تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} (59)

المفاتح : جمع مفتح بفتح الميم ، ومفتاح .

بعد أن أمر الله تعالى الرسول أن يبين للمشركين أنه على بينة من ربه فيما بلّغهم من الوحي ، وأن ما يستعجلونه من العذاب ليس عنده ، وأن الله تعالى يقضي الحق ويقصه على رسوله ، عَمَد إلى وصف حقيقة الألوهية في مجال عميق من مجالاتها الفذة ، هو مجال الغيب المكنون . فيقول :

وعند الله علمُ جميع المغّيبات ، لا يحيط بها علماً إلا هو وحده ، ومن أظهره هو على بعض العلم كما جاء في سورة الجن { عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ } .

والمغّيبات قسمان :

مغيبات مطلقة لا يمكن أن يصل إليها العقل الإنساني ، ومنها ما يقع للإنسان في المستقبل من حوادث تتعلق به .

ومغيبات نسبية ، وهي ما يتعلق بأسرار الكون وما فيه ، وتسخيره لخدمة الإنسان ، فإن العلم بها قد يغيب أجيالا ثم يظهر من بعد . ومفاتح هذه المغيبات أيضا بيد الله ، يوفّق إليها من يشاء من عباده الذين يتعمقون في دراسة الكون . ومن ذلك الاختراعاتُ التي نرى بعض الناس يصلون إليها بعد جهد جهيد بتوفيق الله .

روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «الغيْبِ خَمْس : إن الله عندَهُ عِلمُ الساعةِ ، ويُنَزّلُ الغيْثَ ، ويعلَمُ ما في الأرحامِ ، وما تَدري نفسٌ ماذا تَكسِبُ غَداً ، وما تَدرِي نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت ، إن الله عَلِيمٌ خَبير » .

ويحيط علم الله كذلك بجميع الموجودات في البر والبحر ، ولا تسقط ورقة عن شجرةً إلا بعلمه ، ولا حبة ما في باطن الأرض ، ولا شيء رطب ولا يابس ، إلا هو في اللوح المحفوظ عند الله .

والخلاصة ، إن عند الله عِلمَ ما لا تعلمونه ، وعنده علم ما يعلمه جميعهم ، فهو يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} (59)

قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ، مفاتح الغيب خزائنه ، جمع مفتح . واختلفوا في مفاتح الغيب .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أنا أبو الحسن الطيسفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنا علي بن حجر ، أنا إسماعيل بن جعفر ، أنا عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ، لا يعلم ما تغيض الأرحام أحد إلا الله تعالى ، ولا يعلم ما في الغد إلا الله عز وجل ، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله ) .

وقال الضحاك ومقاتل : مفاتح الغيب خزائن الأرض ، وعلم نزول العذاب . وقال عطاء : ما غاب عنكم من الثواب والعقاب ، وقيل : انقضاء الآجال ، وقيل : أحوال العباد من السعادة ، والشقاوة ، وخواتيم أعمالهم ، وقيل : هي ما لم يكن بعد أنه يكون أم لا يكون ، وما يكون كيف يكون ، ومالا يكون أن لو كان كيف يكون ؟ وقال ابن مسعود : أوتي نبيكم علم كل شيء إلا علم مفاتيح الغيب .

قوله تعالى : { ويعلم ما في البر والبحر } ، قال مجاهد : البر : المفاوز والقفار ، والبحر : القرى والأمصار ، لا يحدث فيهما بشيء إلا يعلمه ، وقيل : هو البر والبحر المعروف . قوله تعالى : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } ، يريد ساقطة وثابتة ، يعني : يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر وما يبقى عليه ، وقيل : يعلم كم انقلبت ظهراً لبطن إلى أن سقطت على الأرض .

قوله تعالى : { ولا حبة في ظلمات الأرض } ، قيل : هو الحب المعروف في بطون الأرض ، وقيل : هو تحت الصخرة في أسفل الأرضين .

قوله تعالى : { ولا رطب ولا يابس } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : الرطب الماء ، واليابس البادية ، وقال عطاء : يريد ما ينبت وما لا ينبت ، وقيل : ولا حي ولا موات ، وقيل : هو عبارة عن كل شيء .

قوله تعالى : { إلا في كتاب مبين } ، يعني أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} (59)

قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين } .

