تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا} (118)

اللعن : الطرد والإهانة .

النصيب المفروض : الحصة الواجبة .

المعنى أن الشيطان قال لله جل وعز : إن لي سهماً فيمن خلقتَهم لعبادتك ، وقلت عنهم فيما قلت : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }- [ الذاريات : 56 ] ، وأن هذا السهم فرض واجب لي يطيعني ويعصيك . والآن : إن ظاهر الآية يدل على أن الشيطان شخص حقيقي ، وأنه يخاطب الله بقوة وثقة ، فهل الكلام جارٍ على ظاهره ، أو لا بد من التأويل ؟ .

نقل صاحب «تفسير المنار » عن أستاذه الشيخ محمد عبده أن في كل فرد من أفراد الإنسان استعداداً لعمل الخير والشر ، ولاتباع الحق والباطل ، وإلى هذا الاستعداد أشار سبحانه بقوله : { وَهَدَيْنَاهُ النجدين }- [ البلد : 10 ] ، وأن النصيب المفروض للشيطان من الإنسان هو استعداده للشر الذي هو أحد النجدين . وعليه يكون لفظ الشيطان كناية عن هذا الاستعداد .

الشيطان والعلم الحديث :

لقد سيطرت فكرة الشيطان على عقول الناس يوم كان العلم مجرد كلمات تقال ، وسطورٍ تملأ صفحات الكتب ، ولا تتجاوزها إلى العمل إلا قليلا ، أما اليوم فقد أصبحت فكرة الشيطان بشتى تفاسيرها أسطورة بعد أن صار العلم مقياساً لكل حقيقة ، وأساساً لكل خطوة يخطوها الإنسان ، وقوة في كل ميدان ، حتى إنه يطير إلى القمر والمريخ ، يخاطب أهل الأرض من هناك ؟ .

على هذا التساؤل نقول :

لا نظن أحداً يهوّن من شأن العلم ، ولا كونه قوة وثروة ، فحاجة الناس إليه تماماً كحاجتهم إلى الماء والهواء . . ولكن لا أحد يجهل أن في العلم استعداداً للخير والشر ، فهو حين يوجَّه إلى الخير ينتج الطعام للجائعين ، والكساء للعراة ، والعلاج للمرضى ، وحين يوجه إلى الشر يقتل ويدمر . . والشر هو الركيزة الأولى لسياسة الشيطان الذي نعنيه . وقد أصبح العلم اليوم في يد السياسة تتجه به إلى الفتك والهدم ، والسيطرة والاستغلال .

ولقد تضاعف نصيب الشر أو الشيطان- مهما شئت فعبر- بتقدم العلم وتطوره . كان أعوان الشر والاستعمار فيما مضى يتسلحون بقوة العضلات ، أما الآن ، وبعد أن بلغ العلم من الجبروت ما بلغ فإنهم يتسلحون بالذرة والصواريخ وأسلحة الحرب الكيماوية . وهم لا ينسون إشعال حرب نفسية من الدسائس ، يخططونها لأتباعهم ، كلما اهتزت كراسيّهم بفعل رغبة الشعوب في التحرر وفعل الخير لأوطانهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا} (118)

قوله تعالى : " لعنه الله " أصل اللعن الإبعاد ، وقد تقدم{[4941]} . وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب ، فلعنة الله على{[4942]} إبليس - عليه لعنة الله - على التعيين جائزة ، وكذلك سائر{[4943]} الكفرة الموتى كفرعون وهامان وأبي جهل ، فأما الأحياء فقد مضى الكلام فيه في " البقرة " {[4944]} .

قوله تعالى : " وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا " أي وقال الشيطان ، والمعنى : لاستخلصنهم بغوايتي وأضلنهم بإضلالي ، وهم الكفرة والعصاة . وفي الخبر ( من كل ألف واحد لله والباقي للشيطان ) . قلت : وهذا صحيح معنى ، يعضده قوله تعالى لآدم يوم القيامة : ( ابعث بعث النار فيقول : وما بعث النار ؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ) . أخرجه مسلم . وبعث النار هو نصيب الشيطان والله أعلم وقيل : من النصيب طاعتهم إياه في أشياء منها أنهم كانوا يضربون للمولود مسمارا عند ولادته ، ودورانهم به يوم أسبوعه ، يقولون : ليعرفه العمَّار{[4945]} .


[4941]:راجع ج 2 ص 25.
[4942]:من ط.
[4943]:من ج و ط.
[4944]:راجع ج 2 ص 188.
[4945]:عمار البيوت: سكانها من الجن. وفي ابن عطية: المفروض معناه في هذا الموضع: المنحاز، من الفرض وهو الحز في العود وغيره.