الأولى-قوله تعالى : " أذن للذين يقاتلون " قيل : هذا بيان قوله " إن الله يدافع عن الذين آمنوا " أي يدفع عنهم غوائل الكفار بأن يبيح لهم القتال وينصرهم ، وفيه إضمار ، أي أذن للذين يصلحون للقتال في القتال ، فحذف لدلالة الكلام على المحذوف . وقال الضحاك : استأذن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار إذ آذوهم بمكة ، فأنزل الله " إن الله لا يحب كل خوان كفور " فلما هاجر نزلت " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا " . وهذا ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك صفح . وهي أول آية نزلت في القتال . قال ابن عباس وابن جبير : نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة . وروى النسائي والترمذي عن ابن عباس قال : ( لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ليهلكن ، فأنزل الله تعالى : " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " فقال أبو بكر : لقد علمت أنه سيكون قتال ) . فقال : هذا حديث حسن . وقد روى غير واحد عن سفيان عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير مرسلا ، ليس فيه : عن ابن عباس .
الثانية-في هذه الآية دليل على أن الإباحة من الشرع ، خلافا للمعتزلة ؛ لأن قوله : " أذن " معناه أبيح ، وهو لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ممنوع . وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " وغير موضع . وقرئ " أذن " بفتح الهمزة ، أي أذن الله . " يقاتلون " بكسر التاء أي يقاتلون عدوهم . وقرئ " يقاتلون " بفتح التاء ، أي يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون . ولهذا قال : " بأنهم ظلموا " أي أخرجوا من ديارهم .
ولما كان كأنه قد قيل : كيف تكون المدافعة وبمن ؟ فقيل : بعباده المؤمنين ، عبر عن ذلك بقوله : { أذن } وأشار بقراءة من بناه للمجهول إلى سهولة ذلك عليه سبحانه { للذين يقاتلون } أي للذين فيهم قوة المدافعة ، في المدافعة بالقتال بعد أن كانوا يمنعون منه بمكة ويؤمرون بالصفح ؛ ثم ذكر سبب الإذن فقال { بأنهم ظلموا } أي وقع ظلم الظالمين لهم بالإخراج من الديار ، والأذى بغير حق .
ولما كان التقدير : فأن الله أراد إظهار دينه بهم ، عطف عليه قوله : { وإن الله } أي الذي هو الملك الأعلى ، وكل شيء في قبضته ، ويجوز عطفه على قوله { إن الله يدفع } أي بإذنه لهم في القتال وأنه { على نصرهم } وأبلغ في التأكيد لا ستبعاد النصرة إذ ذاك بالكفار من الكثرة والقوة ، وللمؤمنين من الضعف والقلة ، فقال : { لقدير* }
قوله تعالى : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ( 39 ) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ( 40 ) } قال ابن عباس : هذه أول آية نزلت في القتال . وهو ما رواه الترمذي والنسائي . فقد روي عنه قوله : لما أخرج النبي من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ليهلكن . فأنزل الله ( أذن للذين يقاتلون ) الآية . فقال أبو بكر : لقد علمت أنه سيكون قتال . وذلك لما بغى المشركون على المسلمين وأخرجوا النبي من بين أظهرهم وهموا بقتله وشردوا أصحابه فذهب منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة .
فلما اجتمعوا بالمدينة وصارت لهم شوكة ومنعة ودار إسلام ومعقل يأوون إليه ، شرع الله الجهاد لقتال الظالمين الذين يعتدون على المسلمين ويصدون عن دين الله صدودا . وذلك قوله : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) فقد أباح الله لهم أن يقاتلوا عدوهم بعد أن أمرهم بالاصطبار ، واحتمال الأذى والمكاره . وذلك ( بأنهم ظلموا ) الباء للسببية ؛ أي بسبب أنهم ظلموا . وهم المؤمنون ، إذ كانوا يأتون رسول الله ( ص ) وهم بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم : " اصبروا فإني لم أومر بالقتال " حتى هاجر فنزلت الآية هذه بالقتال .
قوله : ( وإن الله على نصرهم لقدير ) الله مقتدر على أن يجعل النصر للمؤمنين من غير قتال ؛ لأن الأقدار والآجال والمصائر كلها بيد الله سبحانه ، فهو القادر أن يجعل النصر لما شاء من عباه ؛ لكنه كتب على عباده المؤمنين أن يجتهدوا في طاعته وأن يبذلوا من الأعمال والطاعات في هذه الدنيا لينالوا رضوان الله . وما الدنيا هذه إلا دار امتحان واختبار للعباد ، ثم تفضي بعد ذلك إلى الحساب والجزاء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.