تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (99)

{ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } .

هل جَهِلوا سُنّة الله في المكذّبين ، فأمِنوا عذابه ليلا أو نهارا ؟ إنه لا يجهل تدبير الله وقُدرتَه في عقوبة المكذّبين برسُله إلا الذين خسروا أنفسَهم غباءً ، فلم يفقهوا ما فيه سعادتهم .

فلا يجوز لأحد أن يأمن مكر الله ويظلّ مسترسلاً في المعاصي ، اتّكالاً على عفوه ومغفرته ورحمته . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بقوله : «اللهم يا مقلّبَ القلوب والأبصار ثبِّتْ قلبي على دينك » وقد بين لنا الله تعالى أن الراسخين في العلم يدعونه فيقولون : { ربّنا لا تُزِغْ قلوبنا بعد إذ هديتَنا وهبْ لنا من لدُنْك رحمة } .

وكما أن الآمن من مكر الله خُسران ومفسدة ، فاليأس من رحمة الله كذلك . لذا وجب أن يظل المؤمن بين الخوف والرجاء دائما .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (99)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

يعني عذاب الله، {إلا القوم الخاسرون}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 97]

يقول تعالى ذكره: أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذّبون الله ورسوله ويجحدون آياته، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قصّ عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجا مع مقامهم على كفرهم وإصرارهم على معصيتهم إلاّ القوم الخاسرون وهم الهالكون.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

المكر في الشاهد هو أن يراقب من عدوّه حال غفلة لينتقم منه، وينتصر. فإذا كان ما ذكرنا، سمّى ما ينزل بهم من العذاب في حال الغفلة مكرا،... وقوله تعالى: {أفأمنوا مكر الله} هو جزاء مكرهم؛ سمّى جزاء المكر مكرا [كما] سمّى جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء، وإن لم يكن الثاني اعتداء ولا سيئة...

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

ومعني (مكر) استدراج القوم بما أراهم في دنياهم. قال قتادة: مكر الله استدراجه بطول الصحة وتظاهر النعم، وقال عطيّة: يعني أخذه وعذابه...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ومعنى الآية الإبانة عما يجب أن يكون عليه المكلف من الخوف لعقاب الله، ليسارع إلى طاعته واجتناب معاصيه، ولا يستشعر الأمن من ذلك، فيكون قد خسر في دنياه وآخرته بالتهالك في القبائح.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

يقال مَنْ عرف علوّ قدره -سبحانه- خشي خفيّ مكره، ومَنْ أمِنَ خفيّ مكره نَسِيَ عظيم قَدْرِه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ومكر الله: استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر، ولاستدراجه. فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله، كالمحارب الذي يخاف من عدوّه الكمين والبيات والغيلة.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

.. و {مكر الله} هي إضافة مخلوق إلى الخالق كما تقول: ناقة الله وبيت الله، والمراد فعل يعاقب به مكرة الكفار، وأضيف إلى الله لما كان عقوبة الذنب فإن العرب تسمي العقوبة على أي وجه كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة، وهذا نص في قوله {ومكروا ومكر الله}، وهذا الموضع أيضاً كان كفرهم بعد الرسالة وظهور دعوة الله مكر وخديعة واستخفاف.

وقيل عومل في مثل هذا وغيره اللفظ دون المعنى في مثل قوله {الله يستهزئ بهم} و «أن الله لا يمل حتى تملوا» وغير ذلك.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

... ويدل قوله: {أفأمنوا مكر الله} أن المراد أن يأتيهم عذابه من حيث لا يشعرون. قاله على وجه التحذير، وسمي هذا العذاب مكرا توسعا، لأن الواحد منا إذا أراد المكر بصاحبه، فإنه يوقعه في البلاء من حيث لا يشعر به، فسمي العذاب مكرا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون، وبين أنه لا يأمن من نزول عذاب الله على هذا الوجه {إلا القوم الخاسرون} وهم الذين لغفلتهم وجهلهم لا يعرفون ربهم، فلا يخافونه، ومن هذه سبيله، فهو أخسر الخاسرين في الدنيا والآخرة، لأنه أوقع نفسه في الدنيا في الضرر، وفي الآخرة في أشد العذاب.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

