القربة ، فالمعنى ألم تنظر إلى صنع ربك كيف أنشأ ظلاً أي مظلاً كان عند ابتداء طلوع الشمس ممتداً إلى ما شاء الله عز وجل واختاره شيخ الإسلام . وتعقب ما تقدم بقوله : غير سديد إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظيم قدرة الله عز وجل وبالغ حكمته سبحانه فيما يشاهدونه فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس ، وما ذكر وإن كان في الحقيقة ظلاً للأفق الشرقي لكنهم لا يعدونه ظلاً ولا يصفونه بأوصافه المعهودة اه وفيه منع ظاهر ، وهو أظهر على ما ذكره أبو حيان في الاعتراض على ذلك من أنه لا يسمى ظلاً فقد قال الراغب وكفى به حجة في اللغة الظل ضد الضح وهو أعم من الفىء فإنه يقال : ظل الليل وظل الجنة ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس ظل ولا يقال الفىء إلا لما زال عنه الشمس انتهى ، وظاهر قوله تعالى : { وَظِلّ مَّمْدُودٍ } [ الواقعة : 30 ] في وصف الجنة يقتضي أنهم يعدون مثل ما ذكر ظلاً . وقيل : هو ما كان من غروب الشمس إلى طلوعها وحكي ذلك عن الجبائي . والبلخي . وقيل : هو ما كان يوم خلق الله تعالى السماء وجعلها كالقبة ودحا الأرض من تحتها فألقت ظلها عليها وليس بشيء ، وإن فسر { أَلَمْ تَرَ } بألم تعلم لما في تطبيق ما يأتي من تتمة الآية عليه من التكلف وارتكاب خلاف الظاهر ، وربما يفوت عليه المقصود الذي سيق له النظم الكريم ، وربما يختلج في بعض الأذهان جواز أن يراد به ما يشمل جميع ما يصدق عليه أنه ظل فيشمل ظل الليل وما بين الفجر وطلوع الشمس وظل الأشياء الكثيفة المقابلة للشمس كالجبال وغيرها فإذا شرع في تطبيق الآية على ذلك عدل عنه كما لا يخفى ، وللصوفية في ذلك كلام طويل سنذكر إن شاء الله تعالى شيئاً منه ، وجمهور المفسرين على الأول ، والقول الثاني أسلم من القال والقيل .

وقوله تعالى : { وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } جملة اعتراضية بين المتعاطفين للتنبيه من أول الأمر على أنه لا مدخل للأسباب العادية من قرب الشمس إلى الأفق الشرقي على الأول أو قيام الشاخص الكثيف على الثاني ، وإنما المؤثر فيه حقيقة المشيئة والقدرة ، ومفعول المشيئة محذوف وهو مضمون الجزاء كما هو القاعدة المستمرة في أمثال هذا التركيب أي ولو شاء جعله ساكناً لجعله ساكناً أي ثابتاً على حاله ظلاً أبداً كما فعل عز وجل في ظل الجنة أو لجعله ثابتاً على حاله من الطول والامتداد وذلك بأن لا يجعل سبحانه للشمس على نسخه سبيلاً بأن يطلعها ولا يدعها تنسخه أو بأن لا يدعها تغيره باختلاف أوضاعها بعد طلوعها ، وقيل : بأن يجعلها بعد الطلوع مقيمة على وضع واحد وليس بذاك ، وإنما عبر عن ذلك بالسكون قيل : لما أن مقابله الذي هو زواله لما كان تدريجياً كان أشبه شيء بالحركة ، وقيل : لما أن مقابله الذي هو تغير حاله حسب تغير الأوضاع بين الظل وبين الشمس يرى رأي العين حركة وانتقالاً .