المفاتح جمع مفتح بكسر الميم . وهو المفتاح . والمراد بالمفاتح : المفاتيح . والمفتاح عبارة عن كل ما يحل غلقا سواء كان محسوسا كالقفل ، أو معقولا كالنظر . والمفاتح في الآية استعارة عن التوصل إلى الغيوب ، أي أنه جعل للغيب مفاتح على سبيل الاستعارة ، لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن الموثوقة الإغلاق . والعالم بتلك المفاتيح يمكنه التوصل بها إلى ما في الخزائن . وكذلك الله سبحانه هنا لما كان عالما بجميع المعلومات والمغيبات عبر عن ذلك بقوله : { مفاتح } {[1184]} والمراد بالغيب ما غاب علمه عن الناس مما هو خفي ومستور ولا يعلمه إلا الله . وهو سبحانه العالم بالمغيبات من مجاهيل الأمور والحقائق والمخلوقات . وهو المكتشف المطلع على الأسرار والخفايا مما يستكن في بواطن الغيب والأشياء . الله تعالى عليم بذلك كله ، لا يند عن علمه وإحاطته وقدرته شيء صغيرا أو كبيرا ، ظاهرا أو مستورا . سواء كان في السماء أو الأرض . أو في أي مكان من بقاع هذا الكون الهائل . إن الله علام الغيوب لا يفوته ولا يعجزه خبر أو معلوم في أرجاء العالمين وفي ضمائر الأزمان جميعا .

إن هذه الحقائق الضخمة عن علم الله المطلق لهو مما يقتضيه قوله سبحانه : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } .

قوله : { ويعلم ما في البر والبحر } أي يعلم ما فيهما من الموجودات على كثرتها واختلاف أجناسها وأنواعها . فهو يعلم ما في البر الواسع من النبات والحب والنوى . وما يستكن في جوف الأرض من أصناف وألوان ومركبات ومذخورات . وكذلك يعلم ما في البر الهادر الزاخر من الدواب والأحياء والأرزاق .

قوله : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين } ذلك مما يرد في تفصيل الحقيقة الكبرى ، وهي علم الله بكل ماهو مخبوء في بطن الغيب . ومن جملة ذلك أنه ما من ورقة تسقط في الصحارى أو البراري ، ولا في الأمصار أو القرى أو الجبال أو السهول والبوادي إلا يعلمها الله . إذ يعلم أين سقطت ومتى كان سقوطها وكيف كان ذلك . وأوراق الأشجار والنبات كاثرة وزاخرة لا يعلم عدها غير باريها . ولا يدري أحد كيف تسقط الأوراق فرادى ومجتمعة . فإما أن يأتي عليها والموات في الخريف الواجم فتبرح أغصان النبات ساقطة على الأرض لتصبح بعد ذلك في جملة الهشيم الذي تذروه الرياح . أو أنها تصفق باشتداد وحماسة إذا ضربتها الرياح السافية بتيارها العاصف المنداح لتخر على الأرض ساقطة مفارقة . ومثل هاتيك الأخبار عن أشياء العالمين لا يدري بها إلا الله .

وكذلك ما يكون من حبة مطمورة مغمورة في باطن من بطون الأرض بكل أغوارها وطباقها ومجاهيلها الموغلة في الغيب – سواء في ذلك كله الرطب واليابس ، إلا هو مسطور في { كتب مبين } وهو علم الله . أو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه علم الأولين والآخرين ، سواء فيه الأعمار والأرزاق والأشياء وكل ما حواه الوجود من أخبار فإنه مسطور في الكتاب المبين{[1185]} .

ومما هو حقيق بالتنبيه أن الإنسان يهيم في عالم حافل بالمغيبات ، لا يدري منها شيئا . ومن جملة ذلك ما ينتظره من حوادث ووقائع وأشياء مما لا يعلم به قبل وقوعه . حتى إنه لا يعلم ما هو حائق به في مستقبله القريب الداني . وكذلك لا يعلم الإنسان عن مصيره المحتوم وهو داهية الموت . فمتى يحين هذا يحين هذا الأجل القاهر فتنتهي السالفة ليفضي المرء بعد ذلك إلى التراب . لا يعلم الإنسان عن الأوان الذي تحين فيه ساعة الفراق ولا الكيفية التي ينتهي فيها الأجل المنتظر وكذلك لا يدري الإنسان شيئا عن خبر الساعة . وهذه هي الداهية الكبرى . بل إنها الطامة التي تهون دونها كل الفوارق والدواهي . وهي مما استأثر به في علم الغيب عنده مما لا يعلمه الإنسان . إلى غير ذلك من صور الغيب المجهول الذي لا يعمله إلا من عنده مفاتح الغيب .


[1184]:- تفسير الرازي ج 13 ص 10 وتفسير القرطبي ج 7 ص 1.
[1185]:- روح المعاني ج 7 ص 171- 172.