ولهذا قال الحسن البصري، رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مُشْفِق وَجِل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان ضلالهم -الذي نسبوا فيه الأمر إلى غير أهله- أشنع ضلال لتضمنه التعطيل وما يجر إليه من الأباطيل، كرر الإنكار عليهم على وجه أشد من الأول فقال مسبباً الإنكار عما أثبت هذا الكلام من العظمة التي لا يتمارى فيها ذو لب: {أفأمنوا مكر الله} أي فعله الذي يشبه المكر بأخذ الإنسان من حيث لا يشعر بالاستدراج بما يريد من النعم والنقم؛ وسبب عن ذلك قوله: {فلا يأمن مكر الله} أي الذي لا أعظم منه فلا يرد له أمر {إلا القوم الخاسرون} أي الذين كانت قواهم سبباً لعراقتهم في الأفعال الضارة والخصال المهلكة.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} قال الراغب المكر صرف الغير عما تقصده بحيلة. وقسمه إلى محمود ومذموم. وأصح منه وأدق قولنا في تفسير {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [آل عمران: 54]: المكر في الأصل التدبير الخفي المفضي بالممكور به إلى ما لا يحتسب. وقفينا على هذا التعريف ببيان السيئ والحسن من المكر ولو الأكثر فيه أن يكون سيئا كالشأن غيره من الأمور التي يتحرى إخفاؤها، وفيه أن مكر الله تعالى وهو تدبيره الذي يخفى على الناس إنما يكون بإقامة سننه وإتمام حكمه، وكلها خير في أنفسها وإن قصر كثير من الناس في الاستفادة منها بجهلهم وسوء اختيارهم اه والمراد بالجهل ما يتعلق بصفات الله تعالى وسننه اغترارا بالظواهر، كأن يغتر القوي بقوته، والغني بثروته، والعالم بعلمه والعابد بعبادته، فيخطئ تقديره ما قدره الله تعالى فيظن أن ما عنده يبقى، وما يترتب عليه من الآثار في ظنه لا يتخلف، كما أخطأ الألمان في تقدير قوتهم وقوة من يقاتلهم من الدول فلم يحسبوا أن تكون دولة الولايات المتحدة منهم.

والمعنى أكان سبب أمنهم إتيان بأسنا بياتا أو ضحى وهم غافلون أنهم أمنوا مكر الله بهم بإتيانهم من حيث لم يحتسبوا ولم يقدروا؟ إن كان الأمر كذلك فقد خسروا أنفسهم فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. وقد سبق الكلام في خسران النفس في غير هذا الموضع.

وإذا كان أمن العالم المدبر والصالح المتعبد من مكر الله تعالى جهلا يورث الخسر، فكيف حال من يأمن مكر الله وهو مسترسل في معاصيه اتكالا على عفوه ومغفرته ورحمته؟ قال تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} [فصلت: 23] فأعلم الناس بالله وأعبدهم له وأقربهم إليه هم أبعد خلقه عن الأمن من مكره، إذ لا يصح أن يأمن منه إلا من أحاط بعلمه ومشيئته وليس هذا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} [طه: 110] ألم تر إلى الرسل الكرام كيف كانوا يستثنون مشيئته حتى فيما عصمهم منه؟ كقول شعيب الذي حكاه الله عنه قبيل هذه الآيات {قد افترينا على اللّه كذبا إن عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا اللّه منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلّا أن يشاء اللّه ربّنا وسع ربّنا كلّ شيء علما على اللّه توكّلنا} [الأعراف: 89] وقد كان أصلح البشر وخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بقوله "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك "كما ثبت في الصحاح وقد ذكر تعالى أن الراسخين في العلم يدعونه بقوله: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} [آل عمران: 8] وقال: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] ويقابل الأمن من مكر الله ضده وهو اليأس من رحمة الله. فكل منهما مفسدة تتبعها مفاسد كثيرة.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والخسران هنا هو إضاعة ما فيه نفعهم بسوء اعتقادهم، شُبه ذلك بالخسران وهو إضاعة التاجر رأس ماله بسوء تصرفه، لأنهم باطمئنانهم إلى السلامة الحاضرة، وإعراضهم عن التفكر فيما يعقبها من الأخذ الشبيه بفعل الماكر قد خسروا الانتفاع بعقولهم وخسروا أنفسهم... واعلم أن المراد بأمن مكر الله في هذه الآية هو الأمن الذي من نوع أمن أهل القرى المكذبين، الذي ابتُدئ الحديث عنه من قوله: {وما أرسلنا في قرية من نبيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضّراء لعلهم يضرّعون} [الأعراف: 94] ثم قوله: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً} الآيات، وهو الأمن الناشئ عن تكذيب خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الغرور بأن دين الشرك هو الحق فهو أمن ناشئ عن كفر، والمأمون منه هو وعيد الرسل إياهم وما أطلق عليه أنه مكر الله. ومن الأمن من عذاب الله أصنْاف أخرى تُغاير هذا الأمن، وتتقارب منه، وتتباعد، بحسب اختلاف ضمائر الناس ومبالغ نياتهم...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

