في الغدو والآصال : أوقات الصباح والمساء .
استحضِرْ عظَمة ربك من مشاهداتك في كونه الذي خلق ، وفي آثاره العظيمة فيه ، وإنعاماته المادية والروحية عليك ، فتعرَّف من كل هذا على ربوبيته بالتقرب إليه والخضوع له والخوف منه . واذكر ربّك هادئ النفس مطمئن البال في الصباح وفي المساء تَنغمر نفسك بفيض من الرضا الرّباني ، يبعث منك وإليك الخير كله ، وتكون في مراقبة دائمة وشهود مستمر ، بذلك لا تكون في عامة أوقاتك من الغافلين عن ذكر الله .
قوله تعالى : " واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة " نظيره " ادعوا ربكم تضرعا وخفية{[7561]} " [ الأعراف : 55 ] وقد تقدم . قال أبو جعفر النحاس : ولم يختلف في معنى " واذكر ربك في نفسك " أنه في الدعاء . قلت : قد روي عن ابن عباس أنه يعني بالذكر القراءة في الصلاة . وقيل : المعنى اقرأ القرآن بتأمل وتدبر . " تضرعا " مصدر ، وقد يكون في موضع الحال . " وخفية " معطوف عليه . وجمع خيفة خوف ؛ لأنه بمعنى الخوف . ذكره النحاس . وأصل خيفة خوفة ، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها . خاف الرجل يخاف خوفا وخيفة ومخافة ، فهو خائف ، وقوم خوف على الأصل ، وخيف على اللفظ . وحكى الفراء أنه يقال أيضا في جمع خيفة خيف . قال الجوهري : والخيفة الخوف ، والجمع خيف ، وأصله الواو . " ودون الجهر " أي دون الرفع في القول . أي أسمع نفسك ، كما قال : " وابتغ بين ذلك سبيلا{[7562]} " [ الإسراء : 110 ] أي بين الجهر والمخافتة . ودل هذا على أن رفع الصوت بالذكر ممنوع ، على ما تقدم في غير موضع . " بالغدو والآصال " قال قتادة وابن زيد : الآصال العشيات . والغدو جمع غدوة . وقرأ أبو مجلز " بالغدو والإيصال " وهو مصدر آصلنا ، أي دخلنا في العشي . والآصال جمع أصل ، مثل طنب وأطناب ، فهو جمع الجمع ، والواحد أصيل ، جميع على أصل ، عن الزجاج . الأخفش : الآصال جمع أصيل ؛ مثل يمين وأيمان . الفراء : أصل جمع أصيل ، وقد يكون أصل واحدا ، كما قال الشاعر :
ولا بأحسن منها إذ دَنَا الأُصُلُ
الجوهري : الأصيل الوقت بعد العصر إلى المغرب ، وجمعه أصل وآصال وأصائل ، كأنه جمع أصيلة ، قال الشاعر :
لعمري لأنت البيت أكرم أهله *** وأقعد في أفيائه بالأصائل
ويجمع أيضا على أصلان ، مثل بعير وبعران ، ثم صغروا الجمع فقالوا أصيلان ، ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا أصيلال ، ومنه قول النابغة :
وقفتُ فيها أُصَيْلاَلاً أسائلُهَا *** عَيَّتْ جَوَابًا وما بالرَّبْعِ من أَحَدِ
قوله : { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول } { تضرعا وخفية } منصوبان على المصدر . وقيل على الحال{[1613]} { وخفية } بمعنى الخوف . والمراد بذكر الله هنا ، القراءة في الصلاة . وهو قول ابن عباس ؛ أي يقرأ سرا في نفسه في صلاة السر { تضرعا وخفية } أي متضرعا متذللا إلى الله خائفا من جلاله العظيم { ودون الجهر من القول } أي في صلاة الجهر لا يجهر المصلي جهرا شديدا بل في خفض وسكون ؛ فيكون ذلك بين الجهر والمخافتة .
وقيل : المراد بذكر الله ، الدعاء في تخشع وضراعة واستكانة ، ويكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء .
قوله : { بالغدو والأصال } أي اذكر ربك داعيا إياه في الغدوات والأصائل . والغدو ، جمع غدوة وهي أول النهار . والآصال جمع أصيل . ويجمع أيضا على أصرن . وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس . والمقصود هو دوام ذكر الله بالدعاء المتذلل المخلص في هذا الوقت . فإن الدعاء فيه سمة الإخلاص والتقوى ، وهو أقرب للاستجابة والقبول .
قوله : { ولا تكن من الغافلين } فإنه لا يفرط في الدعاء ، أو يزهد في الإكثار منه ، أو الاهتمام به في هذه الأوقات إلا كل غافل قد انشغل قلبه وذهنه في أمور الدنيا وزينتها ؛ فإنه خليق بالمؤمن أن يذكر ربه بالدعاء الخاشع المستديم من غير كلل ولا ملل ؛ لما في الدعاء من عظيم الأجر والمثوبة ؛ فهو مخ العبادة وعلامة كبرى من علامات الإخلاص للعبد المؤمن .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.