الأولى - روي أن قوما من المنافقين اجتمعوا ، فيهم الجلاس بن سويد ووديعة بن ثابت ، وفيهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس ، فحقروه فتكلموا وقالوا : إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير . فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقول حق وأنتم شر من الحمير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم ، فحلفوا أن عامرا كاذب ، فقال عامر : هم الكذبة ، وحلف على ذلك وقال : اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب . فأنزل الله هذه الآية وفيها " يحلفون بالله لكم ليرضوكم " .
الثانية - قوله تعالى : " والله ورسوله أحق أن يرضوه " ابتداء وخبر . ومذهب سيبويه أن التقدير : والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه ، ثم حذف ، كما قال بعضهم{[8126]} : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وقال محمد بن يزيد : ليس في الكلام محذوف ، والتقدير ، والله أحق أن يرضوه ورسوله ، على التقديم والتأخير . وقال الفراء : المعنى ورسوله أحق أن يرضوه ، والله افتتاح كلام ، كما تقول : ما شاء الله وشئت . قال النحاس : قول سيبويه أولاها ؛ لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن أن يقال : ما شاء الله وشئت ، ولا يقدر في شيء تقديم ولا تأخير ، ومعناه صحيح .
قلت : وقيل إن الله سبحانه جعل رضاه في رضاه ، ألا ترى أنه قال : " من يطع الرسول فقد أطاع{[8127]} الله " [ النساء 80 ] . وكان الربيع بن خثيم إذا مر بهذه الآية وقف ، ثم يقول : حرف وأيما حرف فُوض إليه فلا يأمرنا إلا بخير .
الثالثة - قال علماؤنا : تضمنت هذه الآية قبول يمين الحالف وإن لم يلزم المحلوف له الرضا . واليمين حق للمدعي . وتضمنت أن يكون اليمين بالله عز وجل حسب ما تقدم{[8128]} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من حلف فليحلف بالله أو ليصمت ومن حلف له فليصدق ) . وقد مضى القول في الأيمان والاستثناء فيها مستوفى في المائدة{[8129]} .
ثم علل ذلك باستهانتهم بالله ورسوله ، وأخبر أنهم يخشون على دمائهم فيصلحون ظواهرهم{[36626]} حفظاً لها بالأيمان الكاذبة فقال : { يحلفون بالله } أي الذي له تمام العظمة { لكم } أي أنهم ما آذوا النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً ولا أولادكم بالمخالفة عموماً ؛ وبين غاية مرادهم بقوله : { ليرضوكم } .
ولما كان الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بأذن بالمعنى الذي أرادوه ، بين أنه لم يكن راضياً بإيمانهم لعدم وقوع صدقتهم في قلبه ولكنه أظهر تصديقهم لما تقدم من الإصلاح فقال : { والله } أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه { ورسوله } أي الذي هو أعلى خلقه ، وبلغ النهاية في تعظيمه بتوحيد الضمير الدال على وحدة الراضي لأن كل ما يرضي أحدهما يرضي الآخر فقال : { أحق أن } أي بأن { يرضوه } ولما كان مناط الإرضاء{[36627]} الطاعة ومدار الطاعة الإيمان ، قال معبراً بالوصف لأنه مجزأه{[36628]} : { إن كانوا مؤمنين* } أي فهم يعلمون أنه أحق بالإرضاء فيجتهدون فيه ، وذلك إشارة إلى أنهم إن جددوا إرضاءه كل وقت كان دليلاً على إيمانهم ، وإن خالفوه كان قاطعاً على كفرانهم .
قوله تعالى : { يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين 62 ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم } روي أن رجلا من المنافقين قال : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرفنا وإن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمير ، فسمعها رجل من المسلمين ، فقال : والله إن ما يقول محمد لحق ولأنت أشر من الحمار ، فسعى بها الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال : ( ما حملك على الذي قلت ؟ ) فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك ، وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب ، فأنزل الله : { يحلفون بالله لكم } الآية .
وقيل : خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وطعنوا في الدين ، فنقل حذيفة ما قالوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم ، فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لهم{[1835]} .
والمعنى : أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم أيها المؤمنون بالله لترضوا عنهم ولتصدقوهم فيما أنكروه وكذبوه مما نسب إليهم من إيذاء وطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد حلفوا الأيمان الفاجرة أنهم ما قالوا شيئا مما نسب إليهم ، وأنهم على دينكم وهم معكم على من خالفكم . وهم في الحقيقة إنما يبتغون بذلك إرضاءكم أنتم غير عابئين بكونهم كاذبين فاسقين .
قوله : { والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين } لفظ الجلالة مبتدأ . وخبره { أحق } . والتقدير : والله أحق أن يرضوه ، ورسوله أحق أن يرضوه{[1836]} ؛ أي أن الله أحق أن يبتغوا رضوانه بالتوبة إليه والإنابة مما اقترفوه من الكذب والباطل على رسول الله إن كانوا صادقين مصدقين بالله ورسوله وما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.