تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ} (167)

وكما يُظهر اللهُ حال المؤمنين من قوة الإيمان وضعفه ، واستفادتهم من المصائب حتى لا يعودوا إلى أسبابها ، يُظهر حال المنافقين ( من أمثال عبد الله بن أبي سلول ) ويفضح موقفهم يوم أُحد . وقد كشفهم الله على حقيقتهم يومذاك ، إذ انصرفوا ورجعوا إلى المدينة . وتبعهم أبو جابر السلمي من الصحابة يناديهم ويقول لهم : تعالوا قاتِلوا في سبيل الله . فأجابوه : لو نعلم أنكم ستلقون قتالاً في خروجكم لذهبنا معكم . لقد كانوا غير صادقين في ذلك ، بل إنهم في مقالتهم هذه أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان . وما كان اعتذارهم إلا على وجه الخديعة والاستهزاء ، يقولون بأفواههم «ليس هناك حرب » مع أنهم يعتقدون في قلوبهم أنها واقعة . ومع ذلك فقد أصروا على الارتداد .

ثم أكد الله كفرهم ونفاقهم بقوله : { والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } من الكفر والكيد للمسلمين وتربُّص الدوائر بهم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ} (167)

{ وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله } أي : ذبا عن دين الله ، وحماية له وطلبا لمرضاة الله ، { أو ادفعوا } عن محارمكم وبلدكم ، إن لم يكن لكم نية صالحة ، فأبوا ذلك واعتذروا بأن { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم } أي : لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم ، وهم كذبة في هذا . قد علموا وتيقنوا وعلم كل أحد أن هؤلاء المشركين ، قد ملئوا من الحنق والغيظ على المؤمنين بما أصابوا منهم ، وأنهم قد بذلوا أموالهم ، وجمعوا ما يقدرون عليه من الرجال والعدد ، وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم ، متحرقين على قتالهم ، فمن كانت هذه حالهم ، كيف يتصور أنهم لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال ؟ خصوصا وقد خرج المسلمون من المدينة وبرزوا لهم ، هذا من المستحيل ، ولكن المنافقين ظنوا أن هذا العذر ، يروج على المؤمنين ، قال تعالى : { هم للكفر يومئذ } أي : في تلك الحال التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين { أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } وهذه خاصة المنافقين ، يظهرون بكلامهم وفعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم وسرائرهم .

ومنه قولهم : { لو نعلم قتالا لاتبعناكم } فإنهم قد علموا وقوع القتال .

ويستدل بهذه الآية على قاعدة " ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما ، وفعل أدنى المصلحتين ، للعجز عن أعلاهما " ؛ [ لأن المنافقين أمروا أن يقاتلوا للدين ، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان ]{[1]} { والله أعلم بما يكتمون } فيبديه لعباده المؤمنين ، ويعاقبهم عليه .


[1]:- هذا التنبيه جعله الشيخ -رحمه الله- على غلاف المجلد الأول فصدرت به التفسير كما فعل -رحمه الله-.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ} (167)

قوله : ( وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ) المراد بذلك المنافقون وهم أصحاب عبد الله بن أبي بن سلول الذين رجعوا في أثناء الطريق تاركين المسلمين والنبي صلى الله عليه و سلم . فمشى في أثرهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الرجوع والقتال مع المسلمين فأبوا .

قوله : ( أو ادفعوا ) أي كثروا سواد المسلمين وإن لم تقاتلوا معهم ، فإن في السواد ما يرهب العدو ويدفعه .

قوله : ( قالوا لو نعلم قتالا لأتبعنكم ) أي لو نعلم أنكم تلقون حربا أو تواجهون قتالا لجئنا معكم نقاتل ، ولكننا نعلم أنكم لا تلقون قتالا .

وحدث كثير من الصحابة قالوا : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه . حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة انحاز عنه عبد الله ابن أبي سلول بثلث الناس فقال : أطاعهم فخرج وعصاني ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس ، فرجع بمن تبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب . وأتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول : يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال . فلما استعصوا عليه وأبوا إلا انصراف عنهم قال : أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم . ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم{[634]} .

قوله : ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ) كان هؤلاء المنافقون قبل يوم أحد يتظاهرون بالإيمان . ولم تظهر منهم إذ ذاك أمارة تدل على كفرهم لكنهم لما انحازوا عن المسلمين وخذلوا رسول الله صلى الله عليه و سلم بينوا حالهم وكشفوا عن نفاقهم ونواياهم الخبيثة فصاروا بذلك أقرب إلى الكفر . وقال كثير من أهل العلم : إن هذا تنصيص من الله تعالى على أنهم كفار .

قوله : ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) أي أنهم أظهروا الإيمان بألسنتهم وأضمروا الكفر في قلوبهم . ذلك أن الإيمان ما تجاوز في هؤلاء المنافقين أفواههم ولا تجاوز منطوق الكلام الذي تهرف به ألسنتهم من غير أن يستقر شيء من ذلك في قلوبهم .

قوله : ( والله أعلم بما يكتمون ) أي ما يخفونه في أنفسهم من النفاق . وما يدور بينهم من أحاديث في ذم المسلمين وفي تسفيههم والتعبير عن الشماتة بهم وغير ذلك من وجوه الكيد والتربص ، لكن الله سبحانه عالم بالأسرار . ومطلع على ما يركم في قلوب هؤلاء من حقد وما يدور بينهم من أحاديث في الإرجاف والتهكم والشماتة بالمسلمين .


[634]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 425.