{ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } .
هل جَهِلوا سُنّة الله في المكذّبين ، فأمِنوا عذابه ليلا أو نهارا ؟ إنه لا يجهل تدبير الله وقُدرتَه في عقوبة المكذّبين برسُله إلا الذين خسروا أنفسَهم غباءً ، فلم يفقهوا ما فيه سعادتهم .
فلا يجوز لأحد أن يأمن مكر الله ويظلّ مسترسلاً في المعاصي ، اتّكالاً على عفوه ومغفرته ورحمته . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بقوله : «اللهم يا مقلّبَ القلوب والأبصار ثبِّتْ قلبي على دينك » وقد بين لنا الله تعالى أن الراسخين في العلم يدعونه فيقولون : { ربّنا لا تُزِغْ قلوبنا بعد إذ هديتَنا وهبْ لنا من لدُنْك رحمة } .
وكما أن الآمن من مكر الله خُسران ومفسدة ، فاليأس من رحمة الله كذلك . لذا وجب أن يظل المؤمن بين الخوف والرجاء دائما .
{ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ْ } حيث يستدرجهم من حيث لا يعلمون ، ويملي لهم ، إن كيده متين ، { فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ْ } فإن من أمن من عذاب اللّه ، فهو لم{[320]} يصدق بالجزاء على الأعمال ، ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان .
وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ ، على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنا على ما معه من الإيمان .
بل لا يزال خائفا وجلا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان ، وأن لا يزال داعيا بقوله : { يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ْ } وأن يعمل ويسعى ، في كل سبب يخلصه من الشر ، عند وقوع الفتن ، فإن العبد - ولو بلغت به الحال ما بلغت - فليس على يقين من السلامة .
وقوله : { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله } تكرير لمجموع الإنكارين السابقين ، جمعا بين التفريق قصدا إلى زيادة التحذير والإنذار .
والمكر في الأصل الخداع ، ويطلق على الستر يقال : مكر الليل أى : ستر بظلمته ما هو فيه ، وإذا نسب إليه - سبحانه - فالمراد به استدراجه للعبد العاصى حتى يهلكه في غفلته تشبيها لذلك بالخداع .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم رجع فعطف بالفاء قوله : { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله } ؟
قلت : هو تكرير لقوله : { أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى } ومكر الله : استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه ، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة . وعن الربيع بن خثعم أن ابنته قالت له : مالى أراك لا تنام والناس ينامون ؟ فقال : با بنتاه إن إباك يخاف البيات . أراد قوله : { أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً } .
والمعنى : أفأمنوا مكر الله وتدبيره الخفى الذي لا يعلمه البشر فغفلوا عن قدرتنا على إنزال العذاب بهم بياتاً أو ضحوة ؟ لئن كانوا كذلك فهم بلا ريب عن الصراط لناكبون ، وعن سنن الله في خلقه غافلون ، فإنه { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } أى : إلا القوم الذين خسروا أنفسهم وعقولهم ، ولم يستفيدوا شيئا من أنواع العبر والعظات التي بثها الله في أنحاء هذا الكون .
هذا ، ويرى الإمام الشافعى وأتباعه أن الأمن من مكر الله كبيرة من الكبائر ، لأنه استرسال في المعاصى اتكالا على عفو الله .
وقال الحنفية إن الأمن من مكر الله كفر كاليأس ، لقوله - تعالى - : { إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون } وقوله : { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } .
ثم بين - سبحانه - أن من الواجب على الأحياء الذين يرثون الأرض من أهلها الذاهبين المهلكين ، الذين أهلكتهم ذنوبهم ، وجنت عليهم غفلتهمن وعوقبوا على استهتارهم وغرورهم من الواجب على هؤلاء الأحياء أن يعتبروا ويتعظوا وسحنوا القول والعمل حتى ينجوا من العقوبات .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.