تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ} (48)

ثم يأخذ أصحاب الأعراف في تبكيت أهل النار من جهةِ ما كانوا يجمعون من جموعٍ ليصدُّوا عن سبيل الله ، وما كانوا يُبدون من استكبارٍ عن تقبُّل دعوة الحق . ولا ينسون توبيخهم من جهة موقفهم من المستضعَفِين من المؤمنين في الدنيا مثل بلالٍ وصُهيب وآلِ ياسر وغيرهم ، حيث كانوا يستهزئون بهم ويُقسمون الأيمان المغلّظة على أنهم لا يمكن أن يكونوا صالحين ، فقال تعالى : { ونادى أَصْحَابُ الأعراف } .

وهذا نداءٌ آخرُ من بعض أصحاب الأعراف لبعض المستكبِرين الّذين كانوا يعتزون في الدنيا بِغِناهم وقوتهم ، ويحتقرون ضعفاءَ المؤمنين لفقرِهم وضعف عصبيتهم . لقد كانوا يزعمون أن من أغناه الله وجعلَه قويّاً في الدنيا فهو الذي يكون له نعيمُ الآخرة . فيقولون لهم الآن : ما أفادَكُم جمعُكم الكثيرُ العدد ، ولا استكبارُكم على أهل الحق بسبب عصبيتّكم وغناكم ! ! ها أنتم أذِلاّءُ ترون حالهم وحالكم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ} (48)

{ ونادى أصحاب الاعراف } كرر ذكرهم مع كفاية الإضمار لزيادة التقرير . وقيل : لم يكتف بالإضمار للفرق بين المراد منهم هنا . والمراد منهم فيما تقدم فإن المنادي هناك الكل وهنا البعض . وفي إطلاق أصحاب الأعراف على أولئك الرجال بناءً على أن مآلهم إلى الجنة دليل على أن عنوان الصحبة للشيء لا يستدعي الملازمة له كما زعمه البعض { رِجَالاً } من رؤساء الكفرة كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل حين رأوهم فيما بين أصحاب النار { يَعْرِفُونَهُمْ بسيماهم } بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها من سواد الوجه وتشويه الخلق وزرقة العين كما قال الجبائي أو بصورهم التي كانوا يعرفونهم بها في الدنيا كما قال أبو مسلم أو بعلامتهم الدالة على سوء حالهم يومئذٍ وعلى رياستهم في الدنيا كما قيل ولعله الأولى . وأياً ما كان فالجار والمجرور متعلق بما عنده ويفهم من كلام بعضهم وفيه بعد أنه متعلق بنادى والمعنى نادوا رجالاً يعرفونهم في الدنيا بأسمائهم وكناهم وما يدعون به من الصفات .

{ قَالُواْ } بيان لنادى أو بدل منه { مَا أغنى عَنكُمْ } استفهام للتقريع والتوبيخ ويجوز أن يراد النفي أي ما كفاكم ما أنتم فيه { جَمْعُكُمْ } أتباعكم وأشياعكم أو جمعكم المال فهو مصدر مفعوله مقدر { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } أي واستكباركم المستمر عن قبول الحق أو على الخلق وهو الأنسب بما بعده . وقرىء { *تستكثرون } من الكثرة . و { فِى مَا } على هذه القراءة تحتمل أن تكون اسم موصول على معنى ما أغنى عنكم أتباعكم والذي كنتم تستكثرونه من الأموال . ويحتمل عندي أن تكون في القراءة السبعية كذلك والمراد بها حينئذٍ الأصنام . ومعنى استكبارهم إياها اعتقادهم عظمها وكبرها أي ما أغنى عنكم جمعكم وأصنامكم التي كنتم تعتقدون كبرها وعظمها .