وأفاد الزمخشري أنه قوبل مد الظل الذي هو انبساطه وامتداده بقوله تعالى : { سَاكِناً } والسكون إنما يقابل الحركة فيكون قد أطلق { مَدَّ الظل } على الحركة مجازاً من باب تسمية الشيء باسم ملابسه أو سببه كما قرره الطيبي وذكر أنه عدل عن حرك إلى مد مع أنه أظهر من مد في تناوله الانبساط والامتداد ليدمج فيه معنى الانتفاع المقصود بالذات وهو معرفة أوقات الصلوات فإن اعتبار الظل فيها بالامتداد دون الانبساط وتمم معنى الإدماج بقوله تعالى : { ثُمَّ قبضناه إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } [ الفرقان : 46 ] أي بالتدرج والمهل لمعرفة الساعات والأوقات وفيه لمحة من معنى قوله تعالى : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الاهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ } [ البقرة : 189 ] اه . ولا يبعد أن يقال : إن التعبير بمد لما أن الظل المذكور ظل الأفق الشرقي ، وقد اعتبر المشرق والمغرب طرفي جهتي الأرض طولاً والشمال والجنوب طرفي جهتيها عرضاً أو لأن ظهوره في الأرض وطول المعمور منها الذي يسكنه من يشاهد الظل أكثر من عرض المعمور منها إذ الأول كما هو المشهور نصف دور أعني مائة وثمانين درجة ، والثاني دون ذلك على جميع الأقوال فيه فيكون الظل بالنظر إلى الرائين في المعمور من الأرض ممتداً ما بين جهتي شرقيه وغربيه أكثر مما بين جهتي شماليه وجنوبيه ، وربما يقال : إن ذلك لما أن مبدأ الظل الفجر الأول وضوؤه يرى مستطيلاً ممتداً كذنب السرحان ويلتزم القول بأنه لا يذهب بالكلية وإن ضعف بل يبقى حتى يمده ضوء الفجر الثاني فيرى منبسطاً والله تعالى أعلم ، وقوله سبحانه : { ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً } عطف على { مَدَّ } داخل في حكمه أي ثم جعلنا طلوع الشمس دليلاً على ظهوره للحس فإن الناظر إلى الجسم الملون حال قيام الظل عليه لا يظهر له شيء سوى الجسم ولونه ثم إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم ظهر له أن الظل كيفية زائدة على الجسم ولونه .

والضد يظهر حاله الضد *** قاله الرازي . والطبري . وغيرهما ، وقيل : أي ثم جعلناها دليلاً على وجوده أي علة له لأن وجوده بحركة الشمس إلى الأفق وقربها منه عادة ولا يخفى ما فيه أو ثم جعلناها علامة يستدل بأحوالها المتغيرة على أحواله من غير أن يكون بينهما سببية وتأثير قطعاً حسبما نطق به الشرطية المعترضة ، ومن الغريب الذي لا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى المجيد أن على بمعنى مع أي ثم جعلنا الشمس مع الظل دليلاً على وحدانيتنا على معنى جعلنا الظل دليلاً وجعلنا الشمس دليلاً على وحدانيتنا .

والالتفات إلى نون العظمة للإيذان بعظم قدر هذا الجعل لما يستتبعه من المصالح التي لا تحصى أو لما في الجعل المذكور العاري عن التأثير مع ما يشاهد بين الظل والشمس من الدوران المطرد المنبىء عن السببية من مزيد الدلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة ، وثم إما للتراخي الرتبي ويعلم وجهه مما ذكر ، وإما للتراخي الزماني كما هو حقيقة معناها بناءً على طول الزمان بين ابتداء الفجر وطلوع الشمس

ومن باب الإشارة : وقيل في قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل } الآية أي ألم تر كيف مد ظل عالم الأجسام { وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } [ الفرقان : 45 ] في كتم العدم ثم جعلنا شمس عالم الأرواح على وجود ذلك الظل دليلاً بأن كانت محركة لها إلى غايتها المخلوقة هي لأجلها فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد ، وفي قوله تعالى : { ثُمَّ جَعَلْنَا } إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به تعالى على غيره سبحانه كقوله تعالى : { أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } [ فصلت : 53 ] وهذه مرتبة الصديقين .

وقوله سبحانه : { ثُمَّ قبضناه } كقوله تعالى : { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] { وَإِلاَّ إِلَى الله تَصِيرُ الامور } [ الشورى : 53 ] وبوجه آخر الظل حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس تجلي المعرفة من أفق العناية عند صباح الهداية ولو شاء سبحانه لجعله دائماً لا يزول ، وإنما يستدل على الذهول بالعرفان

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا} (45)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس {ولو شاء لجعله ساكنا} يقول تبارك وتعالى: لو شاء لجعل الظل دائما لا يزول إلى يوم القيامة، {ثم جعلنا الشمس عليه} يعني: على الظل {دليلا}، تتلوه الشمس فتدفعه، حتى تأتي على الظل كله.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"ألَمْ تَرَ يا محمد كَيْفَ مَدّ ربك الظّلّ"، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس...