إن المؤمن يتفطن دائما لمقام قدرته تعالى بجوار قدرته، وإذا عصى يتوقع عذاب الله تعالى من عصيانه، ويتخوف ولا يأمن أن تنزل به العقوبة، وإن المؤمن لفرط حسه بمعصيته، وإيمانه بالله يخاف دائما عذابه، ولا يرجوا إهماله وقد عصاه؛ ولذا كان من المبادئ الصوفية (تغليب) الخوف على الرجاء؛ لأن الخوف من غير إسراف على النفس من ورائه التقوى، والرجاء من غير أسبابه يفضي إلى الغرور، ووراء الغرور الاستهانة بأمر الله تعالى ونهيه. والكافر يعصي، ويرى عصيانه حسنا، وينسى قوة الله، وأنه يعاند ويحارب أمره ونهيه، ناسيا أنه يعاند القوي القهار الذي هو غالب كل شيء، وأنه لا إرادة لمخلوق بجوار إرادته – سبحانه وتعالى – وعلى ذلك يأمن عذاب الله وتدبيره، وغن ذلك هو الخسران المبين؛ ولذا حكم الله تعالى بأنه: {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}. وحكم الله تعالى بخسارتهم، مؤكدا الخسارة بالقصر، وأن الخسارة مقصورة عليهم، وخسارتهم في أنهم خسروا أنفسهم فليسوا في حال عقلية مدركة، وخسروا أنفسهم بالاستمرار على غيهم، وخسروا بالعذاب الأليم الذي ينزل والله سبحانه هو الذي يقي المؤمنين شر الغفلة والنسيان وأن عذاب الله، وجعلهم في فطنة دائمة واعتبار بأمر الله ونهيه، وهو الهادي إلى سواء السبيل...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ} في ما يدبّره ويقضيه ويقدّره ضدّ هؤلاء الذين عاشوا الكبرياء والخيلاء والشعور بالقدرة المطلقة في ما يمكرون ويخططون من خطط الاحتيال، وكيف يغفلون عن إحاطة الله بهم من كل جانب، ويأمنون مكره؟ {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} الذين لا يعيشون الخوف منه، ولا يستعدّون للتراجع عن المواقف التي تثير ذلك كله، فيخسرون دنياهم وآخرتهم.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

إنّ عدم الأمن من المكر الإِلهي في الحقيقة يعني الخوف من المسؤوليات والخوف من التقصير فيها، ومن المعلوم أن الخوف يجب أن يكون في قلوب المؤمنين دائماً إلى جانب الأمل بالرحمة الإلهية بشكل متساو، وأن التوازن بين هذين هو منشأ كلّ حركة ونشاط، وهو الذي يعبّر عنه في الرّوايات بالخوف والرجاء. وقد جاء التصريح في هذه الرّوايات بوجوب أن يكون المؤمنون دائماً بين الخوف والرجاء، ولكن المجرمين الخاسرين نسوا العقوبات الإِلهية بحيث صاروا يرون أنفسهم في منتهى الأمن من المكر الإِلهي.

