الأولى : قوله تعالى : " إن الذين عند ربك " يعني الملائكة بإجماع . وقال : " عند ربك " والله تعالى بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته ، وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده ، عن الزجاج . وقال غيره لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله . وقيل : لأنهم رسل الله ، كما يقال : عند الخليفة جيش كثير . وقيل : هذا على جهة التشريف لهم ، وأنهم بالمكان المكرم ، فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة . " ويسبحونه " أي ويعظمونه وينزهونه عن كل سوء . " وله يسجدون " قيل : يصلون . وقيل : يذلون ، خلاف أهل المعاصي .
الثانية - والجمهور من العلماء في أن هذا موضع سجود للقارئ . وقد اختلفوا في عدد سجود القرآن ، فأقصى ما قيل : خمس عشرة . أولها خاتمة الأعراف ، وآخرها خاتمة العلق . وهو قول ابن حبيب وابن وهب - في رواية - وإسحاق . ومن العلماء من زاد سجدة الحجر قوله تعالى : " وكن من الساجدين " [ الحجر : 98 ] على ما يأتي بيانه{[7563]} إن شاء الله تعالى . فعلى هذا تكون ست عشرة . وقيل : أربع عشرة ، قاله ابن وهب في الرواية الأخرى عنه . فأسقط ثانية الحج . وهو قول أصحاب الرأي والصحيح سقوطها ؛ لأن الحديث لم يصح بثبوتها . ورواه ابن ماجة وأبو داود في سننهما عن عبدالله بن منين من بني عبد كلال عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن ، منها ثلاث في المفصل ، وفي الحج سجدتان . وعبدالله بن منين لا يحتج به ، قاله أبو محمد عبدالحق . وذكر أبو داود أيضا من حديث عقبة بن عامر قال قلت : يا رسول الله ، أفي سورة الحج سجدتان ؟ . قال : " نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما " . في إسناده عبدالله بن لهيعة ، وهو ضعيف جد . وأثبتهما الشافعي وأسقط سجدة ص . وقيل : إحدى عشرة سجدة ، وأسقط آخرة الحج وثلاث المفصل . وهو مشهور مذهب مالك . وروي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهم . وفي سنن ابن ماجة عن أبي الدرداء قال : سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة والفرقان وسليمان سورة النمل والسجدة وص وسجدة الحواميم . وقيل : عشر ، وأسقط آخرة الحج وص وثلاث المفصل ، ذكر عن ابن عباس . وقيل : إنها أربع ، سجدة آلم تنزيل وحم تنزيل والنجم والعلق . وسبب الخلاف اختلاف النقل في الأحاديث والعمل ، واختلافهم في الأمر المجرد بالسجود في القرآن ، هل المراد به سجود التلاوة أو سجود الفرض في الصلاة ؟
الثالثة - واختلفوا في وجوب سجود التلاوة ، فقال مالك والشافعي : ليس بواجب . وقال أبو حنيفة : هو واجب . وتعلق بأن مطلق الأمر بالسجود على الوجوب ، وبقوله عليه السلام : " إذا قرأ ابن آدم سجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله " . وفي رواية أبي كريب " يا ويلي " ، وبقوله عليه السلام إخبارا عن إبليس لعنه الله : " أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار " . أخرجه مسلم . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ عليه . وعول علماؤنا على حديث عمر الثابت - خرجه البخاري - أنه قرأ آية سجدة على المنبر فنزل{[7564]} فسجد وسجد الناس معه ، ثم قرأها في الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود ، فقال : " أيها الناس على رسلكم ! إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء " . وذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين{[7565]} من الأنصار والمهاجرين . فلم ينكر عليه أحد ، فثبت الإجماع به في ذلك . وأما قوله : " أمر ابن آدم بالسجود " فإخبار عن السجود الواجب . ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على الاستحباب ! والله أعلم .
الرابعة - ولا خلاف في أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة حدث ونجس ونية واستقبال قبلة ووقت . إلا ما ذكر البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير طهارة . وذكره ابن المنذر عن الشعبي . وعلى قول الجمهور هل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده وتكبير وتسليم ؟ اختلفوا في ذلك ، فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع للتكبير لها . وقد روي في الأثر عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد كبر ، وكذلك إذا رفع كبر . ومشهور مذهب مالك أنه يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة . واختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة ، وبالتكبير لذلك قال عامة الفقهاء ، ولا سلام لها عند الجمهور . وذهب جماعة من السلف وإسحاق إلى أنه يسلم منها . وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أولها للإحرام . وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب . والأول أولى ؛ لقوله عليه السلام : " مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم " وهذه عبادة لها تكبير ، فكان لها تحليل كصلاة الجنازة بل أولى ، لأنها فعل وصلاة الجنازة قول . وهذا اختيار ابن العربي .