قوله: "وَلَوْ شاءَ لجَعَلَهُ ساكِنا "يقول: ولو شاء لجعله دائما لا يزول، ممدودا لا تذهبه الشمس، ولا تنقصه...

وقوله: "ثُمّ جَعَلْنا الشّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً "يقول جلّ ثناؤه: ثم دللناكم أيها الناس بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه، أنه خلْق من خلق ربكم، يوجده إذا شاء، ويفنيه إذا أراد، والهاء في قوله «عليه» من ذكر الظلّ. ومعناه: ثم جعلنا الشمس على الظلّ دليلاً. قيل: معنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس التي تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذا كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها، نظير الحلو الذي إنما يعرف بالحامض، والبارد بالحارّ، وما أشبه ذلك... قال ابن زيد، في قول الله: "ثُمّ جَعَلْنا الشّمْسَ عَليْهِ دَلِيلاً" قال: أخرجت ذلك الظلّ فذهبت به.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ألم تر} قد ذكرنا في غير موضع أن حرف {ألم تر} هو حرف تعجيب واستفهام، لكنه في الحقيقة على الإيجاب؛ أي: قد رأيت.

{ألم تر إلى ربك} أي إلى تدبير ربك ولطفه: {كيف مد الظل} وهو لا يؤذي، ولا يضر، ولا يمس ولا يشعر به أحد، ولا يخف، ولا يستر، ولا يكشف عن وجود الأشياء، إنما النور هو الكاشف عن وجوه الأشياء، والظلمة هي الساترة لذلك. ونحو ذلك مما يكثر ذكره مما يحيط بالخلائق كلها ليعمل أن من المحسوسات التي تقع عليها الحواس ما لا تدرك حقيقته من نحو الظل الذي ذكرنا هو ما لا تدرك حقيقته، ومن نحو السمع والبصر والعقل والنطق، ليعلم أن الذي سبيل معرفته الاستدلال، وهو منشئ هذه الأشياء، أحق ألا يدرك، ولا يحاط بتدبيره ولطفه، ليعلم أن من بلغ تدبيره ولطفه هذا المبلغ، لا يحتمل أن يعجزه شيء، أو يخفى عليه شيء؛ يخبر عن قدرته و تدبيره ولطفه ليعلم أنه قادر ومدبر ولطيف بذاته.

{ولو شاء لجعله ساكنا} أي دائما، لا يذهب أبدا، ولا تصيبه الشمس، ولا يزول. وقال بعضهم: {ساكنا} أي مستقرا دائما، لا تنسخه الشمس كظل الجنة. {ثم جعلنا الشمس عليه دليلا}، قال بعضهم: أي تليه، وتتبعه، حتى تأتي على كله.

وقال بعضهم: قوله: {ثم جعلنا الشمس عليه دليلا}] يقول: حيثما تكن الشمس يكن الظل. وأصله: أنه بالشمس يعرف الظل أنه ظل، ولولا الشمس ما عرف الظل، فهي دليل معرفته وكونه أنه ظل.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ} ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته، ومعنى مدّ الظل: أن جعله يمتدّ وينبسط فينتفع به الناس {وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً} أي لاصقاً بأصل كل مظلّ من جبل وبناء وشجرة. غير منبسط فلم ينتفع به أحد: سمي انبساط الظل وامتداده تحركاً منه وعدم ذلك سكوناً، ومعنى كون الشمس دليلاً: أنّ الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في مسيرها على أحوال الظل، من كونه ثابتاً في مكان [و] زائلاً، ومتسعاً ومتقلصاً، فيبنون حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب ذلك..

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

المخاطب بهذا الخطاب وإن كان هو الرسول عليه السلام بحسب ظاهر اللفظ، ولكن الخطاب عام في المعنى، لأن المقصود من الآية بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في أنه يجب تنبههم لهذه النعمة وتمكنهم من الاستدلال بها على وجود الصانع...

