فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} (51)

{ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ { 51 ) }

{ الطيبات } جمع طيب ، وهو ما يستطاب ويستلذ ؛ أو : الحلال ؛ وقيل : حلال لا يعصى الله فيه ، وصاف لا ينسى الله فيه ، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل .

جائز أن يكون في الكلام مقدرا ؛ أي : وقلنا : يا أيها الرسل كلوا مما يطيب ويستلذ من رزق الله تعالى ونعمته والأمر عليه للإباحة والترفيه ، وفيه إبطال للرهبانية التي ابتدعها النصارى{[2341]} خوطب كل واحد منهم عليهم السلام في عصره ؛ أو الأمر هنا مراد به تحري الحلال ، فيكون الأمر تكليفيا ؛ ويشهد لهذا المعنى أن الآية عقبت بالقول الرباني الكريم : { . . . واعملوا صالحا } .

كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : { يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } وقال : { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم . . ){[2342]} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " ؟ {[2343]} كما جاء الأمر بوجوب العمل الصالح وتقديم الأمر بأكل الحلال لأن أكل الحلال معين على العمل الصالح و . . { إني بما تعملون } من الأعمال الظاهرة والباطنة { عليم } فأجازيكم عليه ؛ وفي البحر : أن هذا تحذير للرسل عليهم السلام ، في الظاهر ، والمراد أتباعهم{[2344]} [ إني بأعمالكم ذو علم لا يخفى علي منها شيء ، وأنا مجازيكم بجميعها ، وموفيكم أجوركم وثوابكم عليها ، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا ]{[2345]} .


[2341]:ما بين العارضتين مما أورد الألوسي.
[2342]:سورة البقرة. من الآية 172.
[2343]:روي عن أم عبد الله أخت شداد بن الأوس أنها بعثت رسول الله عليه السلام بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره صلى الله عليه وسلم وهو صائم، فرده الرسول إليها وقال:: من أين لك هذا؟" فقالت: من شاة؛ ثم رده وقال: "من أين هذه الشاة"؟ فقالت اشتريتها بمالي؛ فأخذه؛ ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا صالحا"، أخرجه أحمد في الزهد؛ والحاكم وصححه.
[2344]:ما بين العارضتين مما أورد الألوسي.
[2345]:مما أورد الطبري.