الخامسة - وأما وقته فقيل : يسجد في سائر الأوقات مطلقا ؛ لأنها صلاة لسبب . وهو قول الشافعي وجماعة . وقيل : ما لم يسفر الصبح ، أو ما لم تصفر الشمس بعد العصر . وقيل : لا يسجد بعد الصبح ولا بعد العصر{[7566]} . وقيل : يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر . وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا . وسبب الخلاف معارضة ما يقتضيه سبب قراءة السجدة من السجود المرتب عليها لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح . واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصلاة في هذين الوقتين ، والله أعلم .
السادسة - فإذا سجد يقول في سجوده : اللهم احطط عني بها وزرا ، واكتب لي بها أجرا ، واجعلها لي عندك ذخرا . رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم . ذكره ابن ماجة .
السابعة - فإن قرأها في صلاة ، فإن كان في نافلة سجد إن كان منفردا أو في جماعة وأمن التخليط فيها . وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها فالمنصوص جوازه . وقيل : لا يسجد . وأما في الفريضة فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها ، سواء كانت صلاة سر أو جهر ، جماعة أو فرادى . وهو معلل بكونها زيادة في أعداد سجود الفريضة . وقيل : معلل بخوف التخليط على الجماعة ، وهذا أشبه . وعلى هذا لا يمنع منه الفرادى ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط .
الثامنة - روى البخاري عن أبي رافع قال : صليت مع أبي هريرة العتمة ، فقرأ " إذا السماء انشقت " [ الإنشقاق : 1 ] فسجد ، فقلت : ما هذه ؟ قال : سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه . انفرد بإخراجه . وفيه : " وقيل لعمران بن حصين : الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها ؟ قال : أرأيت لو قعد لها ! كأنه لا يوجبه عليه . وقال سلمان : ما لهذا غدونا{[7567]} . وقال عثمان{[7568]} : إنما السجدة على من استمعها . وقال الزهري : لا يسجد إلا أن يكون طاهرا ، فإذا سجدت وأنت في حضر فاستقبل القبلة ، فإن كنت راكبا فلا عليك ، حيث كان وجهك . وكان السائب لا يسجد لسجود القاص{[7569]} " والله أعلم .
ثم علل الأمر بالمراقبة الدالة على أعظم الخضوع بأنها وظيفة المقربين فقال : { إن{[34480]} الذين } وزاد ترغيباً في ذلك بقوله : { عند ربك } أي المحسن إليك بتقريبك من جنابه وجعلك أكرم أحبابه{[34481]} ، وهم الملائكة الكرام أولو العصمة{[34482]} ، والقرب دنو مكانة لا مكان { لا يستكبرون } أي لا يوجدون ولا يطلبون الكبر { عن عبادته } أي الخضوع له والتلبس بانحاء التذلل{[34483]} مع مزيد قربهم وغاية طهارتهم وحبهم { ويسبحونه } أي ينزهونه عن كل مالا يليق مع خلوصهم{[34484]} عن دواعي الشهوات والحظوظ .
ولما كان هذا يرجع إلى المعارف ، وقدمه دلالة على أنه الأصل في العبادة أعمال القلوب ، أردفه بقوله : { وله } أي وحده { يسجدون } أي يخضعون بإثباتهم له{[34485]} كل كمال ، وبالمباشرة لمحاسن الأعمال ، وقد تضمنت الآية الإخبار عن الملائكة الأبرار بثلاثة أخبار : عدم الاستكبار الذي هو أجل أنواع العبادة إذ هو الحامل على الطاعة كما أن ضده حامل على المعصية ، والتسبيح الذي هو التنزيه عن{[34486]} كل مالا يليق ، وتخصيصه بالسجود ، ولما كانت العبادة ناشئة عن انتفاء الاستكبار ، وكانت{[34487]} على قسمين : قلبية وجسمانية ، أشار إلى القلبية بالتنزيه ، وإلى الجسمانية بالسجود ، وهو الحال الذي يكون العبد به عند ربه كالملائكة قرباً وزلفى " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " نبه عليه أبو حيان{[34488]} على أن العبادتين مرجعهما القلب ، وإحداهما{[34489]} مدلول عليها بالقول والأخرى بالفعل ، وقد رجع آخر السورة في الأمر باتباع القرآن إلى أولها أحسن رجوع ، ولوصف المقربين بعدم الاستكبار والمواظبة على وظائف الخضوع إلى وصف إبليس بعصيان أمر الله في السجود لآدم عليه السلام على طريق الاستكبار أيّ التفات ، بل شرع في رد المقطع على المطلع حين أتم قصص الأنبياء ، فقوله ولقد ذرأنا }[ الأعراف : 179 ] هو قوله{ والذي خبث لا يخرج إلا نكداً }[ الأعراف : 58 ] يتضح لك ذلك إذا راجعت{[34490]} ما قدمته في المراد منها{[34491]}{ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها }[ الأعراف : 180 ] هو{[34492]} - { ادعوا ربكم تضرعاً وخفية } و{ ممن خلقنا أمة يهدون بالحق }{[34493]}[ الأعراف : 180 ] - هو{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة }[ الأعراف : 42 ] { والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها }[ الأعراف : 36 ] { وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم }[ الأعراف : 185 ] هو{ إذا جاء أجلهم لا يستأخرون }[ الأعراف : 34 ] و{ يسئلونك عن الساعة }{[34494]}[ النازعات : 42 ] هو{ كما بدأكم تعودون }[ الأعراف : 29 ] و{ لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين }[ الأعراف : 24 ] و{ هو الذي خلقكم من نفس واحدة }[ الأعراف : 189 ] { لقد خلقناكم ثم صورناكم }[ الأعراف : 11 ]
{ إنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي }[ الأعراف : 203 ] - إلى آخرها بعد التنفير من الأنداد - هو كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه - إلى قوله :{ ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون }[ ٍالأعراف : 3 ] فسبحان من هذا كلامه ، وتعالى حجابه وعز مرامه ، وعلى من أنزل عليه صلاته وسلامه ، وتحيته وإكرامه .