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

أخبر تعالى أنه بسط الظل ومده، وأنه جعله متحركا تبعا لحركة الشمس، ولو شاء لجعله ساكنا لا يتحرك، إما بسكون المظهر له والدليل عليه، وإما بسبب آخر. ثم أخبر أنه قبضه بعد بسطه قبضا يسيرا، وهو شيء بعد شيء، لم يقبضه جملة فهذا من أعظم آياته الدالة على عظيم قدرته وكمال حكمته. فندب الرب سبحانه عباده إلى رؤية صنعته وقدرته وحكمته في هذا الفرد من مخلوقاته. ولو شاء لجعله لاصقا بأصل ما هو ظل له، من جبل وبناء وشجر وغيره، فلم ينتفع به أهله، فإن كان الانتفاع به تابع لمده وبسطه وتحوله من مكان إلى مكان. وفي مده وبسطه، ثم قبضه شيئا فشيئا: من المصالح والمنافع ما لا يخفى ولا يحصى. فلو كان ساكنا دائما، أو قبض دفعة واحدة، لتعطلت مرافق العالم ومصالحه به وبالشمس، فمد الظل وقبضه شيئا فشيئا لازم لحركة الشمس على ما قدرت عليه من مصالح العالم. وفي دلالة الشمس على الظلال: ما تعرف به أوقات الصلوات، وما مضى من اليوم، وما بقي منه. وفي تحركه وانتقاله: ما يبرد به ما أصابه من حر الشمس، وينفع الحيوانات والشجر والنبات، فهو من الآيات الدالة عليه.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{ألم تر} وأشار إلى عظم المقام وعلو الرتبة بحرف الغاية مع أقرب الخلق منزلة وأعلاهم مقاماً فقال: {إلى ربك} أي المحسن إليك، والأصل: إلى فعله؛ وأشار إلى زيادة التعجب من أمره بجعله في معرض الاستفهام فقال: {كيف مد الظل} وهو ظلمة ما منع ملاقاة نور الشمس، قال أبو عبيد: وهو ما تنسخه الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال. والظل هنا الليل لأنه ظل الأرض الممدود على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس بما قابل قرصها من الأرض حتى امتد بساطه، وضرب فسطاطه، كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم، وغفلة طباعهم نفوذَ أسماعهم.

{ولو شاء لجعله} أي الظل {ساكناً} بإدامة الليل لا تذهبه الشمس كما في الجنة لقوله {وظل ممدود} [الواقعة: 30] وإن كان بينهما فرق، ولكنه لم يشأ ذلك بل جعله متحركاً بسوق الشمس له. ولما كان إيجاد النهار بعد إعدامه، وتبيين الظل به غبّ إبهامه، أمراً عظيماً، وإن كان قد هان بكثرة الإلف، أشار إليه بأداة التراخي ومقام العظمة فقال: {ثم جعلنا} أي بعظمتنا {الشمس عليه دليلاً} أي يدور معها حيثما دارت، فلولا هي ما ظهر أن لشيء ظلاًّ، ولولا النور ما عرف الظلام، والأشياء تعرف بأضدادها..

