الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا} (32)

فيه مسألة واحدة : قال العلماء : قوله تعالى " ولا تقربوا الزنى " أبلغ من أن يقول : ولا تزنوا ، فإن معناه لا تدنوا من الزنى . والزنى يمد ويقصر ، لغتان . قال الشاعر :

كانت فريضة ما تقول كما*** كان الزِّناءُ فريضةَ الرَّجْمِ

و " سبيلا " نصب على التمييز ، التقدير : وساء سبيله سبيلا . أي لأنه يؤدي إلى النار . والزنى من الكبائر ، ولا خلاف فيه وفي قبحه لا سيما بحليلة الجار . وينشأ عنه استخدام ولد الغير واتخاذه ابنا وغير ذلك من الميراث وفساد الأنساب باختلاط المياه . وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى{[10219]} بامرأة مُجِحٍّ على باب فسطاط فقال : ( لعله يريد أن يُلِمَّ بها ) فقالوا : نعم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يُوَرِّثُه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له ) .


[10219]:قوله: "أتى بامرأة" أي مر عليها في بعض أسفاره. و "المجح" (بميم مضمومة وجيم مكسورة وحاء مهملة) صفة لامرأة، وهي الحامل التي قربت ولادتها. وقوله: فقال لعله... الخ فيه حذف تقديره: فسأل عنها فقالوا أمة فلان، أي مسبيته. ومعنى "يلم بها": أي يطؤها، وكانت حاملا مسبية، لا يحل جماعها حتى تضع. وقوله "كيف يورثه...الخ" معناه: أنه قد تتأخر ولادتها ستة أشهر، بحيث يحتمل كون الولد من هذا السابي، ويحتمل أنه كان ممن قبله، فعلى تقدير كونه من السابي يكون ولدا له، ويتوارثان. وعلى تقدير كونه من غير السابي لا يتوارثان هو ولا السابي لعدم القرابة، بل له استخدامه لأنه مملوكه. فتقدير الحديث: أنه قد يستلحقه ويجعله ابنا له ويورثه مع أنه لا يحل له توريثه لكونه ليس منه، ولا يحل توريثه ومزاحمته لباقي الورثة. وقد يستخدمه استخدام العبيد ويجعله عبدا يتملكه، مع أنه لا يحل له ذلك لكونه منه إذا وضعته لمدة محتملة كونه من كل واحد منهما، فيجب عليه الامتناع من وطئها خوفا من هذا المحظور. (راجع شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب النكاح باب تحريم وطء الحامل المسبية).
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا} (32)

قوله تعالى : { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } الزنا ، ذميمة مستقذرة ومشينة ؛ بل هو قاذورة من القاذورات التي تتدنس بها أشخاص الزناة والزواني .

ولقد شدد الإسلام النكير على الزنا ؛ لأنه خلق الفاسدين والآسنين من الناس الذين يرتعون في مستنقع الفحش والقذر . والذين لا يستمرئون النكاح الطاهر المشروع بل يروق لهم الغوص في وحل الرذيلة ودهاليز الخنا لينتكسوا بذلك إلى حظيرة البهائم العجماوات التي لا يحكمها عرف ولا نظام . على أن الزنا رذيلة بالغة الفحش لأنه سبب لخلط المياه وتزييف النسل والأنساب ؛ فهو بذلك سبيل يفضي إلى الفحش والخيانة في الذرية والأولاد . وذلك هو ديدن الحضارة المادية في هذا الزمان ، الحضارة التي تسخر من القيم والفضائل وتستند في أساسها إلى الشهوات والأهواء والغرائز ، أو ما تميل إليه النفوس من حق أو باطل ، فما تعبأ الحضارة المادية في هذا الزمان بغير مقتضيات الغريزة ، بغض النظر عن مبادئ الدين أو ظواهر الخلق والفضيلة . ولعل ظاهرة الزنا الفاحش المستشري ، أكثر شيوعا في المجتمعات المادية الجاحدة التي سوّل لها شياطين الإنس فعل المنكرات والمعاصي التي اتفقت على تحريمها الأديان السماوية ومن أظهرها الزنا . لقد سولت الشياطين البشرية أن ذلك معقول ولا ضير في فعله أو الإغراق فيه ما لم يكن غصبا . هكذا سوّل المضلون الأشقياء من أمثال فرويد ودارون ودوركايم وأتباعه ومريديهم من الضالين والمخدوعين في كل مكان ؛ لقد سولوا للبشرية المخدوعة المضللة أن الزنا ممارسة جنسية لا غبار عليها وهو كغيره من المطالب الفطرية التي يستوي فيها الأحياء من بشر وبهائم ؛ فليس من عيب أو بأس أو مخالفة في فعله . فاستجابت البشرية المضللة لمثل هذه الأصوات الشيطانية حتى غاصت في وحل القاذورات وانتكست إلى حمأة الدنس انتكاس السادرين التائهين الحيارى .

لكن الإسلام الذي يقيم الحياة على لاطهر والصفاء والنظافة ؛ ويبني مجتمعه على الصراحة والاستقامة والوضوح ، بعيدا عن فوضى البهائم الصًّم ، وعن مفاسد العهر الفاضح- قد حرم الزنا أشد تحريم بقدر تحضيضه وتحريضه على النكاح الطاهر المبارك . النكاح المبرأ السليم ، القائم على المودة المستديمة والانسجام المترابط الوثيق . فقال سبحانه : ( ولا تقربوا الزنى ) نهى عن مجرد القرب من الزنا . وهو يدل على تحريم كل أسباب الزان ودواعيه وبواعثه التي تفضي إليه كالتقبيل والخلوة والنظرات المكرورة المريبة ، والاختلاط الفاجر المغالي ؛ لما في ذلك من مدعاة يخشى معها الوقوع في الفاحشة .

ثم علل النهي عن الزنا والدنو منه بقوله : ( إنه كان فاحشة ) أي معصية مجاوزة لحد الشرع والعقول . فكل شيء جاوز حده فهو فاحش{[2678]} .

قوله : ( وساء سبيلا ) أي وساء طريق الزنا طريقا ؛ لأنه طريق الخراب والفحش والرذيلة وفساد الأفراد والمجتمعات{[2679]} .


[2678]:- مختار الصحاح ص 492.
[2679]:- تفسير الطبري جـ15 ص 58 وتفسير النسفي جـ2 ص 313 وتفسير الرازي جـ20 ص 198-199.