الأكابر : الرؤساء أصحاب النفوذ .
المجرم : فاعل الفساد والضرر . المكر : الخديعة ، وصرف المرء عن مقصده إلى غيره بالحيلة .
لا تعجب أيها النبيُّ ، إذا رأيتَ أكابر المجرمين في مكة يدبّرون الشر ويتفنّنون فيه . إن سنّة الله في الاجتماع البشري قد قضت أن يكون في كل مجتمع زعماء مجرمون يمكُرون بالرسل والمصلحين ، لكن عاقبة هذا المكر والإجرام لاحقة بهم ، منصّبة عليهم .
{ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } وإن كانوا لا يشعرون بذلك .
{ وكذلك } قيل أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها { جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ } من سائر القرى { أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } أو كما جعلنا أعمال أهل مكة مزينة لهم جعلنا في كل قرية ألخ ، وإلى الاحتمالين ذهب الامام الرازي . وجعل غير واحد جعل بمعنى صير المتعدية لمفعولين . واختلف في تعيينهما فقيل : { أكابر } مفعول أول و { مُجْرِمِيهَا } بدل منه ، وقيل : { أكابر } مفعول ثان و { مُجْرِمِيهَا } مفعول أول لأنها معرفة فيتعين أنه المبتدأ بحسب الأصل ، والتقدير جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر فيتعلق الجار والمجرور بالفعل .
واعترض أبو حيان كون { مُجْرِمِيهَا } بدلا من { أكابر } أو مفعول لا بأنه خطأ وذهول عن قاعدة نحوية وهي أن أفعل التفضيل يلزم أفراده وتذكيره إذا كان بمن الظاهر أو مقدره أو مضافا إلى نكرة سواء كان لمفرد مذكر أو لغيره فإن طابق ما هو له تأنيثا وجمعا وتثنيه لزمه أحد الأمرين إما الألف واللام أو الاضافه إلى معرفة و { أكابر } في التخريجين باق على الجمعية وهو غير معرف بأل ولا مضاف لمعرفة وذلك لا يجوز . وتعقبه الشهاب فقال : إنه غير وارد لأن أكابر وأصاغر أجرى مجرى الأسماء لكونه بمعنى الرؤساء كما نص عليه راغب وما ذكره إنما هو إذا بقى على معناه الأصلي . ويؤيده قول ابن عطية : انه يقال أكابر كما يقال أحمر وأحامرة كما قال
: ان الأحامرة الثلاث تعولت *** وإن رده أبو حيان بأنه لم يعلم أن أحداً من أهل اللغة والنحو أجاز في جمع أفضل أفاضلة وفيه نظر . وأما الجواب بأنه على حذف المضاف المعرفة للعلم به أي أكابر الناس أو أكابر أهل القرية فلا يخفى ضعفه اه . وظاهر كلام الزمخشري أن الظرف لغو و { أكابر } المفعولين مضاف لمجرميها و { لِيَمْكُرُواْ } المفعول الثاني .
وجوز بعضهم كون جعل متعدياً لواحد على أن المراد بالجعل التمكين بمعنى الإقرار في المكان والإسكان فيه ومفعوله { أكابر مُجْرِمِيهَا } بالإضافة ، ويفهم من كلام البعض أن احتمال الإضافة لا يجري إلا على تفسير جعلناهم بمكناهم ولا يخلو ذلك عن دغدغة . وقال العلامة الثاني بعد سرد عدة من الأقوال : والذي يقتضيه النظر الصائب أن { فِي كُلّ قَرْيَةٍ } لغو و { أكابر مُجْرِمِيهَا } مفعول أول و { لِيَمْكُرُواْ } هو الثاني ؛ ولا يخفى حسنه بيد أنه مبني على جعل الإشارة لأحد الأمرين اللذين أشير فيما سبق إليهما . وناقش في ذلك شيخ الإسلام وادعى أن الأقرب جعل المشار إليه الكفرة المعهودين باعتبار اتصافهم بصفاتهم والإفراد باعتبار الفريق أو المذكور ، ومحل الكاف النصب على أنه المفعول الثاني لجعلنا قدم عليه لإفادة التخصيص كما في قوله سبحانه :
{ كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ } [ النساء : 94 ] والأول : { أكابر مُجْرِمِيهَا } ، والظرف لغو أي ومثل أولئك الكفرة الذين هم صناديد مكة ومجرموها جعلنا في كل قرية أكابرها المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات المذكورين مزيناً لهم أعمالهم مصرين على الباطل مجادلين به الحق ليمكروا فيها أي ليفعلوا المكر فيها اه . ولا يخفى بعده . وتخصيص الأكابر لأنهم أقوى على استتباع الناس والمكر بهم . وقرىء { أكابر مُجْرِمِيهَا } وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقوله سبحانه : { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } اعتراض على سبيل الوعد له عليه الصلاة والسلام والوعيد للكفرة الماكرين أي وما يحيق غائلة مكرهم إلا بهم { وَمَا يَشْعُرُونَ } حال من ضمير { يَمْكُرُونَ } أي إنما يمكرون بأنفسهم والحال أنهم ما يشعرون بذلك أصلاً بل يزعمون أنهم يمكرون بغيرهم .