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

في هذا الشوط يدع مقولات المشركين وجدالهم مع الرسول [صلى الله عليه وسلم] ليبدأ جولة في مشاهد الكون ومجاليه، يوجه إليها قلب الرسول ويصل بها مشاعره. وهذا الاتصال كاف وحده ليدفع خاطره عن مضايقات المشركين الصغيرة، ويفتح قلبه على تلك الآفاق الوسيعة التي يتضاءل معها كيد الكائدين وعداوة المجرمين.. والقرآن يوجه القلوب والعقول دائما إلى مشاهد هذا الكون؛ ويربط بينها وبين العقول والقلوب. ويوقظ المشاعر لاستقبالها بحس جديد متفتح، يتلقى الأصداء والأضواء، وينفعل بها ويستجيب، ويسير في هذا الكون ليلتقط الآيات المبثوثة في تضاعيفه، المنثورة في أرجائه، المعروضة في صفحاته، ويرى فيها يد الصانع المدبر، ويستشعر آثار هذه اليد في كل ما تقع عليه عينه، وكل ما يلمسه حسه، وكل ما يلتقطه سمعه، ويتخذ من هذا كله مادة للتدبر والتفكر، والاتصال بالله، عن طريق الاتصال بما صنعت يداه. وحين يعيش الإنسان في هذا الكون مفتوح العين والقلب، مستيقظ الحس والروح، موصول الفكر والخاطر؛ فإن حياته ترتفع عن ملابسات الأرض الصغيرة، وشعوره بالحياة يتسامى ويتضاعف معا. وهو يحس في كل لحظة أن آفاق الكون أفسح كثيرا من رقعة هذه الأرض؛ وأن كل ما يشهده صادر عن إرادة واحدة، مرتبط بناموس واحد، متجه إلى خالق واحد؛ وإن هو إلا واحد من هذه المخلوقات الكثيرة المتصلة بالله؛ ويد الله في كل ما حوله، وكل ما تقع عليه عينه، وكل ما تلمسه يداه. إن شعورا من التقوى، وشعورا من الأنس، وشعورا من الثقة لتمتزج في حسه، وتفيض على روحه، وتعمر عالمه، فتطبعه بطابع خاص من الشفافية والمودة والطمأنينة في رحلته على هذا الكوكب حتى يلقى الله. وهو يقضي هذه الرحلة كلها في مهرجان من صنع الله وعلى مائدة من يد الصانع المدبر الجميل التنسيق. وفي هذا الدرس ينتقل السياق من مشهد الظل اللطيف، ويد الله تمده ثم تقبضه في يسر ولطف. إلى مشهد الليل وما فيه من نوم وسبات، والنهار وما فيه من حركة وانبعاث. إلى مشهد الرياح تبشر بالرحمة ثم يعقبها الماء المحيي للموات. إلى مشهد البحرين الفرات والأجاج وبينهما برزخ يمنعهما ويحجز بينهما فلا يختلطان. ومن ماء السماء إلى ماء النطفة، وإذا هو بشر يصرف الحياة. إلى مشهد خلق السماوات والأرض في ستة أيام. إلى مشهد البروج في السماء وما فيها من سراج مضيء وقمر منير. إلى مشهد الليل والنهار يتعاقبان على مدار الزمان. وفي خلال هذه المشاهد الموحية يوقظ القلب وينبه العقل إلى تدبر صنع الله فيها، ويذكر بقدرته وتدبيره، ويعجب معه إشراك المشركين، وعبادتهم مالا ينفعهم ولا يضرهم، وجهلهم بربهم وتطاولهم عليه، وتظاهرهم على الكفر والجحود والنكران. فإذا هو تصرف عجيب مريب في وسط هذا الحشد المعروض من آيات الله، ومشاهد الكون الذي خلقه الله. فلنعش نحن لحظات في ذلك المهرجان الذي يدعونا الخالق البارئ المصور إليه في طول الحياة.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وفيه انتقال إلى الاستدلال على بطلان شركهم وإثبات الوحدانية لله، وهو من هذه الجهة متصل بقوله في أول السورة {واتخَذَوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً} [الفرقان: 3] الآية. وتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي أن الكلام متصل بنظيره من قوله تعالى: {قل أنزله الذي يعلم السرّ في السموات والأرض} [الفرقان: 6]. وما عطف عليه {قل أذلك خير} [الفرقان: 15] {وما أرسلنا قبلَك من المرسلين} [الفرقان: 20] {وكفى بربك هادياً} [الفرقان: 31] فكلها مخاطبات للنبيء صلى الله عليه وسلم وقد جُعل مَدُّ الظل وقبْضُه تمثيلاً لحكمة التدريج في التكوينات الإلهية والعدول بها عن الطَفْرَة في الإيجاد ليكون هذا التمثيل بمنزلة كبرَى القياسِ للتدليل على أن تنزيل القرآن منجَّماً جارٍ على حكمة التدرج لأنه أمكن في حصول المقصود، وذلك ما دل عليه قوله سابقاً {كذلك لنُثَبّت به فؤادك} [الفرقان: 32]. فكان في قوله: {ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظّل...