فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ} (167)

وليعلم ) الله ( الذين نافقوا ) قيل أعاد الفعل لقصد تشريف المؤمنين عن أن يكون الفعل المسند إليهم وإلى المنافقين واحدا ، والمراد بالعلم هنا التمييز والإظهار ، لأن علمه تعالى ثابت قبل ذلك ، والمراد بالمنافقين هنا عبد الله بن أبي و أصحابه ، والنفاق إسم إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام .

( وقيل لهم ) معطوف على قوله ( نافقوا ) وقيل هو كلام مبتدأ أي قيل لعبد الله المذكور وأصحابه ( تعالوا قاتلوا في سبيل الله ) أعداءه إن كنتم ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ( أو ادفعوا ) عن أنفسكم إن كنتم لا تؤمنون بالله واليوم الآخر فأبوا جميع ذلك .

وقيل معنى الدفع هنا تكثير سواد المسلمين وقيل معناه رابطوا والمرابطة الإقامة في الثغور ، والقائل للمنافقين هذه المقالة التي حكاها الله سبحانه هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري والد جابر بن عبد الله .

و ( قالوا لو نعلم قتالا ) أي انه سيكون قتال ( لاتبعناكم ( وقاتلنا معكم ولكنه لا قتال هنالك ، وقيل المعنى لو كنا نقدر على القتال ونحسنه لاتبعناكم ولكنا لا نقدر على ذلك ولا نحسنه ، وعبر عن نفي القدرة على القتال بنفي العلم به لكونها مستلزمه له ، وفيه بعد لا ملجأ إليه .

وقيل معناه لو نعلم ما يصح ان يسمى قتالا لاتبعناكم ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال ، ولكنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة لعدم القدرة منا ومنكم على دفع ما ورد من الجيش بالبروز إليهم والخروج من المدينة ، وهذا أيضا فيه بعد دون بعد ما قبله .

( هم للكفر يومئذ ) أي هم هذا اليوم الذي انخذلوا فيه عن المؤمنين إلى الكفر ( أقرب منهم للإيمان ) عند من كان يظن أنهم مسلمون لأنهم قد بينوا حالهم وهتكوا أستارهم وكشفوا عن نفاقهم إذ ذاك ، وقيل المعنى أنهم لأهل الكفر يومئذ أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان .

( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما تقدمها أي انهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ، وذكر الأفواه للتأكيد مثل قوله ( يطير بجناحيه ) وقال الزمخشري :ذكر القلوب مع الأفواه تصوير لنفاقهم ، وإنما إيمانهم موجود في أفواههم فقط ، وهذا الذي قاله الزمخشري ينفي كونه للتأكيد لتحصيله هذه الفائدة ( والله أعلم بما تكتمون ) من النفاق{[384]} .


[384]:قال ابن عباس:والمراد نافقوا بالذين نافقوا عبد الله بن أبي، وأصحابه.قال موسى بن عقبة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ومعه المسلمون، وهم ألف رجل، والمشركون ثلاثة آلاف، فرجع عنه ابن أبي في ثلاثمئة. فأما القتال، فمباشرة الحرب.وفي المراد بالدفع ثلاثة أقوال. أحدها:أنه التكثير بالعدد.رواه مجاهد عن ابن عباس وهو قول الحسن، والضحاك، والسدي، وابن دريد في آخرين. والثاني:ان ادفعوا عنها أنفسكم وحريمكم، رواه ابو صالح عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. والثالث: انه بمعنى القتال أيضا.قاله ابن زيد.