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (99)

قوله : { أفأمنوا مكر الله فلا مكر الله إلا القوم الخاسرون } المكر من الله جزاؤه ، إذ سمي باسم مكر المجازى . وقيل : المكر من الله : إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه . أو هو عذابه وجزاؤه على مكر أعدائه . وقيل : هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة . وأصل المكر : الخداع{[1484]} وذلك توبيخ لهؤلاء الظالمين الغافلين عن دين الله واللاهبين بالانشغال في سفاسف الدنيا وزخارفها الزائفة الزائلة ، والذين غرتهم الحياة بسرابها المخادع الموهوم . توبيخ لهم لما أمنوا مكر الله بهم وهو عذابه المحدق الماثل الذي يوشك أن ينزل بهم فيدمرهم أشد تدمير ، فلم يأخذوا لذلك كل احتياط واهتمام ، ولم يسبقوا لأنفسهم الأسباب والمحاذير ، ولم يبادروا بالطاعات والضراعات إلى الله كي يدرأ عنهم البلاء المتربص ؛ فإنه لا يأمن عذاب الله وجزاءه الوجيع ، ولا يترك اتخاذ كل الأسباب والاهتمامات ومبادرة الصالحات والطاعات { إلا القوم الخاسرون } وهم الذين فرطوا في دين الله وعصوا أمر ربهم فوقعوا في وعيده الشديد وباءوا بالهلاك والخسران .

وما ينبغي للفطين المتدبر أو الحريص المدكر أن يمر بهذه الآيات من غير أن يمسه بها التذكر والوجل من بلاء الله المحتمل . وبلاء الله وعذابه باختلاف ألوانه وأشكاله يظل يتهدد الظالمين الغافلين من الناس أو اللاهين الساهين عن أمر الله ، المنشغلين بملاهي الحياة الدنيا وما حوته من لذائذ وزخرف . وما تظل المجتماعت تلهو وتعلب وتعيث وتيها وغفلة وهي تشتغل بطيبات الدنيا ولذائذها عن طاعة الله فتميل عن دينها ، وتجمع وراء الشيطان جموح الناعقين السفهاء ؛ بل جموح المخبولين المغرورين الذين تملكهم النسيان والبطر ، وطغت عليهم الشهوات على اختلافها حتى ينزل عذاب الله وبلاؤه بساحتهم . وما ينبغي كذلك أن ننسى فداحة البطر في الإنفاق والعيش وذلك على نحو من الإسراف الباذخ البغيض الذي لا تطيش فيه الأمة وهي تغرف من حظوظ الشهوة في المطعم والمشرب والملبس والمأوى ما يجاوز المعقول والمقبول . وذلكم الإسراف الفاضح والتبذير المحظور . وليس على الأمة المسلمة في كل آن إلا أن تمسك بزمام الحذر والاعتدال والوسط . وذلك كله يقتضي تكريم النعمة التي من الله بها عليهم ؛ فإنه لا يغفل عن تكريم النعمة إلا كل بطر وأشر مستغرق في الغفلة والإسراف . وذلكم الذي يوشك أن يحيق به البلاء من الله سواء كان البلاء بالأسقام ، أو زوال النعم ، أو غير ذلك من وجوه البلاء . وفي هذا الصدد أخرج ابن أبي حاتم من طريق معاذ بن رفاعة عن موسى الطائفي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أكرموا الخبز ؛ فإن الله أنزه من بركات السماء ، وأخرجه من بركات الأرض ) .

وكذلك أخرج البراز والطبراني عن عبد الله بن أم حرام قال : صليت القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أكرموا الخبز ؛ فإن الله أنزله من بركات السماء ، وسخر له بركات الأرض ، ومن تتبع ما يسقط من السفرة ؛ غفر له ) واخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : كان أهل قرية أوسع الله عليهم حتى كانوا يستنجون بالخبر ؛ فبعث الله عليهم الجوع .


[1484]:لسان العرب جـ 5 ص 183.