} الآية زيادةٌ في التعليل على ما في قوله {كذلك لِنُثبّت به فؤادك} [الفرقان: 32]. ويستتبع هذا إيماءً إلى تمثيل نزول القرآن بظهور شمس في المواضع التي كانت مظلَّلة إذ قال تعالى: {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} فإن حال الناس في الضلالة قبل نزول القرآن تشبَّه بحال امتداد ظلمة الظل، وصار ما كان مظلّلاً ضاحياً بالشمس وكان زوال ذلك الظل تدريجاً حتى ينعدم الفيء. فنظم الآية بما اشتمل عليه من التمثيل أفاد تمثيل هيئة تنزيل القرآن منجَّماً بهيئة مدّ الظل مدرّجاً ولو شاء لجعله ساكناً. وكان نظْمُها بحمله على حقيقة تركيبه مفيداً العبرة بمد الظل وقبضِه في إثبات دقائق قدرة الله تعالى، وهذان المُفادان من قبيل استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه الذي ذكرناه في المقدمة التاسعة. وكان نظم الكلام بمعنى ما فيه من الاستعارة التصريحية من تشبيه الهداية بنور الشمس، وتقلّص ضلال الكفر بانقباض الظل بعد أن كان مديداً قبل طلوع الشمس. وبهذه النكتة عُطف قوله {ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً} إلى قوله {وجعل النهار نشوراً} [الفرقان: 47]. والاستفهام تقريري فهو صالح لطبقات السامعين: مِن غافل يُسأل عن غفلته ليُقِرَّ بها تحريضاً على النظر، ومِن جَاحد يُنكَر عليه إهماله النظر، ومن موفق يُحَثّ على زيادة النظر. والرؤية بصرية، وقد ضمن الفعل معنى النظر فعدّي إلى المرْئي بحرف (إلى). والمدّ: بسط الشيء المنقبض المتداخل يقال: مد الحبل ومد يده، ويطلق المد على الزيادة في الشيء وهو استعارة شائعة، وهو هنا الزيادة في مقدار الظل. ثم إذا كان المقصود بفعل الرؤية حالةً من أحوال الذات تصحّ رؤيتها فلك تعدية الفعل إلى الحالة كقوله تعالى: {ألم ترَ كيفَ فَعَل ربّك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً} [نوح: 15]، وصحّ تعديته إلى اسم الذات مقيّدة بالحالة المقصودة بحال أو ظرف أو صلة نحو {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} [الغاشية: 17] {ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه} [البقرة: 258] {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيء لهم ابعث لنا ملكاً} [البقرة: 246]. والفرق بين التعديتين أن الأولى يقصد منها العناية بالحالة لا بصاحبها، فالمقصود من آية سورة الفيل: الامتنان على أهل مكة بما حلّ بالذين انتهكوا حرمتَها من الاستئصال، والمقصود من آية سورة الغاشية العبرة بكيفية خلقه الإبل لِما تشتمل عليه من عجيب المنافع، وكذلك الآيتان الأخِيرتان. وإذ قد كان المقام هنا مقام إثبات الوحدانية والإلهية الحقّ لله تعالى، أوثرَ تعلق فعل الرؤية باسم الذات ابتداء ثم مجيء الحال بعد ذلك مجيئاً كمجيء بدل الاشتمال بعد ذكر المبدَل منه. وأما قوله في سورة نوح (15) {ألم تَروا كيف خلق الله} دون أن يقال: ألم تروا رَبَّكم كيف خلق، لأن قومه كانوا متصلبين في الكفر وكان قد جادلهم في الله غيرَ مرة فعَلِم أنه إن ابتدأهم بالدعوة إلى النظر في الوحدانية جعلوا أصابعهم في آذانهم فلم يسمعوا إليه فبادأهم باستدعاء النظر إلى كيفية الخلق. وعلى كل فإن {كيف} هنا مجردة عن الاستفهام وهي اسم دال على الكيفية فهي في محلّ بدل الاشتمال من {ربك}، والتقدير: ألم ترَ إلى ربك إلى هيئة مده الظل.

التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :

وبرغم اختلاف المفسرين في تأويل الظلّ والسكون في الآيتين الأوليين، فإن الذي نرجحه أن سامعي القرآن العرب قد فهموا المقصد منهما بقرينة الصيغة الاستفهامية التي فيها معنى التقرير ولفت النظر لأمر أو مشهد مسلّم به على سبيل الاستشهاد والاستدلال على قدرة الله تعالى.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وهذه جولةٌ مع آيات الله في الكون وفي الحياة، يريد الله للإنسان أن يفكر بها ليهتدي بها إلى وجوده ووحدانيته، من خلال ما توحي به من دلائل عظمته وما تثيره في الفكر من الانفتاح على عالم الإيمان والكفر والهدى والضلال في شخصية الإنسان، من خلال الإِيحاءات والإشارات التي تقرّب للإنسان الصورة في ذلك.