الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ} (133)

قوله تعالى : " وربك الغني " أي عن خلقه وعن أعمالهم . " ذو الرحمة " أي بأوليائه وأهل طاعته . " إن يشأ يذهبكم " بالإماتة والاستئصال بالعذاب . " ويستخلف من بعدكم ما يشاء " أي خلقا آخر أمثل منكم وأطوع . " كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين " والكاف في موضع نصب ، أي يستخلف من بعدكم ما يشاء استخلافا مثل ما أنشأكم ، ونظيره " إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين{[6728]} " [ النساء : 133 ] . " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم{[6729]} " [ محمد : 38 ] . فالمعنى يبدل غيركم مكانكم ، كما تقول : أعطيتك من دينارك ثوبا .


[6728]:راجع ج 5 ص 409.
[6729]:راجع ج 16 ص 257.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ} (133)

ولما كان طلب العبادة للائتمار والانتهاء ربما{[31288]} أوهم الحاجة إليها لنفع في الطاعة أو{[31289]} ضرر يلحقه سبحانه من المعصية ، و{[31290]} كان الإمهال مع المبارزة ربما{[31291]} ظن أنه عن عجز ، قال مرغباً مرهباً : { وربك } أي المحسن إليك وإليهم بإرسالك ، وحصر الخبر في المبتدإ بقوله : { الغني } أي وحده الغني المطلق عن كل عابد وعبادته{[31292]} ، فليعمل العامل لنفع نفسه أو ضرها { ذو الرحمة } أي وحده بلإمهال والإرسال للتنبيه{[31293]} على ما يستحقه من الأعمال ؛ ولما {[31294]} كان اختصاصه بالغنى والرحمة فلا رحمة إلا منه ولا غنى إلا عنه ، وأنه ما رتب الثواب والعقارب إلا رحمة منه وجوداً ، استأنف بيان ذلك{[31295]} ، و{[31296]} أخبر عن هذا المبتدإ بوصفيه عند من جعلها وصفين بقوله مصرحاً بما أفاده{[31297]} : { إن يشأ يذهبكم } أي جميعاً بالإهلاك{[31298]} ، فلا يقع في ظن أحد منكم أن الإهلاك متوقف{[31299]} على شيء غير مشيئته ، ولكنه قضى بإمهالكم إلى آجالكم رحمة لكم وإكراماً لنبيكم صلى الله عليه وسلم ؛ ثم قال تحقيقاً لغناه أيضاً : { ويستخلف } .

ولما كان لم يجعل لأحد الخلد ، أدخل{[31300]} الجار فقال : { من بعدكم } أي بعد هلاككم { ما يشاء } أي يبدع غيركم من الخلق من جنسكم أو غير جنسكم{[31301]} كما أبدع أباكم آدم من التراب والتراب من العدم وفرعكم منه { كما أنشأكم من ذرية } أي نسل { قوم آخرين * } أي بعد أن أهلكهم أجمعين ، وهم أهل السفينة وقد كنتم نطفاً في أصلابهم ، لم يكن{[31302]} في واحدة{[31303]} منها حياة{[31304]} .


[31288]:من ظ، وفي الأصل: إنما.
[31289]:في ظ "و".
[31290]:سقط من ظ.
[31291]:زيد بعده في الأصل: أو هم الحاجة إليها والإمهال إنما، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[31292]:في ظ: عبادة.
[31293]:من ظ، وفي الأصل: ليتنبه.
[31294]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31295]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31296]:زيدت الواو لاستقامة العبارة.
[31297]:من ظ، وفي الأصل: أفاده.
[31298]:من ظ، وفي الأصل: بإهلاك.
[31299]:سقط من ظ.
[31300]:سقط من ظ.
[31301]:زيد من ظ.
[31302]:في ظ: لواحدة.
[31303]:في ظ: لواحدة.
[31304]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ} (133)

قوله : تعالى { وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين ( 133 ) إن ما توعدون لأت وما أنتم بمعجزين ( 134 ) قل يقوم اعملوا على مكانتكم إني عمل فسوف تعلمون من تكون له عقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } .

ربك الغني : مبتدأ وخبره . ذو الرحمة صفة للغني . والمعنى أن الله غني عن سائر الكائنات . وهو غني عن عباده وعن كل ما يصدر عنهم من طاعات وعبادات . والحقيقة الراسخة في هذا الصدد والتي يعيها كل مسلم واع متدبر هي { إن اله لغني عن العلمين } بل إن العاملين والخلائق كافة محتاجة إلى الله . فهو بعظيم سلطانه ورحمته مرجو ومقصود يتضرع إليه داعيا متذللا كل مؤمن عابد .

قوله : { إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء } ذلك تخويف للمكذبين العصاة وفيه من الوعيد ما لا يخفى على كل مدرك بصير . فالله تعالى إن يشأ يهلك الضالين المضلين الذين خلقهم من ذرية آدم ثم يأت بآخرين سواهم ليخلفوهم في الأرض من بعدهم وليكونوا أمثل منهم وأطوع .

قوله : { كما أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين } الكاف في موضع نصب ، صفة للمصدر المحذوف . وما مصدرية . والتقدير : ويستخلف استخلافا مثل إنشائكم من ذرية آخرين . والمراد أن الله إن يشأ يخلق غيركم من نسل قوم آخرين أفضل منكم وليسوا مثل صفتكم .