هذا نداء لجميع الرسُل في كل زمان ومكان ، أن يأكلوا من الحلال الطيب ، وأن يعملوا في هذه الدنيا ويعمُروها ، فالعملُ من مقتضيات البشرية . فالرسُل كلُّهم يتلقَّون من عند الله لا فرقَ بين أحدٍ منهم والآخر .
وهذا النداء ، وإن كان موجَّهاً الى الرسُل والأنبياء فإنه أيضاً لأممهم جميعاً . فهو نداء لجميع الناس في جميع الأقطار أن يأكلوا من الحلال الطيب ، وأن يعمروا هذه الأرض ، بالأعمال الصالحة . ثم قال في ختام الآية : { إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } لا يخفى عليَّ شيء منها . وأنا مجازيكم على ما تعملون .
ولما بين أن عيسى عليه السلام على منهاج إخوانه من الرسل في الأكل والعبادة ، وجميع الأحوال ، زاد في تحقيق ذلك بياناً لمن ضل بأن اعتقد فيه ما لا يليق به ، فقال مخاطباً لجميعهم بعد إهلاك من عاندهم من قومهم على وجه يشمل ما قبل ذلك رداً لمن جعله موجباً لإنكار الرسالة ، وتبكيتاً لمن ابتدع الرهبانية من أمة عيسى عليه السلام ، إعلاماً بأن كل رسول قيل له معنى هذا الكلام فعمل به ، فكانوا كأنهم نودوا به في وقت واحد ، فعبر بالجمع ليكون أفخم له فيكون أدعى لقبوله : { يا أيها الرسل } من عيسى وغيره { كلوا } أنتم ومن نجيناه معكم بعد إهلاك المكذبين .
ولما علو عن رتبة الناس ، فلم يكونوا أرضيين ، لم يقل
{ مما في الأرض }[ البقرة : 168 ] وعن رتبة الذين آمنوا ، لم يقل
{ من طيبات ما رزقناكم }[ البقرة : 172 ] ليكنوا عابدين نظراً إلى النعمة أو حذراً من النقمة ، كما مضى بيانه في سورة البقرة ، بل قال : { من الطيبات } أي الكاملة التي مننت عليكم بخلقها لكم وإحلالها وإزالة الشبه عنها وجعلها شهية للطبع ، نافعة للبدن ، منعشة للروح ، وذلك ما كان حلاًّ غير مستقذر لقوله تعالى
{ يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث }[ الأعراف : 157 ] . ودل سبحانه على أن الحلال عون على الطاعة بقوله : { واعملوا صالحاً } أي سراً وجهراً غير خائفين من أحد ، فقد أهلكت عدوكم وأورثتكم أرضكم ، ولم يقيد عملكم بشكر ولا غيره ، إشارة إلى أنه لوجهه ليس غير ، فإنهم دائماً في مقام الشهود ، في حضرة المعبود ، والغنى عن كل سوى حتى عن الغنى ، ثم حثهم على دوام المراقبة بقوله : { إني بما } أي بكل شيء { تعملون عليم* } أي بالغ العلم .
قوله تعالى : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ( 51 ) وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ( 52 ) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون ( 53 ) فذرهم في غمرتهم حتى حين ( 54 ) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ( 55 ) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ( 56 ) }
خوطب كل نبي بهذه المقالة . فهذه هي طريقة النبيين التي ينبغي أن يكونوا عليها من أكل الطيبات ، والمراد بها الحلال الذي طيبه الله وأن يجتهدوا ما استطاعوا لعمل الصالحات . فإن الله مطلع على أخبارهم وأفعالهم ، رقيب على ما يعملون . وعلى المؤمنين أن يجتنبوا أكل الحرام ؛ فإن مرتعه وخيم ولا يصير بصاحبه إلا إلى جهنم ليكون زاده من النار .
فقد ثبت في صحيح مسلم والترمذي ومسند أحمد عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله ( ص ) : " يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ) وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام ، وملبسه حرام ، وغُذي بالحرام ، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ، فأنى يستجاب لذلك " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.