وقد رجع آخر السورة في الأمر باتباع القرآن إلى أولها أحسن رجوع ، ولوصف المقربين بعدم الاستكبار والمواظبة على وظائف الخضوع إلى وصف إبليس بعصيان أمر الله في السجود لآدم عليه السلام على طريق الاستكبار أيّ التفات ، بل شرع في رد المقطع على المطلع حين أتم قصص الأنبياء ، فقوله ولقد ذرأنا }[ الأعراف : 179 ] هو قوله{ والذي خبث لا يخرج إلا نكداً }[ الأعراف : 58 ] يتضح لك ذلك إذا راجعت ما قدمته في المراد منها{ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها }[ الأعراف : 180 ] هو - { ادعوا ربكم تضرعاً وخفية } و{ ممن خلقنا أمة يهدون بالحق }[ الأعراف : 180 ] - هو{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة }[ الأعراف : 42 ] { والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها }[ الأعراف : 36 ] { وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم }[ الأعراف : 185 ] هو{ إذا جاء أجلهم لا يستأخرون }[ الأعراف : 34 ] و{ يسئلونك عن الساعة }[ النازعات : 42 ] هو{ كما بدأكم تعودون }[ الأعراف : 29 ] و{ لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين }[ الأعراف : 24 ] و{ هو الذي خلقكم من نفس واحدة }[ الأعراف : 189 ] { لقد خلقناكم ثم صورناكم }[ الأعراف : 11 ]
{ إنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي }[ الأعراف : 203 ] - إلى آخرها بعد التنفير من الأنداد - هو كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه - إلى قوله :{ ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون }[ ٍالأعراف : 3 ] فسبحان من هذا كلامه ، وتعالى حجابه وعز مرامه ، وعلى من أنزل عليه صلاته وسلامه ، وتحيته وإكرامه .
قوله : { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحون وله يسجدون } المرد بالذين عند ربك ، الملائكة . وهم عنده ؛ لأنهم قريبون من رحمته سبحانه . وكل قريب من رحمة الله فهو عنده . وقيل : المراد من كونهم عنده ، التشريف لهم والتكريم ؛ فهذا عبارة عن قربهم في الكرامة وليس في المسافة . أولئك هم الملائكة الأبرار الأطهار الذين يصلون الليل بالنهار وهم في طاعة الله وعبادته والذين تتبرأ طبيعتهم من الاستكبار أو العصيان . { ويسبحونه } أي منشغلون في تعظيمه وتنزيهه عن كل ضعف أو تقص { وله يسجدون } أي يصلون ويتذللون . وهم ماضون على حالهم هذا من دوام التذلل والتخشع والعبادة والتسبيح لا يعرفون العصية أو الملالة أو الكلال{[1614]} .
وهذا موضع سجود للقارئ عند الجمهور . والسجود للتلاوة واجب عند الحنفية ، ومندوب عند الملائكة والشافعية . أما صفة السجود : فإن القارئ يكبر إذا خفض وإذا رفع . وهو قول الشافعية والحنبلة . والمشهور من مذهب مالك أنه يكبر للسجدة في الخفض والرفع في الصلاة . أما على من يتوجه حكم السجدة ؛ فقد أجمعوا على أنه يتوجه على القارئ في الصلاة أو غير الصلاة . أما السامع ؛ فهو عليه أن يسجد عند أبي حنيفة ؛ ومالك في رواية عنه .
على أن السجود للتلاوة يحتاج إلى الصلاة من طهارة حدث وتجس ونية استقبال قبلة . وأما من حيث الوقت : فإنه يسجد في سائر الأوقات مطلقا ؛ لأنها صلاة لسبب . وهو قول الشافعي وآخرين . وقيل : لا يسجد في الأوقات المنتهي عن الصلاة فيها . وهو قول أبي حنيفة ومالك . وليس لسجدة التلاوة من سلام . وهو قول جمهور أهل العلم . وذهب آخرون إلى أنه يسلم منها{[1615]} .