الأولى : أخبر الله تعالى في الآية التي قبل أنه لم يهلك القرى قبل ابتعاث الرسل ، لا لأنه يقبح منه ذلك إن فعل ، ولكنه وعد منه ، ولا خلف في وعده . فإذا أراد إهلاك قرية مع تحقيق وعده على ما قاله تعالى أمر مترفيها بالفسق{[10165]} والظلم فيها فحق عليها القول بالتدمير . يعلمك أن من هلك هلك بإرادته ، فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها إلى غاياتها ليحق القول السابق من الله تعالى .
الثانية : قوله تعالى : " أمرنا " قرأ أبو عثمان النهدي وأبو رجاء وأبو العالية ، والربيع ومجاهد والحسن " أمرنا " بالتشديد ، وهي قراءة علي رضي الله عنه ، أي سلطنا شرارها فعصوا فيها ، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم . وقال أبو عثمان النهدي " أمرنا " بتشديد الميم ، جعلناهم أمراء مسلطين ، وقاله ابن عزيز . وتأمر عليهم تسلط عليهم . وقرأ الحسن أيضا وقتادة وأبو حيوة الشامي ويعقوب وخارجة عن نافع وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعلى وابن عباس باختلاف عنهما " آمرنا " بالمد والتخفيف ، أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها ، قاله الكسائي . وقال أبو عبيدة : آمرته بالمد وأمرته ، لغتان بمعنى كثرته ، ومنه الحديث ( خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة ){[10166]} أي كثيرة النتاج والنسل . وكذلك قال ابن عزيز : آمرنا وأمرنا بمعنى واحد ، أي أكثرنا . وعن الحسن أيضا ويحيى بن يعمر " أمرنا " بالقصر وكسر الميم على فعلنا ، ورويت عن ابن عباس . قال قتادة والحسن : المعنى أكثرنا ، وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد ، وأنكره الكسائي وقال : لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد ؛ قال وأصلها " أأمرنا " فخفف ، حكاه المهدوي . وفي الصحاح : وقال أبو الحسن أمر ماله بالكسر أي كثر . وأمر القوم أي كثروا ، قال الشاعر :
أمِرون لا يرثون سَهْمَ القُعْدُدِ{[10167]}
وآمر الله ماله : بالمد : الثعلبي : ويقال للشيء الكثير أمر ، والفعل منه : أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا . قال ابن مسعود : كنا نقول في الجاهلية للحي إذا كثروا : أمر أمر بني فلان ، قال لبيد :
كلُّ بنِي حُرَّةٍ مصيرُهم *** قُلٌّ وإن أكثَرتْ من العَدَدِ
إن يُغبَطُوا يَهْبِطُوا وإن أَمِرُوا *** يومًا يصيرُوا للهُلْكِ والنكدِ{[10168]}
قلت : وفي حديث هرقل الحديث الصحيح : ( لقد أمِر أمْرُ ابن أبي كبشة{[10169]} ، إنه ليخافه ملك بني الأصفر ) أي كثر . وكله غير متعد ولذلك أنكره الكسائي ، والله أعلم . قال المهدوي : ومن قرأ " أمر " فهي لغة ، ووجه تعدية " أمر " أنه شبهه بعمر من حيث كانت الكثرة أقرب شيء إلى العمارة ، فعدي كما عدي عمر{[10170]} . الباقون " أمرنا " من الأمر ، أي أمرناهم بالطاعة إعذارا وإنذارا وتخويفا ووعيدا . " ففسقوا فيها " أي فخرجوا عن الطاعة عاصين لنا . " فحق عليها القول " فوجب ، عليها الوعيد ؛ عن ابن عباس . وقيل : " أمرنا " جعلناهم أمراء ؛ لأن العرب تقول : أمير غير مأمور ، أي غير مؤمر . وقيل : معناه بعثنا مستكبريها . قال هارون : وهي قراءة أُبَيّ " بعثنا أكابر مجرميها ففسقوا " ذكره الماوردي . وحكى النحاس : وقال هارون في قراءة أبي " وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق عليها القول " . ويجوز أن يكون " أمرنا " بمعنى أكثرنا ؛ ومنه ( خير المال مهرة مأمورة ) على ما تقدم . وقال قوم : مأمورة اتباع لمأبورة ، كالغدايا والعشايا . وكقوله : ( ارجعن مأزورات غير مأجورات ) . وعلى هذا لا يقال : أمرهم الله ، بمعنى كثرهم ، بل يقال : آمره وأمره . واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة العامة . قال أبو عبيد : وإنما اخترنا " أمرنا " لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها من الأمر والإمارة والكثرة . والمترف : المنعم ، وخصوا بالأمر لأن غيرهم تبع لهم .
