شركاؤهم : سدنة الآلهة التي يعبدونها من الأوثان .
كما زيّنتْ لهم أوهامهم تلك القسمة الظالمة التي مر ذكرها في الآية السابقة من الحرث والإبل والبقر وغيرها ، زيّنت لهم أوهامهم وتضليلُ شركائهم من خدّام الأوثان وشياطين الإنس أن يقتلوا أولادهم . وكان ذلك يتم إما تديُّناً وتقرباً لآلهتهم في الجاهلية ، أو بسبب من الفقر ، كما جاء في بعض الآيات . ومنهم من كان يئد البنات ، أي يدفنهن في التراب ، خوفا من العار الذي يمكن أن يُلحقنه به .
وكان نَذْر قتل بعض الأولاد جاريا في دينهم ، ومن ذلك نذْرُ عبد المطلب أن يقتل آخر أولاده إن وُلد له عشرة ذكور فكان العاشر عبد الله . وفداه بمائة من الإبل كما أفتاه بذلك بعض الكهان .
{ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } .
لقد زينوا لهم هذه الخرافات المنكرة ليهلِكوهم بالإغواء ، ويفسدوا عليهم فِطرتهم ، حين تنقلب عواطف الوالدين من رحمة ورأفة إلى قسوة ووحشية . من ثَمَّ ينحر الوالدُ ولده ، ويدفن بنتَه الضعيفة وهي حية .
{ وَلَوْ شَاءَ الله مَا فَعَلُوه ، فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } .
تلك مشيئة الله في خلقه بما ينتحلونه من شرائع وما يفترون عليه من كذب ، فاتركهم أيها الرسول . إن عليك أن تقوم بما أُمرت به من التبليغ ، والله هو الذي يتولى أمرهم ، وله سُنن في هداية خلقه لا تتغير ولا تتبدل .
قرأ ابن عامر : «وكذلك زُيّن لكثيرٍ من المشركين قتلُ أولادَهم شركائِهم بنصب أولادهم وجرّ شركائهم ، وهنا فصل بين المضاف والمضاف إليه . وقرأ الباقون «زَيَّن لكثيرٍ من المشركين قتلَ أولاَدِهم شركاؤُّهم » .
قوله تعالى : " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " المعنى : فكما زين لهؤلاء أن جعلوا لله نصيبا ولأصنامهم نصيبا كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم . قال مجاهد وغيره : زينت لهم قتل البنات مخافة العيلة . قال الفراء والزجاج : شركاؤهم ههنا هم الذين كانوا يخدمون الأوثان . وقيل : هم الغواة من الناس . وقيل : هم الشياطين . وأشار بهذا إلى الوأد الخفي{[6734]} وهو دفن البنت حية مخافة السباء والحاجة ، وعدم ما حرمن من النصرة . وسمى الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله ، فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم . وقيل : كان الرجل في الجاهلية يحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحرن أحدهم ، كما فعله عبد المطلب حين نذر ذبح ولده عبدالله . ثم قيل : في الآية أربع قراءات ، أصحها قراءة الجمهور : " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " وهذه قراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة . " شركاؤهم " رفع ب " زين " ؛ لأنهم زينوا ولم يقتلوا . " قتل " نصب ب " زين " و " أولادهم " مضاف إلى المفعول ، والأصل في المصدر أن يضاف إلى الفاعل ؛ لأنه أحدثه ولأنه لا يستغني عنه ويستغني عن المفعول ، فهو هنا مضاف إلى المفعول لفظا مضاف إلى الفاعل معنى ؛ لأن التقدير زين لكثير من المشركين قتلهم أولادهم شركاؤهم ، ثم حذف المضاف وهو الفاعل كما حذف من قوله تعالى : " لا يسأم الإنسان من دعاء الخير{[6735]} " [ فصلت : 49 ] أي من دعائه الخير . فالهاء فاعلة الدعاء ، أي لا يسأم الإنسان من أن يدعو بالخير . وكذا قوله : زين لكثير من المشركين في أن يقتلوا أولادهم شركاؤهم . قال مكي : وهذه القراءة هي الاختيار ؛ لصحة الإعراب فيها ولأن عليها الجماعة .
