الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا} (9)

قوله تعالى : " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم " لما ذكر المعراج ذكر ما قضى إلى بني إسرائيل ، وكان ذلك دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم بين أن الكتاب الذي أنزله الله عليه سبب اهتداء . ومعنى " للتي هي أقوم " أي الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب ، ف " التي " نعت لموصوف محذوف ، أي الطريقة إلى نص أقوم . وقال الزجاج : للحال التي هي أقوم الحالات ، وهي توحيد الله والإيمان برسله . وقاله الكلبي والفراء .

قوله تعالى : " ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات " تقدم{[10144]} . " أن لهم " في موضع نصب ب " بشر " وقال الكسائي وجماعة من البصريين : " أن " في موضع خفض بإضمار الباء . أي بأن لهم . " أجرا كبيرا " أي الجنة .


[10144]:راجع ج 1 ص 338.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا} (9)

ولما ثبت أن كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل عليه فيما بين مصر وبيت المقدس في تلك المدة المتطاولة هو هدى لبني إسرائيل ، صادق الوعد والوعيد فيما قضى فيه إليهم من أمرهم وأمر بيت المقدس من ترقية حال من أطاعه وإعلائهم وأخذ من عاداهم ومن تعكيس أحوال العصاة مرة بعد أخرى بتسليط الأعداء عليهم بالقتل والأسر والنهب وتخريب البلاد ، تنبيهاً على أن طاعة الله تجلب كل خير وكرامة ، ومعصيته توجب كل بلية ، كما كشف عنه الزمان على ما هو معروف من تواريخ اليهود وغيرها ، لاح أن القرآن يزيد عليه في كل معنى حسن وأمر شريف فيما أتى به من الوعود الصادقة ، والأحكام المحكمة ، والمعاني الفائقة ، في النظوم العذبة الرائقة ، مع الإعجاز عن الإتيان بآية من مثله لجميع الإنس والجان بنسبة ما زاد المسير المحمدي إلى بيت المقدس - الذي أراه فيه من آياته - على المسير الموسوي الذي آتاه فيه الكتاب ، فقال - في جواب من كأنه قال : قد علم أن كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل في مسيرة لقصد محل المسجد الأقصى قيم في الهداية والوعود الصادقة ، فما حال كتاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي أنزل عليه منه في سبب مسيره إليه في ذلك ؟ { إن هذا القرءان } أي الجامع لكل حق والفارق بين كل ملتبس { يهدي } .

ولما كان صاحب الذوق السليم يجد لحذف الموصوف هزة وروعة ، لما يجد من الفخامة بإبهامه لا يجدها عند ذكره وإيضاحه ، قال { للتي } أي للطرائق والأحوال والسنن التي { هي أقوم } من كل طريقة وسنة وحال دعا إليها كتاب من الكتب السماوية ، أما في الصورة فباعتبار ما علا به من البيان ، وأما في الوعود فباعتبار العموم لجميع الخلق في الدارين ، وأما في الأصول فبتصريف الأمثال وتقريب الوسائل ، وحسم مواد الشبه وإيضاح وجوه الدلائل ، وأما الفروع فباعتبار الأحسنية تارة في السهولة والخفة ، وتارة في غير ذلك - كما هو واضح عند من تأمل ما بين الأمرين .

ولما انقسم الناس إلى مهتد به وضال ، أتبع سبحانه ذلك بيانه ، وكان التعبير عن حالهما بالبشرى في قوله تعالى : { ويبشر المؤمنين } أي الراسخين في هذا الوصف ، ولهذا قيدهم بياناً لهم بقوله تعالى : { الذين } يصدقون إيمانهم بأنهم { يعملون } أي على سبيل التجديد والاستمرار والبناء على العلم { الصالحات } من التقوى والإحسان { أن لهم } أي جزاء لهم في ظاهرهم وبواطنهم { أجراً كبيراً * } إشارة إلى صلاح هذه الأمة وثباتهم على دينهم وأنه لا يزال أمرهم ظاهراً كما كان إنذار كتاب موسى عليه السلام قومه إشارة إلى إفسادهم وتبديلهم دينهم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا} (9)

قوله تعالى : { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ( 9 ) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما ( 10 ) } هذه شهادة عليا من الله جل جلاله تفوق كل الشهادات يؤكد فيها سبحانه أن قرآنه الحكيم يدل البشرية ( للتي هي أقوم ) أي للصواب والحق . أو لأقوم الحالات وأسدها ، أو لخير الطرق والملل والشرائع . والمراد بذلك دين الإسلام ، القائم على الاعتدال والتوازن والوسط الذي يلائم الطبيعة البشرية ، ويناسب كل ما بني عليه الإنسان من استعدادات فطرية ومركبات نفسية وروحية وجسدية . فما من ملة ولا شريعة ولا عقيدة ولا نظام يناسب فطرة الإنسان وكل ميوله واستعداداته على خير شاكلة من التكامل والاعتدال سوى الإسلام . هذا الدين القائم على الحق والعدل والسداد ، بعيدا عن الشطط ، ومجانبا للإفراط والتفريط .

قوله : ( ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجر كبيرا ) يحمل القرآن البشرى للمؤمنين الموقنين بعقيدة الإسلام والذين يأتمرون بأوامر الله ، وينتهون عن نواهيه وزواجره ويلتزمون شرعه وأحكامه أن لهم من الله الجنة . وهي خير ما تدركه الأبصار أو تتصوره الأذهان من جزاء . وذلك لما فيه من بالغ النعيم والهناءة والسعادة والسكينة والراحة .