( ومن باب الإشارة ) :{ ونادى أصحاب الاعراف رِجَالاً } [ الأعراف : 48 ] من رؤساء أهل النار ، وإطلاق الرجال عليهم وعلى أصحاب الأعراف كإطلاق المسيح على الدجال اللعين وعلى عيسى عليه السلام .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ} (48)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ونادى أصحاب الأعراف رجالا}، هم في النار، {يعرفونهم بسيماهم}، يعني بسواد الوجوه من القادة والكبراء، {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم} في الدنيا، {وما كنتم تستكبرون}، يعني وما أغنى عنكم ما كنتم تستكبرون عن الإيمان...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول جلّ ثناؤه: وَنادَى أصحَابُ الأعْرَافِ رِجالاً من أهل الأرض يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ، سيما أهل النار، "قالُوا ما أغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ "ما كنتم تجمعون من الأموال والعدد في الدنيا، "وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ" يقول: وتكبركم الذي كنتم تتكبرون فيها...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قال عامة أهل التأويل: يعرفون بسواد الوجوه وزرقة العيون، ولكن أمكن أن يعرفوا بالأعلام التي كانت لهم في الدنيا سوى سواد الوجوه؛ لأنهم يخاطبونهم بقوله: {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون} فلو لم يعرفوهم بآثار كانت لهم في الدنيا لم يكونوا يعاتبونهم بجمع الأموال والاستكبار في الدنيا، ولا يقال للفقراء ذلك، إنما يقال للأغنياء لأنهم هم الذين يجمعون الأموال، وهم المستكبرون على الخلق كقوله تعالى: {وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذّبين} [سبأ: 35]...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ونادى معناه: دعا، غير أن في (نادى) معنى امتداد الصوت ورفعه، "ما أغنى عنكم جمعكم "معناه ما نفعكم ذلك. وقيل في معنى الجمع قولان: احدهما -جماعتكم التي استندتم إليها. الثاني- جمعكم الأموال والعدد في الدنيا.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وقوله: {رجالاً} يريد من أهل النار، ويحتمل أن يكون هذا النداء وأهل النار في النار، فتكون معرفتهم بعلامات معرفة بأنهم أولئك الذين عرفوا الدنيا، ويحتمل أن يكون هذا النداء وهم يحملون إلى النار، فتكون السيما التي عرفوا بها أنهم أهل النار تسويد الوجوه وتشويه الخلق... وقيل: إن {ما} في قوله: {ما أغنى} استفهام بمعنى التقرير والتوبيخ، وقيل {ما} نافية والأول أصوب، و {جمعكم} لفظ يعم جموع الأجناد والخول وجمع المال لأن المراد بالرجال أنهم جبارون ملوك يَقَّررون يوم القيامة على معنى الإهانة والخزي، و {ما} الثانية: مصدرية، وقرأت فرقة «تستكثرون» بالثاء مثلثة من الكثرة...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

استغنى عن ذكر أهل النار لأجل أن الكلام المذكور لا يليق إلا بهم، وهو قولهم: {ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون} وذلك لا يليق إلا بمن يبكت ويوبخ، ولا يليق أيضا إلا بأكابرهم،... {وما كنتم تستكبرون} والمراد: استكبارهم عن قبول الحق، واستكبارهم على الناس المحقين...

وهذا كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف بوقوع أولئك المخاطبين في العقاب...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

...والذي يظهر أنهم يعرفونهم بسيماهم الخاصة التي كانوا عليها في الدنيا أو بسيما المستكبرين إذ ورد ما يدل على أن لكل من تغلب عليهم رذيلة خاصة صفة وعلامة تدل عليهم. وفي الصحيح "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة "فيعرفه فيشفع له فلا تقبل شفاعته.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

فالمقصود بهذه الآية ذكر شيء من أمر الآخرة، فيه نذارة وموعظة لجبابرة المشركين من العرب الذين كانوا يحقرون المستضعفين من المؤمنين، وفيهم عبيد وفقراء فإذا سمعوا بشارات القرآن للمؤمنين بالجنّة سكتوا عمن كان من أحرار المسلمين وسادتهم. وأنكروا أن يكون أولئك الضّعاف والعبيد من أهل الجنّة، وذلك على سبيل الفرض، أي لو فرضوا صدق وجود جنّة، فليس هؤلاء بأهل لسكنى الجنّة لأنّهم ما كانوا يؤمنون بالجنّة، وقصدهم من هذا تكذيب النّبيء صلى الله عليه وسلم وإظهار ما يحسبونه خَطلا من أقواله.