الثالثة : قوله تعالى : " فدمرناها " أي استأصلناها بالهلاك . " تدميرا " وذكر المصدر للمبالغة في العذاب الواقع بهم . وفي الصحيح{[10171]} من حديث بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول : ( لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ) وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها . قالت : فقلت يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : ( نعم إذا كثر الخبث ) . وقد تقدم الكلام في هذا الباب ، وأن المعاصي إذا ظهرت ولم تغير كانت سببا لهلاك{[10172]} الجميع ، والله أعلم .
ولما أشار إلى عذاب المخالفين ، قرر أسبابه وعرف أنها بقدره ، وأن قدره لا يمنع حقوق العذاب ، لبناء الأمر على ما يتعارفه ذوو العقول بينهم فقال تعالى : { وإذا } أي فنبعث الرسل بأوامرنا ونواهينا ، وإذا أردنا أن نحيي قرية الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ، ألقينا في قلوب أهلها امتثال أوامرنا والتقيد باتباع رسلنا ، وإذا { أردنا } وإرادتنا لا تكون إلا عظيمة جداً { أن نهلك } أي بعظمتنا { قرية } في الزمن المستقبل { أمرنا } أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر أحد على مخالفتها { مترفيها } الذين لهم الأمر والنهي بالفسق ، أي استدرجناهم بإدرار النعم ودفع النقم على ما يعملون من المعاصي ، الذي كان - بكونه سبباً لبطرهم ومخالفتهم - كالأمر بالفسق { ففسقوا فيها } بعد ما أزال الرسول معاذيرهم بتبليغ الرسالة كما قال تعالى فلما نسوا ما ذكروا به }[ الأنعام :44 ] - أي على ألسنة الرسل -{ فتحنا عليهم أبواب كل شيء }[ الأنعام : 44 ] الآية{ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها }[ الأنعام : 123 ] وخص المترفين لأن غيرهم لهم تبع ، ولأنهم أحق الناس بالشكر وأولى بالانتقام عند الكفر ، ويجوز أن يكون : أمرناهم بأوامرنا ففسقوا فيها ، أي الأوامر بالطاعات التي يعلم قطعاً أن أوامرنا تكون بها ولا تكون بغيرها ، لأنا لا نأمر بالفحشاء ، وقد جرت العادة بأن المترف عسر الانقياد ، لا تكاد تسمح نفسه بأن يصير تابعاً بعدما كان متبوعاً ، فعصوا فتبعهم غيرهم لأن الأصاغر تبع للأكابر فأطبقوا على المعصية فأهلكناهم ، وقرأ يعقوب : آمرنا - بمد الهمزة بمعنى كثرنا ، من آمرت الشيء وأمرته فأمر - إذا كثرته ، وفي الحديث " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " أي كثيرة النتاج ؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية : آمر بنو فلان . والكثرة راجعة إلى الأمر الذي هو ضد النهي ، فإنه نتيجة العز الذي هو لازم الكثرة ، ويجوز أن يكون من المؤامرة ، أي أمرناهم بأوامرنا فما امتثلوا وأمرونا بأوامرهم ، أي سألونا ما يريدون فأعطيناهم ذلك استدراجاً فأبطرهم نيل الأماني ففسقوا { فحق } أي وجب وجوباً لا شك في وقوعه { عليها القول } الذي توعدناهم به على لسان الرسول بمباشرة البعض للفسق وسكوت الباقين على حسب ما تتعارفونه بينكم في أن من خالف الأمر الواجب عليه استحق العقاب { فدمرناها } أي أهلكناها إهلاكاً شديداً بغتة غير مبالين بها فجعلناها كالمدرة المفتتة ، وكان أمرها على عظمتنا هيناً ، ولذلك أكد فقال تعالى : { تدميراً * } .
قوله تعالى : { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } ( مترفيها ) ، من الترفه وهي النعمة ، والمترف المنعّم{[2654]} والمراد بمترفيها : المنعمون الذين بطروا النعمة والعيش الراغد . وقيل : غير ذلك .
والمعنى : إذا أراد الله إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم ، أو حان وقت إهلاكهم ؛ أمرهم بطاعته واتباع شرعه واجتناب معصيته ، وقيل : أمرنا الجبابرة المتسلطين من الحكام والساسة ( ففسقوا فيها ) أي أبوا إلا أن يفعلوا المعاصي والفواحش والخروج عن دين الله ومنهجه وشرعه ، والاستعاضة عن ذلك بشرائع الكفر والباطل ( فحق عليها القول ) أي وجب عليها الوعيد بالعذاب ( فدمّرناها تدميرا ) فأهلكناها إهلاكا .