ثم يأخذ أصحاب الأعراف في تبكيت أهل النار من جهةِ ما كانوا يجمعون من جموعٍ ليصدُّوا عن سبيل الله ، وما كانوا يُبدون من استكبارٍ عن تقبُّل دعوة الحق . ولا ينسون توبيخهم من جهة موقفهم من المستضعَفِين من المؤمنين في الدنيا مثل بلالٍ وصُهيب وآلِ ياسر وغيرهم ، حيث كانوا يستهزئون بهم ويُقسمون الأيمان المغلّظة على أنهم لا يمكن أن يكونوا صالحين ، فقال تعالى : { ونادى أَصْحَابُ الأعراف } .
وهذا نداءٌ آخرُ من بعض أصحاب الأعراف لبعض المستكبِرين الّذين كانوا يعتزون في الدنيا بِغِناهم وقوتهم ، ويحتقرون ضعفاءَ المؤمنين لفقرِهم وضعف عصبيتهم . لقد كانوا يزعمون أن من أغناه الله وجعلَه قويّاً في الدنيا فهو الذي يكون له نعيمُ الآخرة . فيقولون لهم الآن : ما أفادَكُم جمعُكم الكثيرُ العدد ، ولا استكبارُكم على أهل الحق بسبب عصبيتّكم وغناكم ! ! ها أنتم أذِلاّءُ ترون حالهم وحالكم .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ونادى أصحاب الأعراف رجالا}، هم في النار، {يعرفونهم بسيماهم}، يعني بسواد الوجوه من القادة والكبراء، {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم} في الدنيا، {وما كنتم تستكبرون}، يعني وما أغنى عنكم ما كنتم تستكبرون عن الإيمان...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول جلّ ثناؤه: وَنادَى أصحَابُ الأعْرَافِ رِجالاً من أهل الأرض يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ، سيما أهل النار، "قالُوا ما أغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ "ما كنتم تجمعون من الأموال والعدد في الدنيا، "وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ" يقول: وتكبركم الذي كنتم تتكبرون فيها...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال عامة أهل التأويل: يعرفون بسواد الوجوه وزرقة العيون، ولكن أمكن أن يعرفوا بالأعلام التي كانت لهم في الدنيا سوى سواد الوجوه؛ لأنهم يخاطبونهم بقوله: {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون} فلو لم يعرفوهم بآثار كانت لهم في الدنيا لم يكونوا يعاتبونهم بجمع الأموال والاستكبار في الدنيا، ولا يقال للفقراء ذلك، إنما يقال للأغنياء لأنهم هم الذين يجمعون الأموال، وهم المستكبرون على الخلق كقوله تعالى: {وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذّبين} [سبأ: 35]...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
ونادى معناه: دعا، غير أن في (نادى) معنى امتداد الصوت ورفعه، "ما أغنى عنكم جمعكم "معناه ما نفعكم ذلك. وقيل في معنى الجمع قولان: احدهما -جماعتكم التي استندتم إليها. الثاني- جمعكم الأموال والعدد في الدنيا.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقوله: {رجالاً} يريد من أهل النار، ويحتمل أن يكون هذا النداء وأهل النار في النار، فتكون معرفتهم بعلامات معرفة بأنهم أولئك الذين عرفوا الدنيا، ويحتمل أن يكون هذا النداء وهم يحملون إلى النار، فتكون السيما التي عرفوا بها أنهم أهل النار تسويد الوجوه وتشويه الخلق... وقيل: إن {ما} في قوله: {ما أغنى} استفهام بمعنى التقرير والتوبيخ، وقيل {ما} نافية والأول أصوب، و {جمعكم} لفظ يعم جموع الأجناد والخول وجمع المال لأن المراد بالرجال أنهم جبارون ملوك يَقَّررون يوم القيامة على معنى الإهانة والخزي، و {ما} الثانية: مصدرية، وقرأت فرقة «تستكثرون» بالثاء مثلثة من الكثرة...
استغنى عن ذكر أهل النار لأجل أن الكلام المذكور لا يليق إلا بهم، وهو قولهم: {ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون} وذلك لا يليق إلا بمن يبكت ويوبخ، ولا يليق أيضا إلا بأكابرهم،... {وما كنتم تستكبرون} والمراد: استكبارهم عن قبول الحق، واستكبارهم على الناس المحقين...
وهذا كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف بوقوع أولئك المخاطبين في العقاب...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
...والذي يظهر أنهم يعرفونهم بسيماهم الخاصة التي كانوا عليها في الدنيا أو بسيما المستكبرين إذ ورد ما يدل على أن لكل من تغلب عليهم رذيلة خاصة صفة وعلامة تدل عليهم. وفي الصحيح "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة "فيعرفه فيشفع له فلا تقبل شفاعته.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
فالمقصود بهذه الآية ذكر شيء من أمر الآخرة، فيه نذارة وموعظة لجبابرة المشركين من العرب الذين كانوا يحقرون المستضعفين من المؤمنين، وفيهم عبيد وفقراء فإذا سمعوا بشارات القرآن للمؤمنين بالجنّة سكتوا عمن كان من أحرار المسلمين وسادتهم. وأنكروا أن يكون أولئك الضّعاف والعبيد من أهل الجنّة، وذلك على سبيل الفرض، أي لو فرضوا صدق وجود جنّة، فليس هؤلاء بأهل لسكنى الجنّة لأنّهم ما كانوا يؤمنون بالجنّة، وقصدهم من هذا تكذيب النّبيء صلى الله عليه وسلم وإظهار ما يحسبونه خَطلا من أقواله.
قوله تعالى : { و نادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون 48 أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } .
أي نادى أصحاب الأعراف رجالا من أهل الأرض ، من رؤساء الكفر كأبي جهل والوليد بن المغيرة وأبي خلف وغيرهم من قادة الكافرين في الدنيا ؛ إذ رآهم أصحاب الأعراف فيما بين أهل النار ، وهم يعرفونه بعلامتهم الدالة على ظلمهم وخسرانهم ، وأنهم حصب جهنم وذلك مما يعلو وجوههم من العبوس والسواد { ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } ذلك استفهام توبيخ وتعنيف . وقيل : ما نافية . أي ما كفاكم ولا نفعكم جمعكم وهم أباعكم وأشياعكم . أو جمعكم من المال واستكباركم عن قبول الحق وعن التصديق بدعوة الله . ذلك كله لم ينفعكم ولم يجد لكم شيئا ، الآن فقد خسرتم آخرتكم هذه وضعتموها بعوض بخس وهي الدنيا الفانية .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.