القراءة الثانية " زين " ( بضم الزاي ) . " لكثير من المشركين قتل " ( بالرفع ) . " أولادهم " بالخفض " شركاؤهم " ( بالرفع ) قراءة الحسن . ابن عامر وأهل الشام " زين " بضم الزاي " لكثير من المشركين قتل أولادهم برفع " قتل " ونصب " أولادهم " . " شركائهم " بالخفض فيما حكى أبو عبيد ، وحكى غيره عن أهل الشام أنهم قرؤوا " وكذلك زين " بضم الزاي " لكثير من المشركين قتل بالرفع " أولادهم " بالخفض " شركائهم " بالخفض أيضا . فالقراءة الثانية قراءة الحسن جائزة ، يكون " قتل " اسم ما لم يسم فاعله ، " شركاؤهم " ؛ رفع بإضمار فعل يدل عليه " زين " ، أي زينه شركاؤهم . ويجوز على هذا ضرب زيد عمرو ، بمعنى ضربه عمرو ، وأنشد سيبويه :
أي يبكيه ضارع . وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية أبي بكر " يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال " {[6736]} [ النور : 36 - 37 ] التقدير يسبحه رجال . وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود " {[6737]} [ البروج : 4 - 5 ] بمعنى قتلهم النار . قال النحاس : وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهل الشام فلا يجوز في كلام ولا في شعر ، وإنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف لأنه لا يفصل ، فأما بالأسماء غير الظروف فلحن . قال مكي : وهذه القراءة فيها ضعف للتفريق{[6738]} بين المضاف والمضاف إليه ؛ لأنه إنما يجوز مثل هذا التفريق في الشعر مع الظروف لاتساعهم فيها وهو في المفعول به في الشعر بعيد ، فإجازته في القراءة أبعد{[6739]} . وقال المهدوي : قراءة ابن عامر هذه على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه ، ومثله قول الشاعر :
فزججتها بِمِزَجّة *** زَجَّ القَلوصَ أبي مزادة{[6740]}
يريد : زج أبي مزادة القلوص . وأنشد :
تمر على ما تستمر وقد شفت *** غلائلَ عبدُالقيس منها صدورِها
يريد شفت عبدالقيس غلائل صدورها . وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي : قراءة ابن عامر لا تجوز في العربية ، وهي زلة عالم ، وإذا زل العالم لم يجز اتباعه ، ورد قوله إلى الإجماع ، وكذلك يجب أن يرد من زل منهم أو سها إلى الإجماع ، فهو أولى من الإصرار على غير الصواب . وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف ؛ لأنه لا يفصل . كما قال :
كما خُطَّ الكتاب بكف يوما *** يهوديٍّ يقارب أو يُزِيلُ{[6741]}
كأن أصواتَ من إيغالهن بنا *** أواخرِ المَيْسِ أصواتَ الفراريج{[6742]}
لما رأت سَاتِيدمَا استعبرت *** لله دَرُّ اليوم من لاَمَهَا{[6743]}
وقال القشيري : وقال قوم : هذا قبيح . وهذا محال ؛ لأنه إذا ثبتت القراءة{[6744]} بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو الفصيح لا القبيح . وقد ورد ذلك في كلام العرب وفي مصحف عثمان " شركائهم " بالياء وهذا يدل على قراءة ابن عامر . وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء ؛ لأن الشركاء هم الذي زينوا ذلك ودعوا إليه ، فالفعل مضاف إلى فاعله على ما يجب في الأصل ، لكنه فرق بين المضاف والمضاف إليه ، وقدم المفعول وتركه منصوبا على حاله ؛ إذ كان متأخرا في المعنى ، وأخر المضاف وتركه مخفوضا على حاله ؛ إذ كان متقدما بعد القتل . والتقدير : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم . أي أن قتل شركاؤهم أولادهم . قال النحاس : فأما ما حكاه غير أبي عبيد ( وهي القراءة الرابعة ) فهو جائز . على أن تبدل شركاءهم من أولادهم ؛ لأنهم شركاؤهم في النسب والميراث . " ليردوهم " اللام لام كي . والإرداء الإهلاك . " وليلبسوا عليهم دينهم " الذي ارتضى لهم . أي يأمرونهم - بالباطل ويشككونهم في دينهم . وكانوا على دين إسماعيل ، وما كان فيه{[6745]} قتل الولد ، فيصير الحق مغطى عليه ؛ فبهذا يلبسون . " ولو شاء الله ما فعلوه " بين تعالى{[6746]} أن كفرهم بمشيئة الله . وهو رد على القدرية . " فذرهم وما يفترون " يريد قولهم : إن لله شركاء .