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } ويكون ذلك سبباً لمزيد كمال العارفين حسبما تقدم في جعل الأعداء للأنبياء عليهم السلام . ويمكن أن يكون إشارة إلى ما في الأنفس أي { وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ } وجود الإنسان التي هي البدن { أكابر مُجْرِمِيهَا } من قوى النفس الأمارة { لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } بإضلال القلب { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } [ الأنعام : 123 ] لأن عاقبة مكرهم راجع إليهم ءافاقاً وأنفساً
ثم سلى الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ببيان أن المترفين فى كل زمان ومكان هم أعداء الإصلاح ، وأن ما لقيه صلى الله عليه وسلم من أكابر مكة ليس بدعا بل هو شىء رآه الأنبياء قبله على أيدى أمثال هؤلاء المترفين فقال - تعالى - : { وكذلك جَعَلْنَا . . . } .
أكابر : جمع أكبر ، وهم الرؤساء والعظماء فى الأمم . والمجرمون : جمع مجرم ، من أجرم إذا اكتسب أمرا قبيحا ، ومنه الجرم والجريمة للذنب والإثم .
والمعنى : وكما جعلنا فى قريتك مكة رؤساء دعاة إلى الكفر وإلى عداوتك جعلنا فى كل قرية من قرى الرسل من قبلك رؤساء من المجرمين مثلهم ليمكروا فيها ، ويتجبروا على الناس ، ثم كانت العاقبة للرسل ، فلا تبتئس يا محمد مما يصيبك من زعماء مكة فتلك طبيعة الحياة فى كل عصر ، أن يكون زعماء الأمم وكبراؤها أشد الناس عداوة للرسل والمصلحين .
قال الجمل : وقوله : { أَكَابِرَ } مفعول أول لجعل ، وأكابر مضاف ومجرميها مضاف إليه ، و { فِي كُلِّ قَرْيَةٍ } المفعول الثانى لجعل ، ووجب تقديمه ليصح عود الضمير عليه ، فهو على حد قوله :
كذا إذا عاد عليه مضمر . . . مما به عنه مبينا يخبر
هذا أحسن الأعاريب وهناك أوجه أخرى للأعراب لا تخلو من مقال .
وخص الأكابر بالمكر ، لأنهم هم الحاملون لغيرهم على الضلال ، وهم الذين يتبعهم الضعفاء فى كفرهم وفجورهم .
قال ابن كثير : والمراد بالمكر هنا دعاؤهم غيرهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال كقوله - تعالى - إخباراً عن قوم نوح { وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً } وكقوله : { وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول يَقُولُ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الهدى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا بَلْ مَكْرُ الليل والنهار إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } الآية . وقوله - سبحانه - { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } .
أى وما يمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون الرسل والمصلحين فى كل وقت إلا بأنفسهم ، حيث يعود ضرره عليهم وحدهم فى الدنيا والآخرة ولكنهم لانطماس بصيرتهم ، لا يشعرون بأن مكرهم سيعود عليهم ضرره ، بل يتوهمون أنهم سينجون فى مكرهم بغيرهم من الأنبياء والمصلحين .
فالجملة الكريمة بيان لسنة من سنن الله فى خلقه ، وهى أن المكر السىء لا يحيق إلا بأهله ، وفى ذلك تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم عما يصيبه منهم ، وبشارة له ، ولأصحابه بالنصر عليهم ، ووعيد لأولئك الماكرين بسوء المصير .
وجملة { وَمَا يَشْعُرُونَ } حال من ضمير يمكرون ، وهى تسجل عليهم بلاهتهم وجهالتهم حيث فقدوا الشعور بما من شأنه أن يعترف به كل عاقل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.