الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (83)

قوله تعالى : " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم " تلك{[6529]} إشارة إلى جميع احتجاجاته حتى خاصمهم وغلبهم بالحجة . وقال مجاهد : هي قوله : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " . وقيل : حجته عليهم أنهم لما قالوا له : أما تخاف{[6530]} أن تخبلك آلهتنا لسبك إياها ؟ قال لهم : أفلا تخافون أنتم منها إذ سويتم بين الصغير والكبير في العبادة والتعظيم ، فيغضب الكبير فيخبلكم ؟ . " نرفع درجات من نشاء " أي بالعلم والفهم والإمامة والملك . وقرأ الكوفيون " درجات " بالتنوين . ومثله في " يوسف " {[6531]} أوقعوا الفعل على " من " لأنه المرفوع في الحقيقة ، التقدير : ونرفع من نشاء إلى درجات . ثم حذفت إلى . وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو بغير تنوين على الإضافة ، والفعل واقع على الدرجات ، إذا رفعت فقد رفع صاحبها . يقوي هذه القراءة قوله تعالى : " رفيع الدرجات{[6532]} " [ غافر : 15 ] وقوله عليه السلام : " اللهم ارفع درجته ) . فأضاف الرفع إلى الدرجات . وهو لا إله إلا هو الرفيع المتعالي في شرفه وفضله . فالقراءتان متقاربتان ؛ لأن من رفعت درجاته فقد رفع ، ومن رفع فقد رفعت درجاته ، فاعلم . " إن ربك حكيم عليم " يضع كل شيء موضعه .


[6529]:من ك.
[6530]:في ك: إنا نخاف.
[6531]:راجع ج 9 ص 235.
[6532]:راجع ج 15 ص 298.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (83)

قوله : { وتلك حجتنا ءاتينها إبراهيم على قومه } تلك اسم إشارة في محل رفع مبتدأ . حجتنا خبره مرفوع . والمراد بالحجة التي أعطيها إبراهيم جميع ما خاصمهم به من الدلائل والحجج .

قوله : { نرفع درجت من نشاء } درجات ، منصوب على التمييز . وقيل مفعول به للفعل نرفع . والمراد بالدرجات يحتمل عدة وجوه منها أنها الأعمال في الآخرة . وقيل : المراد بها الرتب العالية في العلم والحكمة . وقيل الدرجات الرفيعة في الجنة . أي نرفع من نشاء رفعه إلى الدرجات العلا في العلم أو الحكمة أو الثواب حسبما تقتضيه الحكمة الربانية البالغة . والله تعالى منزه عن العبث والباطل . ولذلك قال : { إن ربك حكيم عليم } أي حكيم في تدبيره لأمور خلقه ، عليم بأحوال البشر وما يصلح عليه شأنهم وما يؤول إليه أمرهم وما يصيرون إليه يوم الحساب{[1210]} .


[1210]:- تفسير الطبري ج 7 ص 170- 171 وتفسير الرازي ج 13 ص 63- 66 وتفسير القرطبي ج 7 ص 30- 31.